المشيشي لـ"عربي21": نعد تصورا لمرحلة ما بعد سعيّد.. هذه تفاصيل المرحلة الانتقالية (شاهد)

ترأس المشيشي الحكومة التونسية سابقا - (الصفحة الرسمية للرئاسة التونسية)
ترأس المشيشي الحكومة التونسية سابقا - (الصفحة الرسمية للرئاسة التونسية)
شارك الخبر
كشف رئيس الحكومة التونسية الأسبق، هشام المشيشي، في مقابلة مصوّرة مع "عربي21"، عن أن قوى المعارضة التونسية داخل وخارج البلاد تعكف حاليا على إعداد تصور نهائي لمرحلة ما بعد قيس سعيّد، والتي قال إنها ستكون انتقالية وقصيرة، ولا يجب أن تستغرق أكثر من عام، لافتا إلى أن العمل جارٍ على قدم وساق من أجل الانتهاء من إعداد هذا التصور المتكامل.

وقال إن المرحلة الانتقالية المأمولة "ستركز أساسا على استعادة قضاء حر ومستقل، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، وإرساء المحكمة الدستورية باعتبارها الضامن الأساسي للشّرعية وللتوازن بين السلطات، والإعداد لانتخابات تؤسس لمرحلة مستقرة، ومن ثم استرجاع المسار الديمقراطي وإعادة إرساء المؤسسات الدستورية التي جرى تعطيلها".

اظهار أخبار متعلقة


وشدّد المشيشي على أن "إسقاط منظومة قيس سعيّد يجب أن يتم بالوسائل المدنية والسلمية، لا بالعنف أو الانقلابات"، ومعتبرا أن "قيس سعيّد أصبح عبئا ثقيلا على الدولة ومؤسساتها، وأن عجزه عن تقديم أي حلول حقيقية لمشاكل البلاد سيعجّل بسقوطه الذي بات حتميا وقريبا جدا، مع التأكيد على رفض أي تدخل عسكري في الحياة السياسية حفاظا على مدنية الدولة".

وأضاف: "المعارضة التونسية في الخارج تلتقي بكل أطيافها، حتى تلك التي كانت بينها خصومات وحدود إيديولوجية صعبة، تلتقي بشكل شبه يومي، والتخطيط مستمر بشكل حثيث وعلى قدم وساق، وهناك تحركات هامة شاركنا فيها في المهجر، ونحن نعمل بجد على الإعداد النهائي لمرحلة ما بعد قيس سعيّد، ولن تتوقف تحركاتنا وجهودنا حتى تُكلل بالنجاح في نهاية المطاف، وأنا أؤكد لكم أن هذا العمل سيؤتي أكله قريبا جدا".

ولفت إلى أن "قيس سعيّد لن يرحل عبر الآليات السياسية التقليدية، ولن يسلّم السلطة عبر ترتيب سياسي سلمي، ولا عبر انتخابات أو حوار وطني، لأنه متشبث بالسلطة تشبثا مرضيا وعجيبا. هو سيرحل بانتفاضة شعبية هادرة أو من خلال تخلّي الأجهزة الأمنية والعسكرية عنه أو عبر صيغ أخرى، وما نتمناه هو أن يرحل سريعا ويقف أمام قضاء مستقل، وأن يُسأل عن جرائمه البشعة التي ارتكبها في حق الشعب التونسي".

ورفض رئيس الحكومة التونسية الأسبق، "حديث البعض عن تولى المؤسسة العسكرية إدارة المرحلة الانتقالية بعد قيس سعيّد؛ حفاظا على مكانة الجيش في قلوب التونسيين، وعلى مكانته الدستورية وتاريخه، ولأنه يجب أن يبقى بعيدا عن التجاذبات السياسية، وإقحام الجيش في الحياة السياسية خط أحمر لا يجب الاقتراب منه بأي حال من الأحوال".

وحذّر المشيشي من "مخاطر الفراغ السياسي أو الانزلاق نحو أشكال جديدة من الاستبداد؛ فالهدف ليس استبدال ديكتاتورية بأخرى، بل إعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية ومدنية واضحة"، لافتا إلى أن "كل المؤسسات في البلاد باتت تدرك جيدا أن قيس سعيّد تحوّل إلى عبء كبير وخطير على تونس، ولا ينبغي استمراره في الحكم أكثر من ذلك".


وتاليا نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":

كيف تقيّم مجمل المشهد السياسي في تونس اليوم؟

المشهد العام في تونس يتسم بتعقيد بالغ وغير مسبوق على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي أوضاع مزرية للغاية لم تشهدها بلادنا مطلقا حتى في أعتى المراحل الديكتاتورية؛ فهناك اختناق سياسي خطير للغاية، وحالة اختناق اقتصادي غير معهود من حيث ارتفاع رهيب في الأسعار، واتساع كبير في رقعة الفقر، ومديونية قياسية، بل إن كثيرا من التونسيين باتوا يصفون هذه المرحلة بأنها مرحلة "التداين"، في حين أن المنظومة الحاكمة تكرر باستمرار أنها منظومة "سيادية" وأنها قطعت مع المديونية والاقتراض. لكن الواقع، حين نراجعه، يكشف أن السنوات الخمس التي احتكر فيها قيس سعيّد جميع السلطات لم يُنتج فيها البرلمان الصوري سوى القروض، وبنسب فوائد لم تقترض تونس بمثلها منذ الاستقلال، وأصبح عموم التونسيين يلقّبون ذلك البرلمان بـ "برلمان القروض"، فضلا عن أن جميع المؤشرات الاقتصادية الأخرى، مثل العجز واختلال الميزان التجاري، في المنطقة الحمراء.

وعلى المستوى الاجتماعي، لا تختلف الصورة كثيرا؛ فقد دخلنا مرحلة يقضي فيها التونسيون ساعات طويلة في طوابير بحثا عن المواد الأساسية، ثم لا يجدونها، ولم يعد الأمر مقتصرا على المواد الغذائية والضرورية، بل أصبح التونسيون يعانون أيضا من فقدان الأدوية، وأنا لا أتحدث هنا عن أدوية يومية اعتاد الناس فقدانها، بل أتحدث عن أدوية الأمراض الخصوصية، ومنها الأدوية المرتبطة بالأمراض السرطانية التي تتطلب متابعة دقيقة، كما تتطلب كذلك مسكنات للآلام.

