قال
وزير النفط والغاز الليبي السابق بحكومة
"الوحدة الوطنية"، محمد إمحمد عون، أن "حجم الفساد في ملف النفط
والغاز في
ليبيا بلغ مستويات مروّعة ومفجعة للغاية"، مؤكدا أن "هذا
الفساد موثّق بتقارير رسمية، صادرة عن ديوان المحاسبة وغيره، تكشف عن مخالفات
جسيمة ونهب منظم للمال العام داخل المؤسسة الوطنية للنفط".
وأشار الوزير في مقابلة خاصة مع
"عربي21" الاثنين، إلى وجود "انتهاك صارخ للقوانين والتشريعات
المنظمة للقطاع، وغياب الاستقلالية المهنية، وخضوع إدارة الثروة النفطية لحسابات
سياسية وجهوية ضيقة".
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف: "ما كشفه ملف النفط هو أننا لا
نعيش في ظل دولة مؤسسات حقيقية، وإنما أمام شبكة مصالح تتقاسم الموارد والثروة
النفطية على حساب المواطن، والمسؤولية الكبرى تقع على عاتق من يديرون المؤسسة
الوطنية للنفط والشركات النفطية التابعة لها؛ فلو التزموا بالتشريعات النافذة ولم
يخالفوا القوانين، لكان حجم الفساد أقل بكثير مما هو عليه اليوم".
وأكد عون، أنه لا يزال وزيرا للنفط والغاز بحكم
القانون حتى الآن، استنادا إلى قرار رئيس هيئة الرقابة الإدارية، وثلاثة أحكام
قضائية نهائية صادرة عن محاكم الاستئناف والمحكمة العليا، متهما رئيس حكومة الوحدة
الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، بـ"عدم تنفيذ هذه الأحكام، في سابقة خطيرة تمس
هيبة القضاء وسيادة القانون، وتنذر بتحويل الدولة إلى كيان لا يحترم أحكامه
القضائية".
وشدّد عون على أن "تعثر المصالحة الوطنية
في ليبيا يعود إلى غياب العدالة وردّ المظالم"، مؤكدا أن "أي مصالحة
وطنية لا يمكن أن تنجح دون محاسبة الجناة والفاسدين وإقامة القصاص العادل، حتى
يشعر الليبيون بوجود عدالة حقيقية، لأن الإفلات من العقاب عمّق الإحباط وأبقى
الجراح مفتوحة داخل المجتمع الليبي".
وفيما يلي نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":
كيف تابعتم مقتل سيف الإسلام القذافي؟ ومن له
مصلحة في إقصاء سيف الإسلام من المشهد السياسي الليبي؟
الحقيقة أن اللجوء إلى مثل هذه الأساليب في
التعامل مع الخصوم لا تقره شريعتنا الغرّاء، ولا تقبله الإنسانية، ولا تنسجم حتى مع
المبادئ الحاكمة لخارطة الطريق للمرحلة التمهيدية للحل الشامل في ليبيا. وبالتأكيد
فإن مثل هذه الأعمال سيكون لها تأثير بالغ على المشهد السياسي الليبي، وستؤثر سلبا
عليه، فضلا عن أن قتل النفس بغير حق يستوجب أشد العقاب من الله سبحانه وتعالى.
وللأسف، فإن ملف المصالحة الوطنية في ليبيا قد
تعثّر لأسباب عديدة، ومن وجهة نظري فإن المصالحة لا يمكن أن تنجح إلا بردّ المظالم
مهما صغرت، وبإقامة القصاص العادل من الجناة والفاسدين والمفسدين، حتى يشعر الجميع
بوجود عدالة حقيقية.
ما تداعيات مقتل سيف الإسلام القذافي على
المشهد السياسي في ليبيا؟
المشهد الليبي آل إلى وضع سيئ جدا، وأعتقد أن
السبب الرئيس في تردّي هذا المشهد يعود إلى كثرة الدول الخارجية المتدخلة في الشأن
الليبي، إضافة إلى تفريط عدد من الليبيين، وعمالتهم للأجنبي، وخيانتهم للأمانة
الوطنية، وهو ما عمّق حالة الانقسام وأضعف فرص التوافق والمصالحة.
