كثيرا ما يتم تثبيط عزائم الناس بالقول أن بيننا وبين الدول المتقدّمة صناعيا50 سنة من الزمن وأكثر، وهناك من يُبالغ بالقول أن الفرق ينبغي أن يُحسَب بالقرون! ويدفع الشطط ببعضهم إلى التعبير عن الفارق بيننا وبينهم بالسنوات الضوئية!! في محاولة للقضاء على كل بصيص أمل، بأننا يمكن أن نتقدم نحن أيضا، وفي استصغار تام لكل جهد يُبذَل مهما كانت أهميته. والواقع خلاف ذلك تماما…
في شهر جوان الماضي صدر تقرير عن البنك الإفريقي للتنمية عنوانه “ربحية الذكاء الاصطناعي في إفريقيا: مسارات نحو كفاءة العمل، والنمو الاقتصادي، والتحول الشامل”
Africa’s AI Productivity Gain, Pathway to labour efficiency, Economic growth and inclusive Transformation.
شارك في هذا التقرير خبراء عالميون في الاقتصاد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وغيرها من المجالات، وخلُصَ إلى جملة بدت لي مفتاحية تقول: “إفريقيا ليست متأخرة أربعين عاماً؛ بل متأخرة أربعين نقطة”...
جملة تبدو وكأن بها تلاعبا بالكلمات فقط، ولكنها في الواقع حاملة لِتغيير جوهري في نوعية المقاربة، تنقلنا من تلك التي تقوم على فكرة “الفجوة الزمنية” بيننا وبينهم والتي يحسبها البعض بعدد السنين أو القرون، إلي تلك التي تقوم على الأداء، ولِنقل (فجوة الأداء)، حيث يمثلها التقرير في 40 نقطة على سبيل تقريب الحلول لا على سبيل الإحصاء. هذه النقاط الـ40، (ويمكنها أن تكون 50 أو أكثر أو أقل) يقول التقرير هي قابلة للاختصار عبر استراتيجيات ذكية تقوم من بين ما تقوم عليه، على الذكاء الاصطناعي. ولذلك يوصي بتغيير مقاربة التغيير إن صح التعبير!
ومن شأن الانتقال من العمل على سد “فجوة الزمن” إلي العمل على سد “فجوة الأداء” أن يُغيِّر كل نظرتنا لمسألة
التقدم والتأخر، من خلالها لن تصبح افريقيا تنظر للفارق بينها وبين الدول المتقدّمة على أساس متغير الزمن (بعدد السنين أو حتى القرون وينبغي أن تمر عبر ما مرت عليه)، بل على أساس متغير مؤشرات الأداء التي عليها تحسينها مثلا (نسبة الاتصال بالإنترنت، جودة البنية التحتية الرقمية، عدد المهندسين… الخ)، وهكذا تصبح المشكلة التي ينبغي تخطيها هي كيفية تحسين مؤشرات الأداء الضعيفة لا متى نلحق بالآخرين… أي تتحول مسألة التقدم لدينا من مشكلة صراع مع الزمن إلى مشكل تخطي صعوبات في الواقع.
كلما تمكنت افريقيا من تجاوز نقطة كلما قلصت من فجوة الأداء وتمكنت من الصعود أكثر في سلم التقدم التكنولوجي
وهنا يطرح التقرير أساليب الحل العملية من خلال الذكاء الاصطناعي الذي يبدو للوهلة الأولى، وكأن القارة بعيدة عنه كل البعد، بل يقدّمه على أساس أنه الفرصة الذهبية للقارة! ليس فقط لِتجاوز فجوة الأداء، بل لتحقيق نمو في ناتجها الخام غير مسبوق يمكنه أن يصل إلى زيادة صافية في ناتجها الخام قدرها واحد تريليون دولار من هنا إلى سنة 2035 فقط. وبطبيعة الحال يُفصِّل التقرير في كيفية القيام بذلك من خلال5 مؤشرات، كل مؤشر يعطيه10 نقاط، كلما تم تقليص مجموعة من النقاط كلما تم تقليص فجوة الأداء. هذه المؤشرات هي: البيانات، القدرة الحاسوبية، المهارات، الثقة، رأس المال.
تتشكل نقاط البيانات مثلا من توحيد المعايير، توفير البيانات باللغات الوطنية، جودة البيانات، البنية التحتية لِمشاركة هذه البيانات… وتتشكل نقاط القدرة الحاسوبية من مراكز البيانات المحلية، سعة الخوادم، تكلفة الوحدات الحاسوبية، كفاءة استهلاك الطاقة، وتتشكل نقاط المهارات من عدد خريجي علوم الحاسب سنويًا، برامج تدريب المطورين، محو الأمية الرقمية بين العامة، وجود خبراء في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
ويتشكل مؤشر الثقة من قوانين حماية الخصوصية، وجود أطر لتنظيم الذكاء الاصطناعي، شفافية الخوارزميات المستخدمة، ثقة المواطنين في الأنظمة الرقمية، في حين يتشكل آخر مؤشر رأس المال من حجم الاستثمار المحلي في البحث والتطوير، جذب رأس المال المغامر للتكنولوجيا، تمويل المشاريع الناشئة، الدعم الحكومي للحاضنات التقنية…
وهكذا كلما تمكنت افريقيا من تجاوز نقطة كلما قلصت من فجوة الأداء وتمكنت من الصعود أكثر في سلم التقدم التكنولوجي.
ويوضح التقرير أن هذا سيزيد من مساهمة الفلاحة في الناتج الخام الإفريقي بـ20%، وتجارة الجملة والتجزئة بـ15%، والصناعة بـ9%، والصحة بـ8% والمالية بـ7%، وأخرى بـ42%، في المدة التي تفصلنا عن سنة 2035، بما يساوي تريليون دولار إضافي للناتج الخام الإفريقي الحالي… يقول قائل ومن أين لنا بكل هذه العناصر التي يتكلم عنها التقرير؟
والجواب لدى الخبراء أن فرصتنا في مجال توطين الذكاء الاصطناعي أكبر بكثير من توطين أي من المجالات الأخرى… أليس هذا أمل فسيح؟
الشروق الجزائرية