وفي مقابل هذا الواقع القاسي، نجد خطابا ضبابيا وهلاميا من طرف قيس سعيّد الذي لا يقدّم شيئا سوى خطاب يتهم فيه كل الطبقة السياسية بالخيانة والعمالة، ويصدر قضاؤه أحكاما بأربعين سنة وخمسين سنة من أجل التغطية على فشله الذريع على جميع الأصعدة.

وبالتالي، نحن أمام أزمة مركبة جدا في تونس، ولسنا بصدد أزمة سياسية فقط، ولا أزمة حكم، ولا أزمة سلطة ومعارضة، ولا أزمة اقتصادية يمكن تجاوزها بتكاتف الجهود أو ببرامج إصلاحية جزئية، والمؤسف أنه لا توجد أي بوادر حقيقية للخروج من هذه الأزمة العصيبة، لأن مَن افتك جميع السلطات يرفض تماما الاستماع إلى أي حلول عقلانية تتطلبها مثل هذه المراحل. وبدلا من ذلك، يواصل تقديم خطابات رعناء تتحدث عن "أشباح" تتآمر عليه، مع أنه وضع جميع خصومه في السجون أو المنافي. وهنا يطرح التونسيون سؤالا بديهيا: إذا كان الجميع في السجون، فمَن الذي بقي خارجها ليتآمر؟

بالتالي، هل تعتقد أن تونس بحاجة ماسة إلى ثورة جديدة أم لا؟

تونس قامت بثورتها بالفعل، والشباب التونسي قدّم صدوره، وسقط ضحايا وشهداء خلال الثورة من أجل أن نضع بلادنا على مسار الديمقراطيات؛ لأننا في تونس نؤمن بأن شعبنا يستحق أن يعيش مثل بقية الشعوب المتقدمة من حياة سياسية متطورة، وحياة متقدمة.

صحيح أن المسار الانتقالي كان متعثرا وبه أخطاء، لكن هذا من طبيعة الانتقالات الديمقراطية والمراحل التي تأتي بعد الثورات، غير أن علاج التعثر يكون من داخل الآليات الديمقراطية، ومن داخل الإيمان بالمواطنة ودولة القانون وبالمبادئ التي جاءت بها الثورة التونسية، والديمقراطية المتعثرة أَسلم ألف مرة من أي ديكتاتورية حتى لو قدّمت بعض المكتسبات، بينما ديكتاتورية قيس سعيّد لم ولن تقدم أي مكتسبات.

لكن الذي حصل هو أن مَن لا يؤمن بأي من هذه المبادئ جاء وأوقف المسار، وكسّر وحطّم جميع المكتسبات القليلة التي راكمناها خلال تلك الفترة، وزاد عليها بتعميق الأزمة عبر الواقع الاقتصادي والاجتماعي الراهن.. فهل تونس تحتاج إلى ثورة جديدة؟، أنا أقول إن تونس تحتاج إلى إعادة الثورة إلى مسارها الطبيعي، وأن نعيد المسار الديمقراطي إلى السكة، بعد أن نستخلص الدروس والعبر من تعثرات المرحلة الانتقالية السابقة.

ما أبعاد الدور الذي تقوم به حاليا خارج تونس؟

أنا أعتبر أن الدور الذي أقوم به هو الحد الأدنى من الواجبات الوطنية تجاه بلادنا وشعبنا، وهو الدور الذي ينبغي أن تقوم به كل شخصية سياسية، تؤمن بدولة القانون وتؤمن بأن المواطن التونسي يحتاج أن يعيش في نظام ديمقراطي ومتطور.

أمام الانتكاسة الكبيرة التي عرفتها تونس على يد قيس سعيّد وعلى يد مَن ساندوه، يصبح واجبا على الطبقة السياسية، التي تتقاسم هذه المبادئ المتعلقة بالديمقراطية وعلوية القانون وكرامة المواطن، أن تجمّع جهودها، وأن تتصدى بقوة ووضوح لهذا المسار التحكمي الذي يسلكه قيس سعيّد.

ودوري يشبه دور كل الشخصيات التي تشاركني الإيمان بهذه المبادئ: مقاومة هذا "الجنون الأحمق" الذي أصاب السلطة في تونس، ومقاومة هذا النوع من الغريزة الانتقامية التي استبدّت بها.

نحن في تونس لسنا أمام ظاهرة سياسية عادية يمكن التعامل معها بالآليات والوسائل السياسية المعهودة. نحن في وضع مقاومة قولا وفعلا، ونسعى بقوة إلى استرجاع بلادنا، واسترجاع الديمقراطية التي اُختطفت من التونسيين على يد مَن لا يؤمن بأدنى المستويات للديمقراطية.

ما الذي وصلت إليه مبادرة "الإنقاذ والتوحيد" التي أطلقتها خلال الأيام الماضية؟

هناك في الواقع العديد من المبادرات الوطنية، والمبادرة التي أطلقتها تندرج ضمن هذه المحاولات التي تقوم بها مجموعة من الشخصيات الوطنية والشخصيات الحقوقية في إطار عمل شبكي. نحن في النهاية لسنا هيكلا تنظيميا، ولسنا حزبا ولا جبهة بالمعنى الهيكلي، وإنما يمكن وصفنا بجبهة شبكية أكثر منها جبهة تنظيمية.

نحن نجلس معا ونلتقي بمختلف المكونات السياسية، والخط الناظم لهذه اللقاءات يقوم أولا على احترام دولة القانون، والإقرار بأن ما وقع في تونس يوم 25 تموز/ يوليو 2021 كان انقلابا على المؤسسات الدستورية. ومن هنا يأتي الالتقاء حول فكرة ضرورة استرجاع المسار الديمقراطي، والإعداد الجاد لمرحلة ما بعد إغلاق قوس الانقلاب، لأن هذا الانقلاب لا يملك أي عنصر من عناصر الاستدامة بأي حال من الأحوال.

