مرة أخرى تُلقي الولايات المتحدة الأمريكية بنصوص
القانون الدولي في مزبلة العلاقات الدولية، وتمارس البلطجة بأبشع صورها، فتنتاب العالم موجات ارتدادية من هذا الفعل غير المسؤول، من قبل دولة هي من شاركت في صنع قواعد القانون الدولي، بل يبلغ الاستخفاف بقواعد القانون الدولي حدّه الأقصى، عندما يُسأل رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد
ترامب عن من سيدير
فنزويلا، فيشير بيده إلى نفسه وإلى وزير خارجيته قائلا، إن إدارة البلاد ستكون لفترة من الزمن بيد الأشخاص الواقفين خلفه، فهل ما قام به دونالد ترامب مُبرر ويعتمد على أُسس حقيقية؟
الغريب أن بعض الأصوات ذهبت لتبرير ما حدث في فنزويلا بأن البلاد تعاني من الحكم الشمولي غير الشرعي والفساد السياسي والإداري، وأن فيها وضع اقتصادي في حالة رثة إلى أبعد الحدود. هذه حجج باتت تُطرح بكثرة، وقد تبدو للبعض منطقية سياسيا، كما قد تبدو للبعض الآخر منطقية أخلاقيا. لكن هذه المقاربة خطيرة جدا لسبب بسيط، وهي أن القانون الدولي لا يمنح أي دولة حق استخدام القوة ضد دولة أخرى، أو اعتقال رئيسها، كما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية، بناء على تقييم هذه الدولة عن طبيعة النظام، أو فساد هذا النظام، او لعدم شعرية هذا النظام. لانه لو تم فتح هذا الباب فلن يكون بعد ذلك نظام دولي أصلا. وحينذاك ستكون الدول القوية هي التي ستقرر من هو النظام الجيد، ومن هو النظام السيئ.. من هو الذي يجب أن يبقى في السلطة، ومن عليه مغادرتها.. من يستحق البقاء، ومن يجب إزالته بالقوة.
إن الاتهامات الموجّهة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية إلى الرئيس الفنزولي نيكولاس
مادورو، بإغراق المجتمع الأمريكي بالمخدرات، وتهريب البشر إليها، والقيام بعمليات تخريبية فيها، حتى لو افترضنا أنها كانت صحيحة، فإن الجرائم العابرة للحدود لها مسارات قانونية واضحة، ويجب أن تكون فيها تحقيقات دولية وتعاون قضائي، كي نصل إلى حقيقة الاتهامات. فلا يمكن بأي حال من الأحوال الاعتماد على الوضع الداخلي في فنزويلا، لتبرير وشرعنة الهجوم، الذي حدث عليها والقيام بخطف رئيسها. وحتى القول إن النظام غير شرعي واستعمال الوسائل غير الشرعية لإزالته هي من جنس الفعل، كلها حجج باطلة، وغير مقبولة قانونيا. فالنظام الدولي الحالي لا يقوم على مبدأ الديمقراطية كشرط لسيادة الدول، وعليه فإننا أمام انتهاك صريح للقانون الدولي. والسؤال هنا هو هل هناك فعلا آليات لمحاسبة من ينتهك القانون الدولي؟ والإجابة على ذلك بسيطة جدا وهي أن أحد أبرز النقاط التي عادة يتم لوم القانون الدولي فيها، هو أنه ليس هنالك من آليات لمحاسبة من ينتهك قواعده، كما ليس لديه القدرة على ملاحقة من ينتهكون بنوده، وعليه فما حدث في فنزويلا يؤدي بنا إلى حقيقة، أنه يجب أن تكون هنالك مسؤولية دولية على الولايات المتحدة.
