من الأهمية بمكان أن نشير إلى أن استراتيجية
الخطاب من أهم الاستراتيجيات
التي ترتبط بحالة ثورية أو حالة استثنائية انتقالية، ولكل من هذه الحالات
استراتيجية خطاب خاصة سواء على مستوى الصياغة أو الهدف؛ فهناك خطابات تتعلق بالشأن
العام، وهنالك الخطاب السياسي وكذلك الخطاب الإعلامي، والخطابات النوعية التي تتجه
إلى فئات بعينها.
إن التمييز بين الخطابات ومستوياتها مسألة في غاية الأهمية، وشأن هذه
الخطابات أن تقوم على دراسات معمقة لتلك الخطابات مفردات وسياقات حتى يمكن دراستها
الدراسة العلمية الملائمة في هذا المقام، وغاية الأمر في هذا الشأن أن مجمل خطاب الحركات
الإسلامية نابع من الإدراكات، كما أنه لا ينفك عن تصوره للسياقات، فإذا كان التصور
والإدراك يتسمان بالقصور والاختلال فإن الخطاب الناتج عن الحالتين سيكون مسكونا
بمثل تلك الأمراض التي قد تحد من فاعليته، أو ربما يؤدي هذا الأداء في مساحات
الخطاب إلى نتائج معكوسة من حيث المآل والغايات، وشهدنا ذلك ضمن مشاهد كثيرة.
التمييز بين الخطابات ومستوياتها مسألة في غاية الأهمية، وشأن هذه الخطابات أن تقوم على دراسات معمقة لتلك الخطابات مفردات وسياقات حتى يمكن دراستها الدراسة العلمية الملائمة في هذا المقام، وغاية الأمر في هذا الشأن أن مجمل خطاب الحركات الإسلامية نابع من الإدراكات، كما أنه لا ينفك عن تصوره للسياقات
ولعل الأمر المهم الذي يقوم على دراسات الخطاب يفرض علينا دراسة خرائطه
وتوجهاته وكذلك صياغاته واهتماماته. ومن المهم أن نؤكد أن الخطاب قد يُجزئ في كثير
من الأحيان عن الفعل؛ لا بمعنى الاكتفاء بالكلام، ولكن بمعنى أن الأقوال إنما تمهد
للأفعال. ومن قيمة الخطاب أن يؤثر في العمل الميداني إن استطاع أن يجد له عقلا
قابلا وقدرة على الفعل والفاعلية والحركة بمقتضاه وعلى هديه. ومن المهم كذلك أن
نؤكد أن وضع استراتيجية للخطاب، وأن الثورات العربية في مجملها لم يكن لها خطاب
استراتيجي، وظلت الخطابات تتنازع في الخفاء أو في العلن مما أحدث خطابا مصاحبا
أغفل
الثورة ففرّق أكثر مما جمع، فافتقاد استراتيجية الخطاب أدى إلى أن الأمور
التي تتعلق بالخطاب والاتصال لم تكن مكافئة للحالة الثورية، وتحركت عملية
التغيير
ضمن مسارات مختلفة بعضها ضل الطريق، وكثير منها زيف أو زور.
وضمن ما نرصد من بعض الأخطاء والقصور الخطابي عدم الاهتمام بما يتعلق بمعاش
الناس، وهو الخطاب الذي لم يلق الاهتمام الكافي عند هؤلاء الذين قاموا على أمور
السلطة أو شاركوا فيها؛ اهتموا بالسياسي المحض متغافلين عن الناس ومشكلات معاشهم، وهو
ما شكّل حالة مواتية للتشكيك في إنجازاتهم العامة في هذا المقام، وهو أيضا ما وجد
قابليات في آذان صاغية إلى تلك الاتهامات التي تبناها الخطاب المضاد، سواء في
صناعة الكراهية داخل الأوطان أو في شيطنة أفعالهم وسياساتهم والتربص بها، خاصة
فيما يتعلق بالمشروع من أجل الوطن وارتباط هذا الخطاب بالشارع، آلامه وآماله، فإنما
يشكل في حقيقة الأمر بداية مهمة لإحداث نوع من الالتفاف والاصطفاف حول مشروع يعبر
عن جموع الشارع الذي ارتبط بهذه الثورات، وكذلك عن تلك الآمال التي انعقدت عليها
إرادته والأهداف التي حملتها وترجمتها تلك الثورات.