ونحن نسعى جاهدين إلى الإعداد لفترة ما بعد قيس سعيّد، حتى لا نفاجأ جميعا بوضعية جديدة قد تكون أشد وطأة من الانقلاب نفسه؛ فنحن لا نريد أن نغلق قوس قيس سعيّد لنذهب إلى ديكتاتورية أخرى، أو إلى شكل من أشكال التسلط الناعم بوجه مقبول، لأن منظومة قيس سعيّد لم تسع حتى إلى امتلاك وجه مقبول؛ فممارساته فظة جدا، ولا تمت حتى إلى محاولات "التزيين" التي تلجأ إليها بعض الديكتاتوريات، ولا تسعى حتى إلى تقديم أي إنجازات للمواطنين.

وتوحيد وتجميع المكونات الديمقراطية لا يعني أننا ننتظر من الفرقاء السياسيين أن يجتمعوا حول برنامج موحد أو برنامج انتخابي؛ فذلك ليس مطروحا الآن، والمرحلة لا تستدعي هذا النوع من الطرح. نحن نسعى إلى أن تلتقي مختلف المكوّنات السياسية حول نقطتين أو ثلاث فقط: استرجاع المسار الديمقراطي، والقطع مع هذه الممارسات الديكتاتورية، واسترجاع السياسة بالمعنى السياسي للكلمة، لأن منظومة قيس سعيّد اغتالت السياسة بشكل كامل.

نحن نحاول جمع الناس الذين يؤمنون بأن الممارسة السياسية في تونس يجب أن تكون ممارسة متقدمة وعقلانية، تمهيدا للمرحلة الانتقالية المأمولة، وبعد ذلك يتم الإعداد لمسارات يكون فيها طرح البرامج والرؤى أكثر مركزية، وفي تلك المرحلة ستبقى العائلات السياسية المختلفة محافظة على هويتها ومشاريعها.

ما الخطوة المقبلة لكم؟ وكيف تُعدّون لفترة "ما بعد قيس سعيّد"؟

فترة ما بعد قيس سعيّد ستكون فترة انتقالية قصيرة، ولن تدوم طويلا. هي فترة هدفها الاسترجاع وإعادة إرساء المؤسسات الدستورية التي ستستمر لاحقا ضمن مرحلة مستقرة، وأهم هذه المؤسسات هي المحكمة الدستورية، التي يرفض قيس سعيّد حتى الآن إرساءها، لأنه يعتبر أن المحكمة الدستورية قد تحد من صلاحياته وسلطته الواسعة للغاية.

وبالنسبة لنا، فإن المرحلة المقبلة تتمحور حول التنديد بهذا الانقلاب وبممارساته، وفضح جميع أكاذيبه، وبيان عجزه عن تقديم أي شيء للتونسيين. وبالتوازي مع ذلك، نعمل على إعداد تصور نهائي لمرحلة انتقالية قصيرة يُعاد خلالها تركيز المؤسسات الدستورية التي ستعد وتمهّد لمرحلة مستقرة، وهذه المرحلة بطبيعة الحال ستكون قائمة على الآليات الديمقراطية.

ما أبرز ملامح المرحلة الانتقالية المأمولة؟ وهل ستستغرق هذه الفترة أكثر من عام؟
الأفضل أن تستغرق أقصر مدة ممكنة، وأهم ما في المرحلة الانتقالية هو استعادة قضاء حر ومستقل؛ فالضرورة الأولى هي تحرير القضاء من براثن السلطة، لأن أكبر جريمة ارتكبها قيس سعيّد هي القضاء على أي فكرة للاستقلالية لدى القضاء، حتى أصبح هذا القضاء يحكم بما يأمره به قيس سعيّد، وبما يأمره به المقربون الذين تكوّنوا حول منظومته الفاشية والفاشلة.

بالنسبة لنا، تشمل المرحلة الانتقالية: قضاءً مستقلا، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين الموجودين في سجون قيس سعيّد، وإرساء المحكمة الدستورية، والإعداد لانتخابات تؤسس للمرحلة المستقرة.

متى سيتم الإعلان بشكل رسمي عن خطوتكم المقبلة؟

كل تقدم في أعمالنا يتم الإعلان عنه عبر ندوة أو لقاء، ونحن نحاول، من خلال هذه الإعلانات، جمع أكبر عدد ممكن من الناس حول هذه المبادرات، وهو عمل متواصل لا يقوم على مواعيد جامدة لإجراءات محددة، بل هو عمل تراكمي يعتمد على المراكمة.

اظهار أخبار متعلقة


كل شخصية وكل مجموعة وكل عائلة سياسية ضمن هذه الشبكة تقدم ما تستطيع وتراكم على ما تحقق، إلى أن نصل إلى إغلاق قوس الانقلاب قريبا بإذن الله.

هل تصور الفترة الانتقالية المأمولة بات واضحا ومحسوما أم أن هذا التصور لا يزال غير نهائي؟

هناك إجماع على أن منظومة قيس سعيّد لا يجب أن تواصل مسيرتها أكثر منذ ذلك، ولا قدرة لها على المواصلة من الأساس، لأن ما تحقق من دمار خلال هذه السنوات الخمس يكفي للغاية. لقد وصلنا في تونس إلى مستوى دمار غير مسبوق على كل المستويات. دورنا هو ألا يؤدي رحيل منظومة قيس سعيّد إلى فراغ قد يفاقم الوضع أو يخلق مشاكل كبيرة نحن في غنى عنها. لذلك فإن الأهم هو الإعداد الحقيقي لفترة ما بعد قيس سعيّد إعدادا جيدا ومدروسا، عبر تصور حدّ أدنى مؤسساتي يضمن الانتقال من هذه المنظومة العبثية إلى بداية إعادة بناء المؤسسات الدائمة.