إن عملية خطف الرئيس الفنزولي من بلده وجلبه إلى الولايات المتحدة، هي من دون شك جريمة دولية بوصف القانون الدولي، وأبسط وصف لها هو جريمة عدوان. وهذه هي إحدى الجرائم التي تخضع لاختصاص محكمة الجنايات الدولية. وهي ببساطة خرق لسيادة دولة عبر عملية عسكرية نفذتها قوات رسمية أمريكية. ولا يبرر ذلك إذا كان مادورو مرتكبا لجرائم محلية أو دولية، أن ترتكب الولايات المتحدة جريمة على مستوى انتهاك سيادة دولة وتنفيذ عملية عسكرية فيها. ومن الطبيعي أن تتنصل الولايات المتحدة من الطبيعة الجُرمية لهذه العملية، فهي قد فعلت ذلك مرارا وتكرارا في العقود الماضية، وآخرها، التي ما زالت مستمرة هي الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في غزة. أما بخصوص محاكمة الرئيس الفنزولي أمام المحاكم الأمريكية، فهي ليست قانونية إطلاقا، لأن هذه المحاكم تخضع للقانون الأمريكي. وعليه فلا اختصاص قانوني لهذه المحاكم على الرئيس الفنزولي لأسباب قانونية، حيث إن معظم الأنظمة القانونية في العالم تحتفظ بالاختصاص في محاكمة مواطنيها أمام القضاء الوطني.
إن اختطاف الرئيس الفنزولي، وجلبه إلى الولايات المتحدة هو خرق صريح لميثاق الأمم المتحدة، فالمادة الثانية من هذا الميثاق نصت صراحة على وجوب احترام سيادة الدول، وعدم استخدام القوة العسكرية بين الدول الأعضاء. علما أنه حتى القوانين الأمريكية لا تسمح بعملية من هذا النوع. فعندما حصلت عمليات سابقة، مثل اعتقال رئيس بنما كان هناك إعلان لحالة حرب. إذن القانون الأمريكي يوجب أن تكون هناك حالة حرب مع الدولة، التي يمكن تنفيذ عمليات عسكرية ضدها، أو خطر بالغ الشدة على الأمن القومي الأمريكي. بالتالي هذه هي المرة الأولى التي تُنفّذ فيها عملية عسكرية كهذه، وليس هنالك من حالة حرب بينها وبين الولايات المتحدة. لقد سمع العالم كله اتهامات عديدة من ترامب وبقية معاونيه، بأن الرئيس الفنزولي ضالع بتهريب المخدرات والسلاح والمهاجرين إلى الولايات المتحدة. لكن كل هذه الاتهامات لم يترافق معها تقديم أدلة تتهم مادورو شخصيا، ومن دون أدلة فستكون محكمة سياسية وليست قانونية.
المشكلة أن الولايات المتحدة، حتى لو قدمت أدلة في هذه القضية فمن سيصدقها، فهي باتت دولة عديمة المصداقية أمام العالم، سواء في اتهام الدول أو رؤساء الدول، فما زالت ذاكرة شعوب العالم طرية وتتذكر جيدا، عندما جلس وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول، أمام مجلس الأمن الدولي عارضا أمام أنظار أعضاء المجلس قارورة صغيرة، أدعى بأن ما فيها مواد كيماوية أنتجها العراق، يمكن بواسطتها إبادة نصف البشرية من على وجه الكرة الأرضية. وعليه وفي ضوء هذا الدليل المُخادع تم غزو العراق وتدمير دولته، وتهجير وقتل الملايين من شعبه. وعندما حدث الغزو والاحتلال للعراق وتبين زيف ادعاء أسلحة الدمار الشامل، تم تحويل التهمة لتبرير الغزو بأن النظام السياسي آنذاك لم يكن ديمقراطيا، في حين أن النظام الدولي لا يقوم على الديمقراطية كشرط لسيادة الدول. علما أن الولايات المتحدة غالبية حلفائها ديكتاتوريون.
إن ما قامت به الولايات المتحدة من خرق لسيادة دولة مستقلة، وخطف رئيس الدولة، واقتياده بالقوة الى أراضيها، من دون أن تكون هنالك حالة حرب بينهما، ثم عرضه أمام المحاكم الأمريكية لمحاكمته بتهم وفق القانون الأمريكي، ستكون سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، ولربما ستكون هي المقياس في العلاقات الدولية. فمن يضمن أن لا يتكرر المشهد بأن تقوم روسيا بخطف الرئيس الأوكراني ومحاكته في موسكو، وأن تقوم الصين بضم تايوان بالقوة إلى سيادتها الوطنية؟
القدس العربي