الغايات تواترت في معظم تلك الثورات من عيش وكرامة إنسانية وحرية أساسية
وعدالة اجتماعية، والخطاب الذي يتمكن من التعبير عن هذه الأهداف هو الذي يمكن أن
يلامس هذا الشعب، على تنوع فئاته وتكويناته، خاصة هؤلاء الذين استُهدفوا بسياسات
الإفقار الواسعة من جراء غلاء الأسعار، والاستخفاف بضرورات الناس واحتياجاتهم
الأساسية، ومحاولة إخضاع هذا الشعب من خلال فرض سياسات التخويف والترويع والإفقار
والتجويع. والدرس المستفاد يتمثل في ضرورة الوعي بأهمية الخطاب، وأن تهتم
التنظيمات الاجتماعية والسياسية بالخطاب في مساراته المتنوعة بما يواكب المرحلة أو
يستفيد من السياق ويستثمره، وأن يكون قادرا على مواجهة الهجمة الإعلامية الشرسة
التي يمكن أن تُشن عليه من مصادر مختلفة، بما يؤدي إلى قدرة هؤلاء في التأثير على
الجماهير وصناعة الكراهية المتعلقة بهم، وأن تهتم هذه التكوينات بشعوبهم وغاياتهم.
ومن جملة التحديات التي واجهت هذا الخطاب المتعلق
بالحركات إبان الثورات أن شكلت بيئة
الخطاب المتعلق بالحركات الإسلامية بعد الثورات العربية مجالا خصبا لنقد هذا
الخطاب أو محاولات تطويره وتجديده، فقد دخلت النظم السلطوية على الخط لتروج
لطبعاتها المتصورة للدين، فضلا عن أنها حاولت إيجاد وتصنيع ظهير ديني لسلطانها
وطغيانها. وفي ظل هذه الأوضاع المتشابكة ظل في هذا المقام اختفاء ما يمكن تسميته
باستراتيجية للخطاب، وبدت المسألة التي تتعلق بتجديد الخطاب الديني محل تنازع،
وقفز إلى السطح، وهو إشكال يتعلق بالتوظيف السياسي للخطاب الديني وتأميم الدولة
للدين. وكشف كل ذلك عن وجود خطابات متعددة مارست استقطابا وصراعا فرضته البيئة
الواقعية لقيام الثورات وعمل المضادين للثورة من جانب آخر، وفي واقع الأمر أن هذه
الأمور تتطلب منا معالجة مسألتين مهمتين في هذا المقام من الضروري أن نتوقف عندهما
للرصد، مرشحين تلك الظواهر بمزيد من التأصيل والتحليل.
- ظاهرة التوظيف؛ حيث اتخذت مسألة التوظيف عدة أشكال
خطيرة أثرت على مسار الظاهرة الدينية والتعامل معها:
أ. تعامل السلطة المعتاد مع الظاهرة الدينية في نطاق
تأميم الدولة للدين.
ب. إنشاء ظهير ديني للنظم التسلطية، سواء من جهات
ومؤسسات دينية رسمية وشبه رسمية.
ج. توجيه وتوظيف اتجاهات دينية تلعب أدوارا في دعم
السلطة المستبدة وسياساتها وتبرير سياسات طغيانها ومواقفها؛ من مثل توجهات
المداخلة، والتوجهات الصوفية، التوجهات السلفية الموالية مثل حزب النور، وتبني
الانشقاقات الفردية والجماعية والاستناد الى خطاباتها الاتهامية.
د. ممارسة اللغة الاتهامية وصناعة الكراهية للتكوينات
الإسلامية المعارضة للنظام؛ ومحاولة تسويغ سياسات النظم في التعامل مع هذه
التكوينات بالاعتقال أو الاختطاف أو المطاردة وإلجائها إلى المنافي.
من المهم في هذا المقام أن نؤكد أن استراتيجية تحليل
الخطاب لهذه التيارات الإسلامية على وجه الخصوص هي عملية حيوية تنتج في حقيقة
الأمر، من جراء ممارسة واسعة وواعية لعمليات المراجعة والنقد الذاتي، ومن الواجب
أن يعتمد هذا الخطاب على مجموعة من المسالك والمداخل المهمة في هذا المقام:
- خطاب المراجعة والنقد الذاتي.