ما الإجراءات التي ستتخذونها لإغلاق قوس الانقلاب؟ وكيف سيتم ذلك؟

نحن لا نملك إلا أن نندد بهذا الانقلاب، ونتحرك سياسيا؛ فلا نملك، ولا نسعى أن تكون لنا سوى الوسائل المدنية والوسائل السياسية للتعبير عن رفضنا للانقلاب، وفضحه، وفضح ممارساته المستبدة، والضغط بقوة من أجل إسقاطه.

وبصفته حراكا سياسيا، لا نملك إلا التعبيرات السياسية للوصول إلى هذه المرحلة وإغلاق قوس قيس سعيّد. ومن المؤكد أن الشعب التونسي بدأ يشعر بأن هذا الشخص، وهذه المنظومة، أصبحت عبئا كبيرا على البلاد، لأنها غير قادرة على تقديم أي حلول لمشاكل التونسيين، وتراكم المشاكل وتعدد الأزمات المختلفة سيُسرّع سقوط هذه المنظومة إلى الأبد.

ونحن لا نريد أن تسقط هذه المنظومة في إطار العنف أو الصدام. لذلك نحاول الحفاظ على ما تبقى من عمل سياسي؛ فمعظم السياسيين إما في السجون أو في المهجر، ونحن نحاول الحفاظ على حد أدنى من هذا العمل لتأطير المقاومة، وتأطير المعارضة لهذه المنظومة، ونحن على يقين أن أيام منظومة قيس سعيّد أصبحت معدودة واقتربت نهايتها بالفعل، وعلينا أن نستعد للمرحلة التي ستليها.

هل تعتقد أنه يمكن إسقاط النظام عبر التنديد والشجب والفضح فقط؟

نحن حراك سياسي ومدني ومواطني، وفي النهاية لا نملك سوى هذه الوسائل. نحن لا نملك دبابات أو فكرا انقلابيا، ولا نريد أن نملكها. نحن نتمايز عن قيس سعيّد الذي استعمل القوات المسلحة في غير ما أُنشئت له، واستعمل الدبابات لإغلاق مقرات سيادية ومؤسسات دستورية مُنتخبة، واستعملها كذلك لحلّ المجلس الأعلى للقضاء، وهذا بالضبط ما نحاربه. نحن لن نستعمل الوسائل نفسها التي استعملها قيس سعيّد، لأننا نؤمن بمدنية الدولة، ونؤمن بالحراك السلمي، ونؤمن بالمقاومة السلمية لكل أشكال الديكتاتورية. عملنا هو عمل سياسي بحت، وعمل مواطني لا يتجاوز هذه الحدود.

وأنا أؤكد لكم أن هذا العمل سيؤتي أكله قريبا؛ فمن خلال تواصلنا مع المواطنين داخل تونس، ومن خلال تواصلنا أيضا مع الحركات والتنظيمات التي لا تزال تناضل رغم المحنة التي تمر بها البلاد، نشعر أن المواطن التونسي البسيط قد نفد صبره أمام هذه المنظومة التي لم تكتف بالتنكيل بالطبقة السياسية، بل نكّلت بالمواطن نفسه، حين حرمته من الدواء، ومن الغذاء، ومن أبسط مقومات العيش.

نحن نسعى إلى التفاعل مع المواطنين الذين هم ضحايا هذه الأوضاع، والدفع باتجاه إغلاق هذا القوس، وإعادة البناء المؤسساتي، وإعادة بناء العقلانية داخل الدولة؛ فالمشاكل التي تعانيها تونس هي مشاكل تستوجب عقلانية، وتستوجب عقلا راجحا وقيادة رشيدة على رأس الدولة، لا شعارات جوفاء يطلقها قيس سعيّد، وكأنه مواطن عاجز أو متقاعد جالس في أحد المقاهي في منطقة نائية ينتقد الوضع ويتساءل: "ما هؤلاء المسؤولون الذين لم يقدّموا شيئا للبلاد؟"، في حين أنه هو مَن يمسك بكل مفاتيح السلطة وكل الإمكانيات. ما ينقص قيس سعيّد ليس الصلاحيات ولا الوسائل، بل العقل الراجح والعقلانية اللازمة لفهم الإشكاليات المطروحة وتقديم حلول لها.

هل من المحتمل أن تقوموا بالإعلان عن "حكومة منفى" خلال المرحلة المقبلة؟

هذه المسألة غير مطروحة إطلاقا. نحن لا نواجه الخروج عن الشرعية بمثل هذه الإجراءات. اخترنا أن نبقى في مجال ما يمكن تسميته بالمقاومة المدنية أو المقاومة السياسية لهذه المنظومة؛ فنحن لسنا أمام معارضة بالمعنى التقليدي، لأن المعارضة تكون في أطر سياسية عادية، وهو ما لا نعيشه اليوم في تونس.

نحن لسنا طلاب حكومات، لا في الداخل ولا في المهجر. المُحدد الآن هو إغلاق قوس الانقلاب، وتحرير البلاد من براثن هذه المنظومة المجنونة التي تمكّنت من مفاصل الدولة منذ وصول قيس سعيّد إلى السلطة.

إلى أي مدى يمكن إسقاط النظام خلال العام الجاري؟

الزمن السياسي يختلف عن الزمن الذي نعرفه في الأجندات والتقاويم. لكن قبل ذلك، دعنا نتفق على معنى "إغلاق قوس قيس سعيّد"؛ فإغلاق هذا القوس لا يعني فقط رحيل شخص قيس سعيّد، بل يعني أيضا إنهاء ما رمزت إليه هذه المرحلة من تنكيل وإفقار، وغياب للعقلانية، واستعمال لأدوات الدولة، والقضاء على المؤسسات.

بداية إغلاق هذا القوس ستكون حتما برحيل قيس سعيّد، لأنه رأس هذه المنظومة، وهذا الرحيل رهين بعدة عناصر، لكن المؤكد أن بقاءه على رأس السلطة لن يطول كثيرا على الإطلاق، لأنه غير قادر على تقديم أي شيء للمواطن التونسي، ولم يقدّم سوى الظلم والتنكيل، وقضى على الأجسام السياسية والأجسام الوسيطة في البلاد.

