الإسلام السياسي: الظاهرة والذاكرة والمفهوم.. مشاتل التغيير (54)

سيف الدين عبد الفتاح
"شيطنة الإسلام السياسي والإخوان المسلمين"- جيتي
"شيطنة الإسلام السياسي والإخوان المسلمين"- جيتي
شارك الخبر
كان في النية أن نواصل الحديث عن السبيل إلى تكوين عقل استراتيجي للأمة، إلا أنني في إسطنبول حضرت مؤتمرا مهما حول إشكالية تصنيف الإخوان كـ"منظمة إرهابية"؛ نظمه منتدى الحوار للثقافة والإعلام بالتعاون مع عدد من المراكز البحثية تحت عنوان "تصنيف الحركات الإسلامية ككيانات إرهابية.. المخاطر والتداعيات"، حيث ناقش المؤتمر توجه الإدارة الأمريكية نحو التصنيف وبيئة اتخاذ القرار الداخلية والخارجية، كما طرح معايرة قانونية على واقع جماعة الإخوان المسلمين، وتاريخها وفكرها وتجاربها، انتهاء بالتداعيات وسبل المواجهة، وكيف قام من أدرج الإخوان باستهلاك مفهوم "الإسلام السياسي" بتقديم حيثيات بائسة لهذا التجريم.

تمثل دراسة الظاهرة الإسلامية بعد الثورات العربية خاصة في الفترة الأخيرة مسألة غاية في الأهمية، فهذه الدراسة لا يمكنها أن تجدي تحت افتراض أن هذه الفترة يمكن اقتطاعها عن سياقاتها السابقة وذاكرتها الماضية، في ظل استمرار حدث الثورات وتوالي موجاتها سواء في دول الثورات الأولى مثل مصر وتونس، أو دول الموجات الأخرى مثل سوريا وليبيا واليمن والعراق والجزائر والسودان وصولا إلى لبنان. فحدث الثورة الذي عرفته الدول العربية لن ينتهي قريبا رغم الانتصار المؤقت لبعض مشاريع الاستبداد في الدول العربية، ومن ثم فإن دراسة القوى السياسية التي شاركت في الثورة مثل الحركات الإسلامية، والتعرف على سياقاتها ودورها وخطابها واستشراف مستقبلها، أمر في غاية الأهمية في إطار دراسة مستقبل الثورات العربية بشكل عام ومستقبل هذه الحركات بشكل خاص.

دراسة القوى السياسية التي شاركت في الثورة مثل الحركات الإسلامية، والتعرف على سياقاتها ودورها وخطابها واستشراف مستقبلها، أمر في غاية الأهمية في إطار دراسة مستقبل الثورات العربية بشكل عام ومستقبل هذه الحركات بشكل خاص

يرتبط المدخل بالمفاهيم وارتباطها بالظاهرة والذاكرة، فإطلاق الإسلام السياسي يظل مفهوما مسيّسا ومؤدلجا في التعاطي معه سواء أقره أصحاب الظاهرة الإسلامية أو اختلفوا معه، وسواء أطلقه بعض كتاب الغرب أو أطلقوا مفاهيم أخرى ارتبطت جميعها بمحاولات تتعلق بوصف الظاهرة أو محاولة التمويه عليها، وكذا صناعة قابلياتها لعملية تشويه كبرى وافتعال الظواهر لغلقها وربطها بمفاهيم ذات حمولات سلبية ضمن رؤية الغرب لتلك الظاهرة، ومحاولة ربطها بظواهر مثل العنف والإرهاب، وغالبا ما ارتبط ذلك بمداخل ومسالك متعددة تتعلق بالإسلام فوبيا ومداخلها المتنوعة في سياقات تشويه الظاهرة؛ ذاكرة وسياقات، مواقف وأفعال، وغالبا ما ارتبط ذلك بالظاهرة الاستشراقية وكتابات الشرق الأوسط وبعض المنصات الإعلامية في محاولات لتدشين الصور الذهنية حيال الظاهرة والذاكرة والمفاهيم؛ ذلك أن مفهوم الإسلام السياسي ليس إلا صناعة غربية قد ابتدعها الغرب ثم انتقدها ونقضها؛ كما تؤكد ذلك مؤشرات كثيرة وشواهد خطيرة.