- خطاب المكاشفة ضمن العلاقات مع القوى السياسية الأخرى،
وتحديد مسارات اتفاق الحد الأدنى لتحقيق فاعلية المواجهة لحلف المضادين للثورة.
- اعتماد استراتيجية الخطاب القائمة على قاعدة نظرية
الساقين؛ الساق السياسية والساق الثورية، بحيث لا يمثل الاهتمام بأحدها خصما من
الأخرى أو على حسابها، واستثمار كافة هذه المجالات والطاقات في الخطاب لتهيئة
الأرض للتغيير القادم، واستعادة الظهير الشعبي والحاضنة الجماهيرية.
- اعتماد كل ما يتعلق بتجديد الخطاب الإسلامي لأسباب ذاتية تتعلق
بكتابات سابقة تشكل في الذاكرة عملا مهما يجب استصحابه من جديد من مثل ما كتبه
أستاذنا المرحوم الدكتور عبد الوهاب المسيري "معالم الخطاب الإسلامي
الجديد".
- القيام بتضمين كافة الأسئلة التي تتعلق بالثورات
والتغيير والعلاقات والفاعليات ضمن خطة متكاملة لبناء استراتيجية خطاب شاملة، ومتكاملة،
واعية، وفاعلة.
لسنا هنا بصدد رصد أشكال وأنواع ومادة الخطاب التي تمثل
الذاكرة السابقة على عقد الثورات، وكذلك الخطاب الذي يتعلق بالثورات العربية
والموقف منها وما طرأ عليها من تبدلات وتحولات وخطابات كانت أسيرة الاستقطابات،
وأخرى تعبر عن عدم القدرة على استيعاب المتغيرات المحيطة بالعملية السياسية ضمن
سياقاتها المجتمعية والاقليمية والدولية. ومن هنا فإن التعامل مع الخطاب ومحاولات
الوقوف بمحطات عند نقده وتقديم نماذج من هذه الخطابات التي أدت بشكل أو بآخر إلى
عناصر ومواقف ومترتبات كانت أقرب ما يكون إلى السلبية؛ هو ما أدى إلى ما يمكن
تسميته بالأمراض البنيوية في حالة الخطاب، والتي اتسمت بأشكال من القصور لا يمكن
بأي حال من الأحوال انكارها أو التغاضي عنها.
فقد أثرت تلك الأمراض الخطابية استيعابا وصياغة؛ وتأثرت
بحالة نفسية جماعية تمكن منها أمراضا جماعية مزمنة أدت إلى انتقال تلك الأمراض في
حالة من العدوى السياسية ضمن خطابات من المزايدات أو المكايدات؛ تحكمت فيها عقد
الاستقطاب وذاكرة الفرقة والتنازع من دون التعرف على الأصول المختلفة لإدارة
الاختلاف والتعدد والمشترك والمؤتلف، وهو ما أدى في النهاية إلى جملة من النتائج
كانت بالخصم من الحالة الثورية، وأثرت بشكل واضح على فشل النخبة ضمن هذا السياق في
التعامل مع الظاهرة الثورية بما تستحقه من استراتيجية خطاب تقوم على قاعدة من
التوافق والقدرة على بناء الثقة وجملة العلاقات الإيجابية التي تواكب وتكافئ
الحالة الثورية، وتتفاعل معها بما يجب من مفردات وبما تطرحه من قضايا ملائمة
وقابلة لحجز عناصر التوافق، وطرد كل ما يتعلق بمداخل التنازع أو الفرقة أو الفوضى
أو الاستقطاب.
كما أنه من الضروري في هذا المقام أن نرصد بعض المفردات
التي تتعلق بخطاب الانقلابات العسكرية وغير العسكرية؛ أهمها تلك التي تأتي ضمن
محاولات لعمليات تغرير وتبرير وعمليات تزييف وتزوير، وفي إطار يسمح بالتحكم في
مفاصل العملية السياسية وكذا الساحات الاقتصادية وكذلك الخطابات الأخرى، وبات
الأمر يعبر عن إشكالات خطيرة في هذا المقام قمنا برصدها في بحث مستقل حول خطاب
العسكر من الثورة إلى الانقلاب وبعده، وهو يشكل في حقيقة الأمر إطارا خطيرا أسهم
على نحو سلبي على حالة الخطاب بنيويا وأدائيا، وهو بالأساس ما ترك آثاره ومآلاته
على حالة الخطاب ومخرجاته ضمن متوالية من الآثار السلبية الخطيرة على الدولة
والمجتمع، فضلا عن الحالة الثورية، واستطاع بشكل أو بآخر أن يخص الظاهرة الإسلامية
بقدر كبير من خطاب اتخذ مسالك عدة ضمن محاولات للإغراء والتشويه والشيطنة.