الناس لم تعد قادرة على الصبر مطلقا؛ فالمواطن التونسي لا يُشبع بالشعارات. نعم، قد يشعر بعض الناس بنوع من التشفي حين يرون الطبقة السياسية في السجون، لكن الشخص نفسه سيقف ساعات في طوابير الخبز ولن يجده، وسيعاني إذا كان مصابا بمرض مزمن حين يُطرد من المستشفى لعدم توفر الدواء.

حبس الناس، ومحاربة الفساد بالشعارات الواهية، قد تصمد لفترة قصيرة، لكن في النهاية تصطدم بالواقع وبمتطلبات الحياة اليومية، وهذه المتطلبات لا يملك قيس سعيّد ولا منظومته أي حلول لها. لذلك نقول إن هذه المنظومة حتما ستسقط، وستسقط قريبا، ودورنا هو أن نُعجّل بسقوطها المؤكد، وأن نُعجّل بالإعداد لمرحلة ما بعدها.

السؤال بصيغة أخرى، هل سيرحل شخص الرئيس قيس سعيّد خلال عام 2026؟ وكيف؟

أنا لا أملك كرة بلورية، ولا أدّعي معرفة الغيب، لكنني أقدّم قراءة سياسية. وقراءتي تقول إن قيس سعيّد سيرحل قريبا، أيا كانت الصيغة: قد يرحل بانتفاضة شعبية هادرة، وقد يرحل أيضا بتخلّي الأجهزة التي اعتمد عليها في جزء كبير من حكمه، لا لأن هذه الأجهزة ستنقلب عليه بالضرورة، بل لأنها بدأت تعتبره عبئا ثقيلا عليها.

عندما تشتد الأزمة في تونس، ستجد هذه الأجهزة نفسها في مواجهة الشعب التونسي، وأنا أتمنى لها ألا تكون في مواجهة شعبها من أجل قيس سعيّد؛ فأنا أعتبر أن الأجهزة الأمنية والعسكرية في تونس هي أجهزة وطنية، ملك للشعب التونسي، تنبع من الشعب وتعود إليه، ولن تدخل في صدام مع الشعب من أجل شخص واحد، وستتخلى عنه، وهذا في تقديري مؤكد جدا.

كما أن رحيله قد يكون بصيغ أخرى، فنحن في النهاية بشر، ولكل إنسان ساعة لا يعلمها إلا الله، لكن هذا سيناريو لا أتمناه له. ما أتمناه هو أن يرحل، وأن يقف أمام قضاء مستقل، ليعرف معنى القضاء المستقل، ويُسأل عن الجرائم التي ارتكبها في حق الشعب التونسي.

المؤكد للغاية أنه حتما سيرحل سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027، والمؤكد أيضا أنه لن يرحل عبر الطرق السياسية التقليدية، عبر انتخابات أو حوار، لأنه متشبث بالسلطة تشبثا مرضيا وعجيبا، وقد عبّر عن ذلك حين قال إنه لن يسلّم السلطة إلا "للصادقين الوطنيين"، وبطبيعة الحال، في قاموس قيس سعيّد، لا يوجد صادق ووطني سواه.

لذلك، هذا الرجل لن يسلّم السلطة عبر ترتيب سياسي سلمي، ولا عبر حوار وطني، ولا عبر انتخابات. سيرحل بانتفاضة شعبية هادرة، أو بأحد السيناريوهات الأخرى التي أشرتُ إليها.

قيس سعيّد أشار أكثر من مرة إلى تعرضه لمحاولات اغتيال.. فهل من المحتمل أن يرحل عبر الاغتيال؟

الإجابة القاطعة هي: لا، لأن قيس سعيّد لم يتعرض مطلقا لأي محاولة اغتيال، وأنا كنت في الحكم خلال تلك الفترة، ولم يحدث ذلك على الإطلاق. هذه المحاولات هو مَن ادّعاها، وهذه خصوصية معروفة في الديكتاتوريات، حيث يسعى الحاكم إلى خلق إحساس دائم بوجود عدو يتربص بهذه "الشخصية الفذّة"، وبأن هناك أطرافا تحاول تعطيل مسيرته حتى عبر الاغتيال.

كنت موجودا آنذاك داخل الحكومة، وقمنا بتحقيقات لم يسبق أن قامت بها الدولة التونسية في تاريخها منذ الاستقلال، ولم يُعثر على أي أثر، ولو أدنى، لأي محاولة اغتيال، وهذا يؤكد أن ما جرى لم يكن سوى اختراعات أو اختلاق من قيس سعيّد لهذه القصة الفارغة، من أجل خلق الأجواء التي كانت تُحضّر لانقلابه، ومن أجل إيهام الناس بأنه في خطر.

وكذلك فإن الإجابة القاطعة عن سؤال: هل يمكن أن يتعرض لمحاولة اغتيال مستقبلا؟، هي أيضا لا. لأن تونس في تاريخها، وفي أقسى مراحلها السياسية، لم تعرف مثل هذه السيناريوهات، ولا يخطر هذا الأمر على البال أو الذهن، مهما اختلفت التعبيرات السياسية أو اشتدت حدّتها، وحتى إن خرجت السياسة عن معناها الحقيقي، وعلى فرض أن هناك مَن يفكر في الإقصاء؛ فمن المستحيل أن يضع سيناريو الاغتيال على الطاولة.

ما سيعجّل برحيل قيس سعيّد ليس الاغتيال، بل عجزه الكامل عن تقديم أي شيء للشعب التونسي، أو الاستجابة لأي من تطلعاته، لأن تركيبته الذهنية لا تتواءم مطلقا مع متطلبات المشاكل الحقيقية التي يعانيها الشعب التونسي.

