انشغل العالم خلال الأيام الفائتة بواجهة من واجهات منظومة فساد عميقة في
الولايات المتحدة، والمتشابكة مع منظومات أخرى حول العالم في كثير من المجالات. تمثلت في شخص يدعى
ابستين، الذي صار الاسم الأول في العالم المقترن بفساد واسع عميق وخبيث، رغم وجود من هو أفسد وأخبث منه..
قيل إنه انتحر في سجنه بعد اعتقاله رغم كثير شكوك في الرواية، والأرجح أنه تمت تصفيته ليختفي مع أسراره، فهكذا هي قواعد منظومات الفساد حين ينكشف عضو منها، أو أحد واجهاتها. البتر والتصفية كأنجع الوسائل في وقف مزيد من الانكشاف، إلى حين ترتيب الأوضاع والمسائل الداخلية في المنظومة!
الفساد بشكل عام في أي زمان وأي مكان، ليس مجرد سلوكيات فردية، أو حالات معزولة، بل هو منظومة متكاملة ومعقدة في أحيان كثيرة، خاصة حين تتشابك فيها المصالح، وتترابط فيها الأدوات والآليات التي تعمل على حمايته واستمراره.. ومن الطبيعي أن أي منظومة معقدة كمنظومات الفساد المتنوعة، تستخدم طرقاً متعددة وأساليب خفية من أجل ضمان بقائها وسلامة رموزها والفاعلين فيها، بدءاً من استغلال النفوذ بطرق احتيالية ذكية، ومروراً بتشهير سيف الابتزاز وانتهاء بعمليات التصفية والتحييد، فهكذا هو عالم الفساد، أو إن أردت مزيد دقة، عالم الإجرام.
ما هو الفساد؟
الفساد في تعريف مختصر هو إساءة استخدام السلطة، أو النفوذ، أو الوظيفة العامة من أجل تحقيق مكاسب شخصية، أو مآرب أخرى على حساب المصلحة العامة. قد يكون الفاسد على شكل فرد. وقد يكون على هيئة شبكة من الأفراد بينهم مصالح متنوعة.
الفساد لا يكبر ولا ينتشر إلا حين يجد البيئة المناسبة، حيث ينتشر الفاسدون المتنفذون، تحميهم أنظمة وقوانين، وقضاة ومحامون، وقبل ذلك كله تسعى منظومة الفساد أو الفاسد نفسه، إلى درع يحتمي به، وغالباً ما يكون هذا الدرع على شكل أفراد من أصحاب القرار والنفوذ والصلاحيات!
قصة الأمريكي الفاسد أبستين، وجرائمه المتنوعة التي لم تكن حديثة عهد، نموذج على ما نتحدث عنه. فهذا الفاسد كان يمرح ويسرح، ويفسد في الأرض والبحر والجو سنوات عديدة، يسيطر على هذا وذاك وتلك، تحميه قوانين وأنظمة، ومرتشون فاسدون من جميع الدرجات. قضاة ومحامون، رجال أعمال وأثرياء، نواب ووزراء، كلٌ يستفيد منه بالعمل معه بصورة وأخرى وبحسب موقعه ووظيفته، وعلى قدر ما يجنيه من مكاسب وأرباح !! وهكذا استمر في الفساد والإفساد سنوات عدة، ينتفع من هنا وهناك ومعه كثيرون، بعيدين عن الأعين، إلا تلك التي كانت تحمي منظومتهم الفاسدة!
وفي التاريخ لنا عـبرة
قصص القرآن عن الفساد كثيرة، وما ذكرها الله إلا للعظة والعبرة. فمن أشهر قصص الفساد والمفسدين، بعد قصة نبي الله شعيب وقوم مدين، قصة
قارون الذي كان من قوم موسى. أي كان إسرائيلياً لكنه يعمل ضمن فريق المستبد الأعظم حينذاك
فرعون. وتفيد السياقات القرآنية والتاريخية أن قارون هذا ما كان يتعمق في الفساد ويتعملق لو لم يكن مدعوماً من منظومة فرعون الاستبدادية، التي استغلت ثروته الطائلة في تكريس معاني البغي والفساد.
كان قارون ركيزة مادية داخل منظومة فرعون السياسية
كان المشترك بين قارون مع فرعون وملئه، هو المصالح المتنوعة، كالشراكات المالية التي توسعت وتعمقت من أجل تعزيز نفوذهم ضد بني إسرائيل، ما يؤكد أن فرعون كان حامياً غير مباشر لفساده، من أجل تحقيق أهداف مشتركة لهما في السلطة والمال.
كان قارون ركيزة مادية داخل منظومة فرعون السياسية، حيث وفر فرعون الحماية والبيئة المناسبة له ليمارس فساده، في مقابل استغلال فرعـون لثروة قارون في تنفيذ خططه وسياساته، لاسيما تلك التي كانت ضد بني إسرائيل، وكيفية تثبيت أركان حكمه، وهذا ما كان وحكاه القرآن في تفاصيل عديدة. وهذا المشهد هو ما يحدث ويتكرر في كل زمان وكل مكان، وإنْ بصور وآليات مختلفة.
الدروع الحامية للفساد
لابد أن يجد الفاسد درعاً صلباً يحميه، كي يتكفل بتحقيق أهداف هذا الدرع ومصالحه، إلى جانب أهداف ومصالح الفاسد نفسه، أو أهداف ومصالح منظومة الفساد بكاملها. ولقد أثبتت التجارب على مدار التاريخ، أن الفساد لا ينتشر ولا يقوى إلا حين يكون صاحب الكلمة الأولى في النظام الحاكم، أو من لهم صلة به، هم بمثابة ذلك الدرع الصلب الذي يحمي الفساد والمفسدين، سواء بشكل مباشر عبر أوامر وتعليمات منه، أو منهم، أو عبر مؤسساتهم الفاسدة ذات النفوذ والصلاحيات!
لكن رغم كل ذلك، وكخلاصة لحديثنا، لا يحيق المكرُ السيئ إلا بأهله دوماً وأبدا، وأنّ الباطل مهما علا وتجبر، فإنّه زاهق لا محالة، وإن عاش زمنا. فهذا قارون، وليس هناك يومئذ من هو أعظم ثروة ونفوذاً وصلاحيات في مملكة فرعون الاستبدادية منه، يخسف الله به وبداره الأرض، لتنتهي ثروته وفساده في غمضة عين، وينكشف هو ومن معه أكثر فأكثر (فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين).. هكذا هي نهاية كل فاسد، ومآل كل منظومة فساد، مهما طال الزمن بهم، لأنّ (الله لا يُصلحُ عمل المفسدين).
الشرق القطرية