هذه كلها أمور وجب علينا أن نتوقف عندها لدراسة حالة
الخطاب قضايا ومفردات ضمن الحالة السياسية والمجتمعية العامة؛ التي أفادت أن هؤلاء
الذين نجحوا في الثمانية عشر يوما في الثورة المصرية على سبيل المثال قد أخفقوا
إخفاقا كبيرا من بعد في إدارة المرحلة الانتقالية -ضمن حكم العسكر- كذلك في مرحلة
بعد انتخاب الرئيس محمد مرسي، وكذلك برزت أوضح إخفاقاتهم بعد انقلاب الثالث من تموز/
يوليو، ومنظومة خطاب المستبد الفاشي التي استمرت من بعد ذلك لتعبر عن خطاب أفرز
جملة من الإشكالات فيما يتعلق بعلاقة الدولة بالمجتمع ومحاولات عسكرة الدولة
والمجتمع والمؤسسات معا.
معامل الخطاب وميادينه وكذا إخراجه وصياغته؛ والتفكير بمشاتل التغيير في هذا المقام يتطلب صياغة استراتيجية خطاب قبلية تراعي بنياته كما تراعي مقاصده
لكن ما ينبغي التأكيد
عليه هو أن المناط التاريخي والموضوعي الجامع والمعلِّل للتطور الذي حاق بالمسألة
التجديدية عامة وبالتجديد في الخطاب الديني بخاصة، هو أن هذا التجديد جاء متأثرا
بالاحتكاك الحضاري الذي وقع بين عالم المسلمين والغرب؛ حيث صار ثمة تحدٍّ حضاريُّ
مفروض وماثل للعيان ومتصاعد الوطأة مع الزمن، خاصة أن هذا الالتقاء جاء على حينِ
انكسارة وترهل في الذات الحضارية؛ لم
تكن عناصر التجدد الذاتي تعمل بنفس كفاءتها المعتادة، كانت مفاتيح التجدد
والمواجهة قد علاها صدأٌ ثقيل، وخصائص الذات غير متميزة بوضوح، اللهم إلا عند نفر
قليل عزَّ ظهورهم، وكُبّل سعيهم بوطأة الحال وتفشي الوهن في القوم وسراتهم.
لقد كان سبيل التجديد بين خيارين:
- إما الالتفات إلى الذات وأمرها، وفق قواعد التجدد
الذاتي الحضاري الإسلامي؛ بالتفتيش عن مصادر الوهن، وتلمس مفاتيح التجدد النابع،
فيكون الصحو من الغفلة، والنهوض من الرقدة، والمضي قدما في سبل الكرامة والتقدم
بعد المكوث في الذيل والذل.
- وإما الالتفات بانبهار ووله وولع إلى الآخر بمنطق
المغلوبية والولع بالغالب (وفق السُّنة التي كشف عنها ابن خلدون)، وإدارة الظهر
للذات وأمارات العزة والاعتزاز فيها، فيكون التغرب والتغريب، والغرق في الآخر
والتبعية له.
كل ذلك مثّل تحديات ومواطن قصور وفجوات بين الخطابات
المطلوبة والخطابات المرصودة التي وقعت في إشكالات كبرى. ومن المهم في هذا المقام
أن نشير الى أن معامل الخطاب وميادينه وكذا إخراجه وصياغته؛ والتفكير بمشاتل
التغيير في هذا المقام يتطلب صياغة استراتيجية خطاب قبلية تراعي بنياته كما تراعي
مقاصده؛ خطاب يملك الفاعلية والتأثير والانخراط في هموم الناس لا يتغول فيه
السياسي على الاجتماعي والمجتمعي ومجمل المعاش ووعد الثورة الذي يجب أن يكون حاضرا
فعّالا ومؤثرا، خطاب متعدد متنوع يواجه التعقد؛ متجدد يواجه مساحات التمدد ويقاوم
كل أشكال النمطية والتجمد، فهل وعينا متطلبات خطاب التغيير والتأثير؟
x.com/Saif_abdelfatah