برأيكم، ما سر استمرار نظام قيس سعيّد في الحكم حتى الآن؟

منظومة قيس سعيّد في حد ذاتها ما كان لها أن تستمر ستة أشهر أو سنة لولا ظروف معينة، لكنه استثمر بخبث في أخطاء الماضي التي رافقت فترة الانتقال الديمقراطي. ويمكن تفسير هذه الأخطاء بعدة معطيات، منها أن الطبقة السياسية كانت حديثة العهد بالديمقراطية، كما أن الجميع تفاجأ بمناخ الحرية الذي أتى فجأة وبشكل غير متوقع.

تم تضخيم هذه الأخطاء بشكل كبير، وجرى اتهام الناس بالعمالة والخيانة والسرقة، والحديث عن ملايين نُهبت وخزينة دولة فُرغت، وكل ذلك أقرب إلى القصص الخيالية. وتواطأ، للأسف، جزء من الإعلام مع هذه السرديات، لعدم وعيه بضرورة المرحلة. كما أن الخصومة السياسية بلغت أقصاها في تونس، وأصبح عدم قبول المختلف سياسيا أمرا عاديا، وسقطت الكثير من المحظورات السياسية، وأصبحت ممارسات خطيرة مقبولة ومتداولة.

في هذا المناخ المتأزم، جاء قيس سعيّد من خارج هذه المنظومة، مُستفيدا من تعب الناس من الخصومات السياسية التي لا تنتهي، ومن شعورهم بأن الديمقراطية والحرية اللتين جاءتا فجأة لم ترافقهما تنمية اقتصادية أو اجتماعية.

نحن لم نحسن مخاطبة الناس، ولم نستعمل الأدوات البيداغوجية اللازمة لشرح أن الديمقراطية ليست هي التي تجلب الرخاء الاقتصادي والاجتماعي بشكل آلي، بل هي إطار عام ومناخ يسمح ببناء حياة سياسية ذات معنى، ويجعل المواطنة ذات قيمة. أما الرخاء الاقتصادي والاجتماعي، فيأتي من خلال المشاريع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن توفير شروط نجاحها.

هذا كله لم يتحقق في تونس؛ فجاء قيس سعيّد على خلفية احتقان وشعور بالاضطهاد لدى المواطن التونسي، الذي رأى أن هذه الطبقة السياسية وهذه الديمقراطية التي قيل إنها الحل لكل الإشكاليات لم تقدم له شيئا. فجاء شخص من خارج المنظومة، يسب الجميع، ويتهم الجميع بالسرقة والخيانة، ويرفع شعار "الشعب يريد"، ويُقدّم نفسه بوصفه صوت الناس لدى مَن عجزوا عن الاستجابة لمطالبهم.

هذا الخطاب، في مرحلة معينة، خاطب وجدان المواطن التونسي. وللأسف، نحن في عالمنا العربي عموما، وفي الشرق على وجه الخصوص، نتعامل مع السياسة بعاطفة أكثر من العقل، نتعامل مع السياسي كما نتعامل مع نادٍ رياضي: نحب أو نكره، يعجبنا أو لا يعجبنا، بدلا من أن نسأل: ما برنامجك؟، ماذا تستطيع أن تنفذ منه؟، وما الآليات التي تتيح لنا محاسبتك؟، وإذا فشلت يتم التغيير عبر التداول السياسي.

في تونس، لم نصبر على المرحلة الانتقالية الديمقراطية، وحمّلناها أكثر مما تحتمل، وطلبنا منها أكثر مما يمكن أن تقدمه خلال عشر سنوات؛ فجاء قيس سعيّد كنوع من الانتقام من طبقة سياسية لم تستجب لطموحات الناس، واستمر يعيش على هذه السردية حتى اليوم.

قيس سعيّد موجود في الحكم منذ عام 2019، أي لسبع سنوات، منها خمس سنوات بصلاحيات مطلقة وديكتاتورية، صلاحيات لم يكن يحلم بها حتى نابليون بونابرت. ومع ذلك، لا يزال يدّعي أن كل المشاكل سببها الماضي، والعشرية السابقة، والشخصيات السياسية التي تعرقل مسيرته. هذه السردية قد تنفع لفترة، لكنها اليوم تفقد تأثيرها، لأن التونسيين نفد صبرهم، وبدأوا يتحركون في تحركات منظمة للمطالبة بتغيير حقيقي ينعكس على حياتهم اليومية.

ولهذا، عندما يحتاج قيس سعيّد إلى حشد أنصاره، لا يجد سوى عشرات قليلة، غالبا من البسطاء والبلهاء، ليقول إنه حصل على "تفويض شعبي جديد" لمواصلة ما يسميه "المسيرة المظفرة". في النهاية، هدفه الأساسي هو البقاء يوما إضافيا على رأس السلطة، من دون مشروع حقيقي لتونس؛ فمشروعه الوحيد يتمحور حول ذاته، وحول كرسيه، وكيفية التمسك به أطول وقت ممكن.

هل قيس سعيّد مجرد أداة في أيدي الدولة العميقة والمؤسسات أم أنه المسيطر الحقيقي على كل شيء داخل البلاد؟

حتى لو افترضنا أنه كان أداة، فإن ما يظهر لي هو أن الأجهزة التي استعملته لم تُحسن اختيار الأداة، لأن هذه الأداة تحوّلت في النهاية إلى عبء على تونس كلها. والسؤال هنا: هل هو أداة أم هو المسيطر؟، في الواقع، قيس سعيّد ساعدته الأجهزة في مرحلة معينة؛ فعندما قام بانقلابه، أعانته الأجهزة، لأن ما أقدّم عليه كان واضحا من حيث كونه فعلا غير شرعي. لقد خرق الدستور، وأصدر أوامر غير شرعية للجيش، في حين أن القوات المسلحة، في الأصل، تعمل في إطار الشرعية والقانون.

العوامل التي تقوّي أي سلطة، وعلى رأسها الإنجاز الاقتصادي، غير موجودة في تونس، وهذا ما جعل البعض يقول إن قيس سعيّد يحظى بدعم من الأجهزة، أو حتى من أنظمة مستفيدة من وجوده؛ فهو ليس فقط مدعوما من بعض الأجهزة داخل تونس، بل يحظى أيضا، لا محالة، بدعم أنظمة تشبهه من حيث كونها لا علاقة لها بالديمقراطية ولا بالسياسة بمعناها الحقيقي، ومن أجل أن يواصل البقاء في موقعه، هو مستعد لتقديم كل التنازلات الممكنة.

