تنص المادة 5 من معاهدة ميثاق الحلف الأطلسي على ما يلي: “يتفق الأطراف على أن أي هجوم مسلَّح ضد واحد أو أكثر منهم في أوروبا أو أمريكا الشمالية يعتبر هجوما ضدهم جميعا، وبناء عليه يتفقون أنه في حالة وقوع مثل هذا الهجوم المسلَّح، فإن لكل منهم الحق في ممارسة الدفاع عن النفس الفردي أو الجماعي المعترف به في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وسوف يساعد الطرف أو الأطراف التي تتعرض للهجوم من خلال اتخاذ الإجراءات التي يراها ضرورية على الفور، بشكل فردي وبالتنسيق مع الأطراف الأخرى، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة، لاستعادة والحفاظ على أمن منطقة شمال الأطلسي”.
كيف سيتصرف الحلفاء في حالة غزو
الولايات المتحدة الأمريكية لغرينلاند مع هذه المادة؟ كيف سيُساعد أعضاء الحلف الدانمارك – طبقا لهذه المادة – في حالة تعرضها لهجوم أمريكي؟ هل سيقف بعضهم ضد البعض الآخر؟ وفي هذه الحالة، هل ستبقى منطقة حلف شمال الأطلسي مجالا أمنيا واحدا؟ أم سيتفكّك هذا المجال إلى أكثر من منطقة أمن؟ وما هي انعكاسات ذلك على بقية العالم؟
بالرغم من أن هذا السيناريو لم يكن مطروحا من قبل حتى بعد الضغوط الأمريكية على الدول الأوروبية لزيادة إنفاقها على الدفاع إلى 5% من ناتجها الخام، وقبولها بذلك على مضض، إلا أن التطورات الأخيرة تجاه غرينلاند وقبلها تجاه أوكرانيا باتت تقدم عناصر أولية لمستقبل غير آمن للحلف، وبأنه إذا لم يتفكّك سيضعف على الأقل، أو سينقسم إلى 3 مجموعات: حلفاء الولايات المتحدة من جهة، والداعين إلى استقلالية أوروبا في الدفاع عن نفسها من جهة أخرى، وفريق ثالث يدعو إلى اعتماد كل دولة على قدراتها الذاتية للدفاع عن نفسها أو في أحسن الأحوال قيام مجموعات دفاع مشترك بين دولتين أو أكثر.
ستتأكد أوروبا بأنه عليها الاعتماد على نفسها من الآن فصاعدا
وهي جميعها حالات تحمل معها مؤشرات بداية تفكّك الحلف تدريجيا. ومع تزايد احتمالية تحققها، ستتأكد أوروبا بأنه عليها الاعتماد على نفسها من الآن فصاعدا وربما ستندم آخر دولتين انضمتا للحلف على تسرعهما في ذلك (فنلندا 2023، والسويد 2024).
ومن بين المؤشرات الدالة على ذلك ما يلي:
1-إطلاق يد روسيا في أوكرانيا من قبل الولايات المتحدة والسماح لها (ضمنيا) بضم نحو ثلث الأراضي الأوكرانية، والإيحاء لأوروبا أنه عليها في حالة رفض ذلك الدفاع عن أوكرانيا إن استطاعت من دون انتظار المساعدات الأمريكية، وهذا يعد بمثابة شبه تخل من الولايات المتحدة على الالتزام بالأمن الأوروبي وشبه إطلاق ليد روسيا في أوروبا، يؤكده تصريح
ترامب الأخير بأنه ينبغي على أوروبا التركيز على روسيا وأوكرانيا وليس على غرينلاند!
2- فرض مبدأ جديد يتعلق بالدفاع المشترك يقول: أن الدفاع على أوروبا من قبل الولايات المتحدة يستلزم بالضرورة دفع مقابل. وقد انتهى من الآن فصاعدا عهد تحمّل الولايات المتحدة 70% من ميزانية الحلف كما كان في سنة2024 (850 مليار دولار من مجموع 1.2 ترليون دولار). ولا يتوقَّع أن تَقبل الولايات المتحدة مشاركتها في ميزانية دفاعها القادمة التي ستصل إلى 1.5 ترليون دولار إذا علمنا أن ميزانية الدفاع الأوروبية (مجموع إنفاق الدول الأعضاء على الدفاع بعد الزيادات) وهي مجتمعة لا تزيد عن 390 مليار دولار لسنة 2025!
3-تهديد الدول التي تعارض احتلال غرينلاند بزيادة الرسوم على تجارتها مع الولايات المتحدة بـ10% ابتداء من الشهر القادم و25% ابتداء من شهر جوان القادم يعد في حد ذاته نوعا من التخلي عن الحلفاء تجاريا كمرحلة أولى للتخلي عنهم عسكريا.
4- ما تضمنته استراتيجية الأمن القومي الجديدة للولايات المتحدة المعلن عنها نهاية نوفمبر الماضي وخاصة الإعلان عن العودة لمبدأ “مونرو” أو ما أصبح يطلق عليه مبدأ “دونرو” يفيد أن النصف الغربي من الكرة الأرضية (كما جاء بالنص) هو من نصيب الولايات المتحدة، بما يعني أن أوروبا وغالبيتها تقع شرق خط غرينتش ليست من أولويات الولايات المتحدة.
كلها مؤشرات تدل أن سياسة الرئيس الأمريكي الحالية، إِن لم تفكّك “
الناتو”، فهي ستُضعفه، وإِن لم تضعفه، فهي تضعه في طريق الضعف، وعلى بقية العالم أن يتصرف على هذا الأساس…
الشروق الجزائرية