من المهم في البداية أن نؤكد على أن منهج النظر في التعامل مع الظاهرة الإسلامية بما تتخذه من أشكال ومسالك متعددة؛ تجعلنا نتذكر ذلك التحفظ المبدئي الذي كنا نؤكد عليه في كثير من الفعاليات البحثية حينما يتعلق الأمر بدراسة هذه الظاهرة، لنذكر أن الإسلام لا يتجزأ، فمن غير الممكن أن نتحدث عن إسلام سياسي وإسلام اقتصادي وإسلام اجتماعي وإسلام ثقافي؛ فيؤدي ذلك إلى تجزئة هذا التكامل بين تلك الجوانب المختلفة للرؤية الإسلامية، فنختزل الإسلام تارة في السياسة وتارة أخرى في الثقافة، ولكن الأمر الأساس في هذا المقام إنما يتعلق بالحديث عن الظاهرة الإسلامية باعتبارها تتحدث عن أهم الظواهر والأشكال التي يتخذها التدين ودخول هذه الظاهرة إلى الساحة التي تتعلق بالممارسة السياسية، ومن ثم فإن هؤلاء الذين تحدثوا عن الإسلام السياسي في هذا الوقت استغراقا هم الذين يتحدثون اليوم عن خطورة هذه الظاهرة والفشل الذي أحاط بها، رغم أنهم منذ البداية هم الذين أطلقوا هذا الاسم على الظاهرة، وهو في حقيقة الأمر لم يكن إلا نمطا من أنماط التدين وممارسته في الشأن السياسي.

في نقد مقولة الإسلام السياسي؛ تحفظنا من قبل على مفهوم الإسلام السياسي وذلك من فترة مبكرة، ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هناك أمرين أضرا بالتعامل مع هذه الظاهرة التي عُنونت بالإسلام السياسي، الأول منهما من أهلها؛ فاعتقاد العصمة في الممارسات الإسلامية بل ومد العصمة على التنظيمات المسماة بالإسلامية، أمر شديد الخطورة وتجاهل أن الممارسات قالت إن هؤلاء قابلين للنجاح والفشل، بل وفي الميزان السياسي هم في غالب الأحوال ممارساتهم غير ناضجة وغضة، وثانيهما من خصوم الظاهرة وهم من قالوا من البداية إنه ليس هناك من طريق لإدماج الإخوان المسلمين في الحياة السياسية سوى انخراطهم في العملية السياسية، فلما انخرطوا واجهوهم بمقولتين: أنتم تسعون للسلطة وتسيّسون الدين، وصمتوا في الغالب عن تسييس/ تأميم الدولة للدين، أيضا الانتقادات لم تتوقف عندما انخرطت الحركات الإسلامية في العملية السياسية، فقد أصبحوا يحاسبونها على النية وليس الفعل، وجزء من هؤلاء بدأوا ينتقدون الإسلام في رؤيته الجوهرية وليس فقط التكوينات السياسية وممارستها.

ومن ثم فإن منهجنا في معالجة الظاهرة الإسلامية في جانب الممارسة السياسية يقوم على ما يلي:

أ- أن هذه الظاهرة قابلة للنقد وللخطأ والصواب، وأن ممارسة المنهج النقدي في التعامل مع هذه الظاهرة من أوجب الواجبات.

ب- أن من حق هذه التكوينات الإسلامية أن تتمسك برؤيتها ومشروعها الإسلامي ومرجعيتها الإسلامية، مثلها مثل أي ممارس سياسي من حقه أيضا أن يتمسك بمرجعيته وأيديولوجيته.