لكن هل يمكن إحداث حلحلة أو انفراجة حقيقية
خلال المرحلة المقبلة؟
لا يمكن إحداث حلحلة أو انفراجة حقيقية إلا في
حالة واحدة، وهي توقف الدول المتدخلة عن العبث بالشأن الليبي، وانخفاض عدد
المفرّطين والعملاء والخونة من الجانب الليبي. إضافة إلى ذلك، لا بد أن يصل من هم
في المشهد السياسي اليوم إلى تقوى الله، وتقديم مصلحة الوطن العليا على المصالح
الشخصية والجهوية، واحترام الأمانة، والتقيد بتعاليم ديننا الحنيف، لأن ذلك هو
المدخل الحقيقي لأي إصلاح.
هل تعتزم الترشح في الانتخابات الليبية المقبلة
حال إجرائها؟
في الواقع، أنا لم أفكر في هذا الموضوع في
السابق بشكل جدي، ولكنني في كل الأحوال على استعداد تام لخدمة وطني في أي موقع
يمكنني من خلاله تقديم ما اكتسبته من خبرة ومعرفة طوال سنوات عملي، متى ما طُلب
مني ذلك.
على صعيد آخر، كيف تقيّم أداء المؤسسة الوطنية
للنفط خلال فترة توليك الوزارة سابقا؟ وهل كانت تعمل باستقلالية مهنية أم خضعت
لحسابات سياسية؟
أود بدايةً، التأكيد على أنني ما زلت وزيرا
للنفط والغاز بحكم قرار رئيس هيئة الرقابة الإدارية رقم (492) لسنة 2024م، الصادر
بتاريخ 12 أيار/ مايو 2024، والقاضي برفع الوقف الاحتياطي عني، فضلا عن صدور ثلاثة
أحكام قضائية نهائية من محاكم الاستئناف والمحكمة العليا تؤكد ذلك.
إلا أن رئيس حكومة الوحدة الوطنية، للأسف،
يتحدى هذه الأحكام القضائية ويرفض تنفيذها إلى الآن، رغم أن القانون الليبي ينص
صراحة على أن عقوبة عدم تنفيذ الأحكام القضائية هي الحبس والعزل من الوظيفة
العامة، وهو ما يمثل سابقة خطيرة تمس هيبة القضاء وسيادة القانون.
أما بخصوص تقييم أداء المؤسسة الوطنية للنفط
خلال فترة عملي بوزارة النفط والغاز، سواء في عهد الرئيس غير الشرعي الأسبق مصطفى
صنع الله، أو خلال فترات فرحات بن قدارة أو مسعود سليمان، فللأسف كان يشوبه من
الأساس فساد واضح، ومخالفات فاضحة وغير مسبوقة للقوانين والتشريعات المنظمة لقطاع
النفط، إضافة إلى تجاوز متعمد لدور وزارة النفط والغاز.
وقد كان ذلك، جزئيا، نتيجة الدعم الذي وفره
رئيس حكومة الوحدة الوطنية (عبد الحميد الدبيبة) لتصرفات رؤساء المؤسسة. وللعلم،
فقد تم توجيه عدد هائل من المذكرات إلى المؤسسة والحكومة، وكذلك إلى الجهات
الرقابية والقضائية، ومجلس النواب، والمجلس الرئاسي، ولو تم الأخذ بهذه الملاحظات
والتحذيرات في حينها لكان الوضع أفضل بكثير جدا.
وأؤكد هنا أنني لا أتجنى على أحد؛ فالتقارير
الصادرة عن ديوان المحاسبة واضحة، ومروّعة، ومفجعة للغاية في حجم الفساد، وآخرها
تقرير ديوان المحاسبة لسنة 2024. وعلى سبيل المثال فقط، أوضح الديوان في تقريره أن
مكتب الاستراتيجيات الذي شكّله رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، فرحات بن
قدارة - والذي اعترضت عليه وزارة النفط والغاز خلال فترة عملي - قد أبرم عقدا مع
شركة أمريكية بقيمة 19 مليون دولار، دون العثور على أي وثائق تخص هذا العقد، وهو
ما يُعد نهبا صريحا وخطيرا للمال العام، وقد أكد ذلك أيضا مبعوث الأمم المتحدة
الأسبق غسان سلامة، حين قال إن ما يجري في ليبيا هو نهب منظم للمال العام.
