عاد المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران إلى الواجهة مرة أخرى في مسقط. لكن التعزيزات العسكرية الأمريكية المُهددة لإيران ما زالت تتقاطر على منطقة الشرق الأوسط. دعك من النبرة المتفائلة، التي تحدث بها وزير الخارجية
الإيراني عباس عراقجي، عن المحادثات وأنها كانت جيدة، لأن
ترامب صرّح بعد المفاوضات مباشرة، بأن قصف إيران ما زال قائما في حال عدم التوصل إلى اتفاق.
وفي التحليل السياسي، فإن الرد الإيراني لا بد أن يكون بلغة تفاؤلية، لأن ذلك يرفع من قيمة الريال الإيراني، ويوفر دعما اقتصاديا هم بحاجة ماسة له. فالمحادثات بطبيعة الحال من شأنها أن تعزز الاقتصاد الإيراني المتهاوي، كما حصل في السابق. لكن من غير المتوقع أن يتكرر ذلك السيناريو اليوم، لأنه لا توجد أي اختراقات في المباحثات التي جرت مؤخرا، هذه هي الملاحظة الأولى التي أفرزتها المحادثات الأخيرة.
الملاحظة الثانية، هي أن إيران أصرت على أن تكون المباحثات غير مباشرة، أي أن لا يجلس الطرفان حول طاولة مباحثات واحدة وجها لوجه، بل تركت ذلك لوزير الخارجية العُماني، الذي كان يتناوب الجلوس مع كل طرف على حدة، ناقلا وجهات النظر المتبادلة. وفي المفاوضات الدولية يُقرأ هذا المسار على أنه دليل سيئ على كيفية تطور الأمور. وقد قرأ الأمريكيون هذا المطلب الإيراني على أنه محاولة لإضاعة الوقت، وأن إيران ليست لديها نية جدية بالحديث. كما أن الإصرار الإيراني على الحديث في الملف النووي فقط، قد أعطى تصورا لدى الطرف الآخر بأنهم يريدون شراء الوقت، لذلك يبدو الوضع خطيرا للغاية، واحتمال شن ضربة أمريكية عسكرية على إيران وارد جدا.
قد يتصور البعض أن الإنجاز الأكبر للمحادثات الأمريكية الإيرانية، كان إبعاد شبح
الحرب، بغض النظر عما إذا توصل الطرفان إلى اتفاق حقيقي، أو لم يتوصلا، لكن هذه الرؤية بعيدة تماما عن الحقيقة، فالولايات المتحدة وإيران على شفير الهاوية، وفي أية لحظة يمكن أن تقع المواجهة، لأن من الصعب جدا استنتاج أي نتائج عملية أفرزتها المباحثات الأخيرة. فكلام وزير الخارجية الإيراني عن بداية جيدة هي وجهة نظر إيرانية، لكن ليس بالضرورة هي بداية جيدة من وجهة النظر الأمريكية. فالقراءة الأولية الإيرانية اعتدنا عليها من قبل عباس عراقجي، الذي دائما ما يعطي صورة وردية عن المحادثات مع الأمريكيين، وما زلنا نتذكر الجولة الأخيرة من محادثاته مع الأمريكيين في مسقط في يونيو/حزيران الماضي. آنذاك قال، إن هناك تقدما كبيرا في المحادثات، وبعد يومين دخلت الولايات المتحدة طرفا في الحرب مع إسرائيل وقصفت إيران. وعليه فإن فرص المواجهة العسكرية هي أكبر بكثير من فرص الاختراق الدبلوماسي، لأن الفجوة عميقة جدا بين الطرفين.
أيضا هناك رأي يقول إن الولايات المتحدة لا بد أن تأخذ بنظر الاعتبار مصالح حلفائها العرب، الذين سعوا لديها لإعطاء فرصة للحل الدبلوماسي بينها وبين إيران بدلا من الحرب، التي سوف يتضررون منها بشكل كبير للغاية. لكن الحقيقة تقول، إن القرار الأمريكي لم يأخذ بنظر الاعتبار المصالح العربية، أو المصالح الخليجية على وجه الخصوص، لأن اللاعب الأهم في القرار الأمريكي على إيران هو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أثبت قدرته على التأثير في قرار ترامب في يونيو الماضي، ودفعه للمشاركة في الحرب. واليوم هناك تنسيق استراتيجي وليس تكتيكيا بين واشنطن وتل أبيب في طبيعة الهجوم على إيران.