ج- أن تشريح التكوينات الإسلامية في ميدان الممارسة السياسية والشأن العام يتطلب ألا ننظر لهذه الظاهرة ككتلة واحدة مصمتة، ولكن علينا أن نمارس تشريحا وترشيحا لتلك الظاهرة في التعامل معها.

د- أن النظر لهذه الظاهرة لا يمكن أن يكون استقلالا عن السياقات والاتجاهات الأخرى في إطار عملية التنافس السياسي، ومن الأهمية بمكان بحث كيفية التعامل خصوصا في ظل الاتهامات وممارسة ما هو ليس بحقيقي أو حقائق حول هذه الظاهرة الإسلامية، فصار تعامل هؤلاء الخصوم ليس فقط في إطار التنافس السياسي، بل استدعي حزمة من الاتهامات الأيديولوجية التي تتحكم فيها النظرة المسبقة لدخول عالم المسلمين إلى قلب الظاهرة السياسية والممارسة السياسية.

هـ- أن الظاهرة الإسلامية حين اجتمعت مع التوجهات الأخرى في معارضة الأنظمة السياسية لم تقم على قاعدة رصينة من التوافق السياسي أو على قاعدة عقد اجتماعي وسياسي جديد، ولكن ظلت هذه العلاقة مشحونة بالاختلافات مسكونة بالصراعات، فهو أمر مهّد لبيئة الاستقطاب أكثر من تأسيس بنية تحتية لعمليات التوافق والاتفاق.

و- الأخطر والأشد أن تتطور تلك الممارسات الاستقطابية خاصة من جانب النظم المستبدة لتقوم على صناعتين؛ صناعة الفرقة، وصناعة الفوضى والتلويح بهما، مما أدى إلى بروز ما يمكن تسميته بسياسات واستراتيجيات صناعة الكراهية، إذ قامت تلك السلطات الفاشية المستبدة ضمن استغلالها لهذه البيئة في تقسيم الشعب الواحد إلى شعوب متعددة، هيأ هذا التقسيم إلى ممارسة حالة من الحروب الأهلية والداخلية سواء في ميدان الخطاب والكلمات أو في التقاتل الفعلي كما في بعض الخبرات في بلاد الثورات، مما سمح بإضعاف المجتمع في مواجهة السلطة والحال الذي أدى إلى تغول السلطة على كامل مساحات المجتمع.

ز- باب التحالفات ومن خلال مدخل الجامعية بين هذه القوى السياسية المختلفة، ولكن بدا لمثل هذه القوى أن تقوم في السر وفي العلن بعمل توافقات مع السلطة وأصحاب القوة، فأدى ذلك إلى التلاعب بالطرفين أو إذكاء نار الفتنة واستدعاء عوامل الفرقة في حال التعامل السياسي على أقل تقدير، ونستطيع أن نشير إلى المجلس العسكري نموذجا في حالة الثورة المصرية.

كل تلك الأمور أسهمت بشكل خطير في تشويه الظاهرة الإسلامية وتجربتها السياسية وذلك على النحو التالي:

1- شيطنة الإسلام السياسي والإخوان المسلمين على وجه الخصوص ضمن عمليين متوازيين، وهما صناعة الصورة على مستوى الخارج، وشيطنة الإسلاميين على مستوى الداخل في التعامل السياسي والممارسة السياسية.

أراد هؤلاء بشكل مبكر أن يعودوا مرة أخرى إلى السيرة الأولى في العمل السياسي من استبعاد الإخوان ومطالبتهم بالتنحي عن العمل في المجال السياسي، كما روّجوا اتهامات أخونة الدولة والسيطرة على مفاصلها، بالإضافة للاتهام بارتباط الإخوان بمشروعات خارجية غير معتبرة للدولة، وصولا للاتهام بالعمالة والخيانة للخارج

2- أن "الإسلاموفوبيا" صارت مع هذه الشيطنة ليست مجرد حالة تتعلق بنظرة الحضارة الغربية لعالم الإسلام والمسلمين، ولكنها في حقيقة الأمر ارتبطت أيضا بالداخلي والإقليمي في سياق يتعلق بشيطنة الإخوان المسلمين على هذين المستويين، خاصة مع وجودهم في المشهد المتعلق بالثورات العربية.