وبناءً عليه، فإن المؤسسة الوطنية للنفط، بكل
أسف، لا تعمل باستقلالية مهنية حقيقية، بل تخضع لحسابات جهوية وسياسية بغيضة.
ما الذي كشفه ملف النفط عن طبيعة الدولة
الليبية اليوم؟ هل نحن أمام دولة مؤسسات أم لا؟
ما كشفه ملف النفط عن طبيعة الدولة الليبية
اليوم هو أننا لا نعيش في ظل دولة مؤسسات حقيقية، وإنما أمام شبكة مصالح تتقاسم
الموارد. والحقيقة أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق من يديرون المؤسسة الوطنية
للنفط والشركات النفطية التابعة لها؛ فلو التزموا بالتشريعات النافذة ولم يخالفوا
القوانين، لكان حجم الفساد أقل بكثير مما هو عليه اليوم.
ملف العقود النفطية والاتفاقيات مع الشركات
الأجنبية أثار جدلا واسعا في السابق.. ما المخالفات الجوهرية التي رصدتها؟ ولماذا
اعتبرت بعضها غير شرعي أو مخالفا للقانون؟
ملف العقود النفطية اعتبرته غير شرعي ومخالفا
للقانون لأسباب قانونية واضحة تستند إلى نصوص صريحة، وهي على النحو الآتي:
أولا: قانون النفط رقم (25) لسنة 1955 منح وزير
النفط والغاز صلاحيات واضحة وصريحة بموجب نصّي المادة (2) والمادة (17) من القانون
المذكور، حيث إن الوزير هو من يعرض الموضوع على مجلس الوزراء.
وعلى سبيل المثال، تنص المادة (17) من القانون
المشار إليه حرفيا على الآتي: (لا يجوز النزول عن التراخيص أو عقود الامتياز إلا
بعد موافقة أمانة النفط كتابة، ولأمانة النفط أن تفرض الشروط التي تراها ملائمة
للمصلحة العامة).
وهذه العقود قائمة حاليا مع الشركاء في شركة
الواحة، في حين أن الوزير المكلّف حاليا هو "منتحل صفة"، بحكم قرار رئيس
هيئة الرقابة الإدارية رقم (492) لسنة 2024م القاضي برفع الوقف الاحتياطي عني،
وبحكم ثلاثة أحكام قضائية، آخرها حكم صادر عن المحكمة العليا، وهي أعلى جهة قضائية
في ليبيا.
ثانيا: الاتفاق السياسي، وخارطة الطريق للمرحلة
التمهيدية للمّ الشمل، حيث تنص المادة (6) الفقرة العاشرة، حرفيا، فيما يخص
أولويات الخطة التنفيذية خلال المرحلة التمهيدية، على: (لا تنظر السلطة التنفيذية
خلال المرحلة التمهيدية في أي اتفاقات أو قرارات جديدة أو سابقة بما يضر استقرار
العلاقات الخارجية للدولة الليبية أو يُلقي عليها التزامات طويلة الأمد).
ثالثا: قرار مجلس النواب رقم (15) لسنة 2023،
القاضي بعدم الدخول في أيّة تعاقدات جديدة أو تعديل القائم منها.
رابعا: حكومة الوحدة الوطنية، حيث قرر مجلس
النواب سحب الثقة منها بموجب قراره رقم (9) لسنة 2024، وهو ما يفقدها الأهلية
القانونية لإبرام عقود أو اتفاقيات من هذا النوع.
هل تعرّضت لضغوط مباشرة أو غير مباشرة لتوقيع
عقود أو تمرير قرارات لم تكن مقتنعا بها؟ وكيف تعاملت مع تلك الضغوط؟
نعم، كانت هناك محاولات واضحة للضغط، إلا أن
مواقفي كانت صريحة وواضحة سواء داخل المجلس الأعلى لشؤون الطاقة أو في مجلس
الوزراء، وقد وصلت بعض الاجتماعات إلى مشادات شديدة مع السيد رئيس مجلس الوزراء،
غير أنني لم أخضع لهذه الضغوط.