إن الأمر الواقع يقول، إن إيران تفاوض تحت النار، والدليل على ذلك والمثير للانتباه أيضا، أن وفد التفاوض الأمريكي الذي يقوده ويتكوف، كان أحد أعضائه قائد القيادة الوسطى العسكرية الأمريكية، وذلك دليل على أن الهراوة العسكرية كانت على الطاولة جنبا إلى جنب الدبلوماسية، إضافة إلى الحشود البحرية والجوية الأمريكية في المنطقة. فواشنطن وتل أبيب قناعتها المشتركة اليوم هي، أن إيران في وضع هش للغاية، ضعيفة ومُخترقة وتواجه تحديات داخلية كبيرة. وهذه لحظة ذهبية تستدعي توجيه ضربة أخيرة لها. كما أن الرئيس دونالد ترامب يواجه صعوبات داخلية كبيرة، وأي مواجهة مع إيران يمكن أن تغير الوضع. إضافة إلى أن تهديداته الكبيرة لإيران باتت تُقيّد قراراته في هذا الملف، فلا يمكن أن يتراجع من دون أن يحصل على الجائزة الكبرى، أو الإنجاز التاريخي الكبير له، وهو إما تغيير النظام، أو الوصول إلى اتفاق يجرد طهران من كل أوراقها.
إن الهدف الأمريكي اليوم ليس البرنامج النووي الإيراني، فهي إن كانت تريد ذلك فعلا، فإن القيادة الإيرانية، على أتم الاستعداد لتقديم تنازلات كبيرة في هذا الملف. لكن الهدف الاستراتيجي الأمريكي الأكبر، هو تفكيك بنية النظام في طهران، وليس بالضرورة تغيير النظام بشكل كامل، كما حدث في العراق مثلا، بل لعل ما قامت به واشنطن في فنزويلا هو النموذج الأمريكي الجديد، الذي ستسير عليه الولايات المتحدة، سواء في إيران أو في غيرها.
بالنسبة لإيران هي الآن في المرحلة الأخيرة وهي القوة العسكرية. وهنا يمكن أن نقبل بفكرة أن هناك ذكاء دبلوماسيا أمريكيا، في تحويل الملف الإيراني إلى قضية دولية
إن الاستهداف الأمريكي للدول عادة ما يتم بداية بملف العقوبات، ثم ملف المظاهرات وتحشيد الناس، وأخيرا البروباغندا الإعلامية لإظهار صورة النظام بشكل سيئ جدا. وهذا في الحالة الإيرانية رأيناه قد تم، ليس من قبل الولايات المتحدة فقط، بل حتى من قبل الاتحاد الأوروبي مؤخرا، الذي صنّف الحرس الثوري الإيراني بأنه منظمة إرهابية، ومنع بعض السياسيين الإيرانيين من الذهاب إلى بروكسل. أما المحور العسكري فهو النقطة الأخيرة في استهداف الدول.
وعليه فبالنسبة لإيران هي الآن في المرحلة الأخيرة وهي القوة العسكرية. وهنا يمكن أن نقبل بفكرة أن هناك ذكاء دبلوماسيا أمريكيا، في تحويل الملف الإيراني إلى قضية دولية، لأنه لغاية الآن إيران تدافع عن نفسها بأنها مستهدفة من قبل الشيطانين الأكبر والأصغر وهما، أمريكا وإسرائيل. بينما ستقول الولايات المتحدة، إننا أعطيناهم فرصة وذهبنا معهم في ملف التفاوض السلمي، ولم تنجح هذه العملية، وهذا سيقود إلى ملف دولي ضد إيران.
إذن هل ستشكل المفاوضات الحالية فرصة لإيران لحفظ ماء الوجه وللخروج بصيغة تبقي النظام، وتفتح صفحة جديدة مع الغرب والولايات المتحدة تحديدا؟ من الصعب الإجابة على هذا السؤال الآن، لأنه يبدو أن هناك انقساما داخل الطبقة الحاكمة في طهران حيال هذا الموضوع، فهناك فريق يرغب في تسوية تاريخية مع الولايات المتحدة، وهو يرى أن وجود النظام بات على المحك ومهددا. بالتالي سيعتبرون إذا ما تمكنوا من التركيز على الملف النووي فقط، وتقديم لترامب ما يريده في هذا الملف فإن النظام باق.
القدس العربي