قيس سعيّد استغل المناخ الجيوسياسي المحيط بتونس للحصول على دعم خارجي يضمن بقاءه في موقعه. نعم، الأجهزة داخل المؤسسات الصلبة في تونس تدعمه، وهذا أمر إشكالي، لأننا في تونس نعتبر أن مؤسساتنا الصلبة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، هي مؤسسات وطنية قائمة على احترام الدستور وعدم التدخل في الشأن السياسي، والوقت قد حان لكي تراجع هذه المؤسسات نفسها، وتنظر في المآسي الكثيرة التي تسبّب فيها وجود قيس سعيّد في الحكم حتى الآن، ويبدو لي إن هذا هو ما سيحدث قريبا على أرض الواقع.

هل الدعم الداخلي والخارجي الذي يحظى به قيس سعيّد لا يزال كما هو أم أنه تغيّر؟

هذا الدعم ما يزال موجودا من طرف بعض الأنظمة، خصوصا على المستوى الإقليمي، التي لا تزال تعتبر في وجود قيس سعيّد ضمانة لها. هذه الأنظمة لا تؤمن لا بالديمقراطية ولا بالانتقال الديمقراطي. وبالنسبة لها، فإن وجود قيس سعيّد يُمثل ضمانة لعدم انتقال عدوى الانتقال الديمقراطي إليها.

قيس سعيّد، وفي إطار بحثه المحموم عن الدعم، وصل إلى حد التعامل مع أنظمة لم تكن لتونس معها أي علاقات تقارب من قبل؛ فعندما نراه يفتح باب التقارب مع النظام الإيراني، نفهم أن ذلك يأتي في سياق بحثه عن دعم لم يجده في الداخل، فلجأ إلى هذه الأنظمة. كما أن بعض أنظمة الجوار تقف معه لأنها تستغله في مواقفها وخصوماتها مع دول الجوار الأخرى.

لأول مرة في تاريخ الدبلوماسية التونسية، يدفع قيس سعيّد تونس لأن تصطف ضد دولة شقيقة، وهي المغرب، التي تربطنا بها علاقات متميّزة عبر التاريخ، ولا أستطيع أن أسمّي هذا الموقف موقفا تونسيا، حين اصطف مع الموقف الجزائري ضد المغرب في ملف الصحراء الغربية. لقد مثّل ذلك خروجا واضحا عن التقاليد الدبلوماسية والسياسة الخارجية التونسية، التي قامت دائما على ضرورة المحافظة على علاقات متميزة مع كل الأشقاء، وخاصة المغرب؛ فالعلاقات التونسية المغربية كانت دائما مثالية، باستثناء فترة قيس سعيّد.

اظهار أخبار متعلقة


في المقابل، نراه يقطع أو يهمّش علاقات تاريخية وإنسانية ضاربة في القدم، ويتقارب مع أنظمة لم يكن لنا معها سوى التوجس والريبة، لأننا نعرف أن هذه الأنظمة لا تتقارب مع غيرها إلا بهدف زعزعتها. ونجد قيس سعيّد يفتح معها قنوات واسعة، فرغم أنه في العادة لا يسافر ولا يتنقل، باستثناء مرة أو مرتين، نجد من بينها ذهابه لتقديم العزاء في وفاة الرئيس الإيراني السابق، في سابقة لم تعرفها الدبلوماسية التونسية، لكنه مستعد لتقديم كل التنازلات في سبيل بقائه على كرسي السلطة.

أما ما يُسمى بالدعم الأوروبي، فلا يمكن الحديث عنه كدعم حقيقي، بل هو موقف من بعض دول جنوب أوروبا ودول البحر الأبيض المتوسط، التي رأت في قيس سعيّد حارسا أمينا لحدودها الجنوبية، وأنا أشعر بالحزن والأسف الشديد عندما أرى العلاقات بين تونس وأحد أهم شركائها الدوليين والتاريخيين تُختزل في مسألة حراسة الحدود، واحتجاز المهاجرين غير النظاميين داخل بلادنا، واستعادة المهاجرين التونسيين من أوروبا. العلاقات بين تونس والاتحاد الأوروبي أعمق وأرقى من أن تُختزل في ملف الهجرة فقط، لكن منذ مجيء قيس سعيّد، لم نسمع حديثا عن استثمارات، ولا عن تبادل خبرات، ولا عن تنظيم عقلاني للهجرة.

حتى مسألة الهجرة نفسها يتعامل معها قيس سعيّد بطريقة خاطئة؛ إذ يتعاطى معها بمنطق أمني صرف، في حين يمكن التعامل مع الهجرة كفرصة للدولة المستضيفة وللدولة المصدّرة للهجرة، وهي تونس، لكن بالنسبة لقيس سعيّد، الهدف واحد: البقاء في السلطة، والمقابل هو تقديم أي تنازلات تُطلب منه، وهو يفعل ذلك صاغرا.

ما تفسيرك لاستمرار دعم الجيش التونسي للرئيس قيس سعيّد حتى الآن؟

الجيش التونسي هو جيش جمهوري ومنضبط وله تقاليد راسخة في عدم التدخل في الحياة السياسية.. متى يمكن أن نطرح سؤال استمرار الدعم أو تغيّره؟، عندما نجد أنفسنا أمام مواجهة حقيقية بين قيس سعيّد والشعب التونسي، الذي لن يواصل تحمّل المزيد من الوعود الكاذبة والفارغة، ولن يتحمل مزيدا من البؤس الذي أوصله إليه هذا النظام.