وفي كل موضوع خلافي، كنت أتقدم بمذكرات رسمية
لدعم وتوثيق مواقفي المستندة إلى نصوص قانونية صريحة، ويتم توجيه هذه المذكرات إلى
جميع الجهات ذات العلاقة، بما في ذلك مجلس النواب، والمجلس الرئاسي، والحكومة،
والجهات الرقابية، وكذلك إلى السيد النائب العام.
هل تؤثر الانقسامات السياسية على إدارة الموارد
النفطية في ليبيا؟
بالتأكيد تؤثر، ويتجلى ذلك بوضوح في غياب
الميزانية العامة للدولة، وفي غياب اتخاذ إجراءات جادة لإصلاح الأخطاء، ومحاربة
الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة.
برأيكم، أين تذهب أموال النفط، خاصة أن ليبيا
دولة غنية بالنفط؟ ولماذا لا يشعر المواطن الليبي بانعكاس مباشر لها على حياته
اليومية أو على الاقتصاد الليبي عموما؟
اظهار أخبار متعلقة
برأيي، فإن أموال النفط يتم إدارتها بجهل
وفساد، إلا في حالات نادرة، ولذلك ينعكس هذا الواقع بشكل مباشر وسلبي على المواطن
الليبي، الذي لا يلمس أي تحسن حقيقي في مستوى معيشته أو في الخدمات المقدمة له.
هل تعتقد أن النفط في ليبيا تحوّل من نعمة
اقتصادية إلى أداة صراع سياسي؟ وما الثمن الذي دفعه الليبيون نتيجة ذلك؟
نعم، تحوّل النفط إلى أداة صراع سياسي، خاصة في
ظل حجم الفساد غير المسبوق، ونهب ثروات الوطن، واستخدام عائدات النفط في السياسة
وتأمين الولاءات. والثمن واضح، وهو ما يعانيه المواطن الليبي يوميا في مختلف
المجالات المعيشية والخدمية والاقتصادية.
ما دور الشفافية والإفصاح في معالجة فجوة الثقة
بين المواطن الليبي وقطاع النفط؟
الشفافية والإفصاح لا يمكن تحقيقهما إلا إذا
تولّى إدارة الوطن والمؤسسة الوطنية للنفط أشخاص يتمتعون بالكفاءة، والخبرة،
والمقدرة، والجدارة، والاستحقاق، إضافة إلى النزاهة والشفافية والوطنية الصادقة،
وهو أمر غائب منذ فترة طويلة في وطننا، للأسف الشديد.
في ظل الانقسام المؤسساتي، من يملك الشرعية
القانونية لإدارة الثروة النفطية؟ وهل يمكن تحييد هذا الملف عن الصراع السياسي
فعلا؟
في ظل الانقسام المؤسساتي القائم، لا أحد يملك
الشرعية القانونية الحقيقية، حيث أصبحت جميع الأجسام السياسية سلطات أمر واقع، دون
سند قانوني واضح، وفقا للاتفاقات السياسية والقوانين والتشريعات النافذة.
كيف يمكن لليبيا الموازنة بين تعظيم عائدات
النفط اليوم والاستعداد لمرحلة ما بعد النفط؟
يمكن تحقيق ذلك فقط إذا تولّى إدارة هذا الملف
الحيوي أشخاص من ذوي الكفاءة والخبرة والنزاهة، والجدارة والاستحقاق، القادرين على
التخطيط بعيد المدى.
هل ترى أن المجتمع الدولي يتعامل بازدواجية مع
ملف الاستقرار والاستثمار في ليبيا؟
للأسف، فإن المجتمع الدولي هو أحد الأسباب
الرئيسة في هذه الفوضى، وقد اعترف بذلك صراحة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما.
أخيرا، كيف ترون مستقبل ليبيا اقتصاديا وسياسيا
خلال السنوات القليلة المقبلة؟
الصورة قاتمة في الوقت الراهن، ولكن إذا قدّر
الله أن يتولى أمر هذا الوطن من يحترم نفسه، ويحترم القوانين والتشريعات النافذة،
ويعمل بإخلاص من أجل المصلحة العامة، فمن الممكن أن يتحسن الوضع تدريجيا.