3- اللغة الاتهامية المتواصلة لهذا الفصيل الإسلامي، ابتداء بأن هؤلاء لا يصلحون للعمل الثوري بما ينتهجونه من طرق إصلاحية، وأنهم لم يبدأوا بالثورات ولكن لحقوا بها وهيمنوا عليها (ركبوها)، أو أن اشتراكهم في الثورات لم يكن هو العامل المؤثر أو الحاسم ورغم ذلك هم الذين جنوا ثمار هذه الثورات في المشهد السياسي. وقد وقف خلف هذه الاتهامات تيار "الدولتية" أو "الدولجية"، وهو ما أثر على رسم صورة للمجال السياسي، فأراد هؤلاء بشكل مبكر أن يعودوا مرة أخرى إلى السيرة الأولى في العمل السياسي من استبعاد الإخوان ومطالبتهم بالتنحي عن العمل في المجال السياسي، كما روّجوا اتهامات أخونة الدولة والسيطرة على مفاصلها، بالإضافة للاتهام بارتباط الإخوان بمشروعات خارجية غير معتبرة للدولة، وصولا للاتهام بالعمالة والخيانة للخارج.

4- بدا لهؤلاء "الدولتية" يمارسون اتفاقا مع السلطة المستبدة رغم أن خطابهم كان يبحث عن الديمقراطية (الباحث عن الديمقراطية لا يتحالف مع الاستبداد ضد الإسلاميين)، وفعلوا ذلك تحت دعوى أن الإسلاميين ليسوا ديمقراطيين فأدى بهم ذلك إلى الالتقاء مع المستبدين للوقوف معا في وجه الإسلاميين. كانت تلك المفارقة بحق هي أهم مسار مارسته تلك النخب، بحيث بدا لها تتحدث عن إطار متوهم لبناء دولة دينية، ولكنها أغفلت أن الدولة المدنية أيضا لا بد وأن تكون في مواجهة الطغمة العسكرية، وعسكرة المجتمع.

5- يتعلق بحقيقة جوهرية أن المضادين للثورة قاموا بكل ما من شأنه لقتل هبّات ونسمات التغيير التي تمثلت في الثورات العربية، وقامت بكل ما من شأنه إيقاف حركة التغيير والثورات، وهو أمر أدى في النهاية إلى تحويل فعل الثورات العربية إلى حالة مأزومة ودول فاشلة وتدويل لحالة هذه الدول لمعالجة أزماتها المستفحلة، ضمن ما أُسمي بالمبعوث الدولي الذي شهدت فيه كثير من دول الثورات العربية حروبا داخلية ليست هي الحروب الأهلية في توصيفها؛ لأنها بذلك مارست تلك الحروب الأهلية لإضفاء حالة من الفوضى وعدم الاستقرار وتدويل قضايا هذه الدول من أقرب طريق، بينما آثرت بالنسبة لثورة مثل مصر أن تحرك وتدعم انقلابا عسكريا يعود بالحال إلى ما قبل المربع الأول، وينتج نظاما عسكريا فاشيا لا يعسكر الدولة فحسب بل إنه يعسكر المجتمع بأسره، وربما بهذه الأوضاع فقد أحدثوا حالة يصفونها بالنجاح في وقف هذا المد التغييري، ويتفاخرون بأنهم أجهضوا هذه المحاولة التي تسمى بـ"الربيع العربي".

x.com/Saif_abdelfatah
التعليقات (0)