ما حدث ويحدث في كل من غزة وفنزويلا وإيران وغرينلاند وغيرها من المناطق التي تعرف نزاعات حادة، يسمح لنا بتصور العالم في السنة الجديدة الجارية وما بعدها. والنتيجة الأولى التي تبرز جليا في هذا المجال أنه لم تعد هناك قوى دولية كبرى يمكنها أن تحمي الدول الصغرى أو تمنع عنها الأذى.
ومن ثمّ، فإنك إذا لم تستطع الدفاع عن نفسك لن يدافع عنك غيرك، غزة لن تُنقِذ سوى نفسها، وكذلك
فنزويلا وإيران والدانمارك وغيرها… أما انتظار دعم الحلفاء أو الجيران أو الاحتكام للقانون الدولي، فتلك ستكون من أساليب زمن مضى. وهذا ما يتأكد لنا يوما بعد يوم في أكثر من بقعة من بقاع هذا العالم! حتى أوكرانيا التي كانت رأس حربة الدول الرأسمالية الغربية في وجه روسيا تم التخلي عنها من قبل الولايات المتحدة! وغدا ستلتحق أوروبا بذلك، بل إن الحلف الأطلسي بذاته أصبح محل سؤال وقد باتت إحدى دوله الرئيسة تهدد عضوا من أعضائه بالغزو! أليس هذا ما يعنيه بالضبط تهديد الولايات المتحدة للدانمارك بضم غرينلاندا بالقوة من دون أي اعتبار لكون الدانمارك ليست فقط عضوا في الحلف الأطلسي بل من بين الدول المؤسّسة!
لا مجال في هذا العام وما بعده للحديث إذن عن
القانون الدولي وعن حلفاء! حليفك هو نفسك فحسب، والقانون الوحيد الذي يحميك هو قانون
القوة الاقتصادية والعسكرية والقدرة على الصمود في وجه الاعتداءات والاستفزازات من أي مصدر كانت. غزة اليوم تُكافح بمفردها استمرار العدوان بطرق أخرى واستمرار الحصار والتقلبات الجوية القاسية، وإيران تكاد تبقى وحدها أيضا بعد أن هَدّد الرئيس الأمريكي كل من يتعامل معها تجاريا بـ25% زيادة في الغرامات! وأوكرانيا وغدا الدانمارك وغيرها من الدول مشرقا ومغربا ستعرف نفس المصير…
ليس هناك من يحميك سوى نفسك وقدراتك الذاتية
ليس هناك من يحميك سوى نفسك وقدراتك الذاتية! لذا تعاظمت مسألة الجبهة الداخلية اليوم أكثر من أي وقت مضى وتعاظم دور التنمية الاقتصادية والتطوير الصناعي أكثر من أي وقت مضى. لم تعُد هذه خيارات تقبل الانتظار، ولا هي بدائل يمكن تعويضها! بل أصبحت خيارات ملزِمة إجبارية وفقط، على الدول تنفيذها بأي طريقة من الطرق إن أرادت الاستمرار…
لقد تابعنا طيلة أكثر من 40 سنة ما الذي فعلته العقوبات الاقتصادية بإيران، وتابعنا ما الذي فعله جيش الاحتلال الصهيوني بغزة، وما الذي حدث ويحدث بسوريا وليبيا والسودان واليمن والعراق، وما الذي يحدث في بقية البلدان الإفريقية مثل الكونغو ودول الساحل وأثيوبيا والصومال وفي بلدان آسيوية أخرى كمنيامار وأفغانستان وتايلاند وكمبوديا…الخ، وأخيرا ما حدث في فنزويلا وما ينتظر دولا أخرى في منطقة الكاريبي وأمريكا الجنوبية…
جميعها عرفت مخاطر غير مسبوقة كان عليها استباقها والاستعداد لها قبل فوات الأوان. وفي مثل هذه الحالات لم يعد كافيا ما يُعرف بالاستعداد المرن، أو الدبلوماسية المتوازنة، أو الاحتياطات الحيوية أو حتى الدفاع الصّلب! ذلك أن بلدا كبيرا كإيران استخدمها جميعا ومازال يعيش تحت التهديد إلى اليوم وتتم محاولة قهره بكافة الوسائل حتى يُذعن أو يتحول إلى الفوضى كآخر سيناريو متوقع.
لذا، فإن ما بقي ينفع في هذه السنة وما بعدها تجاه هذا التحول الكبير في أساليب الصراع الدولي لجميع دولنا، بما فيها تلك التي تعرف نزاعات هو فقط تعزيز وتحصين وتوحيد الجبهة الداخلية، وذلك لا يتم إلا من خلال حَوْكَمة شفّافة وعادلة يكون محورها رفع المظالم، وحوار واسع وصريح مع مختلف فئات المجتمع بمن في ذلك المعارضين في الداخل والخارج يكون محوره غلق المنافذ أمام المتربصين، وأخيرا بناء اقتصاد متين قادر على الصمود أمام كبرى تقلبات الاقتصاد العالمي…
وبعدها فقط تأتي إدارة العلاقات الدولية بكفاءة وحسن الاستفادة من التناقضات بين القوى الكبرى وحسن بناء علاقات إقليمية مبنية على الثقة وحسن الجوار والاعتماد المتبادل… من دون التعويل عليها كلية، بهذا يمكن تجنب المخاطر الكبرى لهذه السنة المتقلبة وما بعدها، ومع ذلك سنبقى دائما ضمن دائرة الاحتمال…
الشروق الجزائرية