ما أخشاه هو أن تصل حالة الاحتقان إلى درجة تضع المؤسسات الصلبة، الأمنية والعسكرية، في مواجهة الشعب. عندها فقط سنعرف: هل ستدعم المؤسسة العسكرية الشعب أم منظومة قيس سعيّد؟، وأنا أعتقد أن المؤسسة العسكرية، التي نشأت من رحم الشعب، ستدعم الشعب في النهاية. قيس سعيّد تحوّل إلى عبء كبير وخطير على تونس، وأعتقد أن كل المؤسسات في البلاد باتت تدرك ذلك جيدا، ولا أتصور أن هناك مؤسسة مستعدة للدخول في صدام مع الشعب أو خرق القوانين من أجل إرضاء شخصه.

هل تتوقع أن يتحرك الجيش التونسي ضد قيس سعيّد قريبا؟

الجيش التونسي ليس جيشا انقلابيا، ولهذا فوجئنا يوم 25 تموز/ يوليو 2021 بتنفيذ أوامر غير دستورية، من بينها غلق البرلمان، وهو ما يُؤخذ على المؤسسة العسكرية. لكن في الأصل، الجيش التونسي مؤسسة تحترم الدستور والقانون، وليست مؤسسة انقلابية.
مَن سيُسقط قيس سعيّد هو هبّة شعبية هادرة، وعندها ستكون المؤسسة العسكرية حاضنة لشعبها، كما كانت في ثورة 2011. لا أنتظر من الجيش أن يقوم بانقلاب أو أن يعزل المنقلب. مَن سيُطيح بهذا النظام الذي لم يقدم شيئا للتونسيين هم التونسيون أنفسهم، عبر هبّة شعبية وسياسية تُغلق هذا القوس إلى الأبد، وتُعيد مؤسسات الدولة، ودولة القانون والشرعية الدستورية.

هل يُفهم من كلامك أنك ترفض أي تحرك من قِبل الجيش ضد قيس سعيّد خلال المرحلة المقبلة؟

نعم، نحن نرفض ذلك تماما. مشكلتنا مع قيس سعيّد أنه انقلابي، وما زال يفكر بعقلية انقلابات الستينات والسبعينات. كنّا نعتقد أن تونس بمنأى عن هذه السيناريوهات التي شهدتها دول عديدة في تلك الفترة، حيث كان يكفي أن يجتمع بضعة ضباط للإطاحة بالحكم.

قيس سعيّد يعيش في ذهنه هذه السيناريوهات وحاول تطبيقها في تونس عام 2021، رغم أن الجيش التونسي لا يحمل هذه العقلية. ومع ذلك، فقد وضع المؤسسة العسكرية آنذاك خارج الدستور والقانون، وهو يتحمل مسؤولية ذلك، لكننا لا ندعو مطلقا إلى تدخل الجيش، بل ندعو إلى بقائه بعيدا تماما عن الترتيبات السياسية.

أسمع أحيانا حديثا عن أن تتولى المؤسسة العسكرية إدارة مرحلة انتقالية بعد قيس سعيّد، وأنا أرفض ذلك رفضا قاطعا؛ حفاظا على مكانة الجيش في قلوب التونسيين، وعلى مكانته الدستورية وتاريخه، ولأنه يجب أن يبقى بعيدا عن التجاذبات السياسية. دوره هو حماية الحدود وتأمين البلاد من الاعتداءات الخارجية، أما السياسة فيرتبها السياسيون والآليات السياسية. نحن لا نعيب على قيس سعيّد شيئا ثم نأتي بمثله، وإقحام الجيش في الحياة السياسية خط أحمر لا يجب الاقتراب منه بأي حال من الأحوال.

متى سيتم الإعلان الرسمي عن تشكيل جبهة واسعة للمعارضة التونسية في الداخل والخارج؟

هذه الجبهة موجودة فعلا، لكنها تعمل في إطار شبكي. المعارضة التونسية في الخارج تلتقي بكل أطيافها، حتى تلك التي كانت بينها خصومات وحدود إيديولوجية صعبة. المحنة التي تمر بها البلاد وحّدت هذه المكوّنات السياسية المختلفة، وهي تعمل اليوم معا، مع احتفاظ كل مكوّن بهويته ورؤيته.

الالتقاء شبه يومي، والتخطيط مستمر على قدم وساق، وهناك تحركات هامة شاركنا فيها في المهجر، خاصة تلك المتعلقة بالمطالبة بإطلاق سراح السجناء والمعتقلين، ونحن نعمل بجد على الإعداد النهائي لمرحلة ما بعد قيس سعيّد، ولكن قبل ذلك لا ندخر جهدا في التنديد بما يقوم به، وفي رفع وعي التونسيين بخطورة استمرار هذه المنظومة، ولن تتوقف تحركاتنا وجهودنا حتى تُكلل بالنجاح في نهاية المطاف.

هل ستكون هذه الجبهة تحت رئاستكم؟

لسنا في مرحلة البحث عن قيادات أو زعامات. بالعكس، طرح مسألة الزعامة الآن قد يخلق إشكالات أكثر مما يحلها، ونحن في مرحلة مقاومة الانقلاب، لا البحث عن رؤساء. في هذه الجبهة نحن جميعا جنود، من شخصيات وطنية وحقوقية ومناضلين، كل فرد يعمل من موقعه للتصدي لهذه المنظومة بينما مسألة القيادة ليست مطروحة الآن.

أخيرا، هل تعتزم الترشح للانتخابات الرئاسية في مرحلة ما بعد قيس سعيّد؟

في ظل وجود قيس سعيّد، لا يمكن الحديث عن انتخابات بالمعنى المعروف. بعد غلق قوس قيس سعيّد، واسترجاع الآليات الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة، سيعود الحراك السياسي والانتخابي، وحينها كل مَن يرى في نفسه القدرة على تقديم إضافة للشعب التونسي يمكنه الترشح. المسألة ليست مرتبطة بشخص بعينه، بل باستعادة الإطار الديمقراطي، والهدف الأول الآن هو إنهاء هذا القوس وإعادة البلاد إلى مسارها الديمقراطي، ووقتها لكل حادث حديث، وفي السياسة كل شيء وارد ومحتمل.
التعليقات (0)

خبر عاجل