حقيقة إرجاء الحرب على إيران

عبد الله السناوي
موقع خامنئي الرسمي
موقع خامنئي الرسمي
شارك الخبر
حرب أم لا حرب؟
احتواء محتمل بالتفاوض أم مواجهة مفتوحة بالسلاح؟
السيناريوهات كلها مطروحة بالقدر نفسه.
لا يمكن ترجيح سيناريو، أو استبعاد آخر.
تتضارب السيناريوهات المحتملة من لحظة إلى أخرى.
إنها طبيعة شخصية الرئيس الأميركى «دونالد ترامب» في إدارته للأزمات الدولية.
اعتاد أن يعطي إشارات متعاكسة، الشيء ونقيضه في الوقت نفسه، بدواعي الإرباك المقصود، أو بغير تخطيط وقصد.

استبعد الحرب واصفاً قرار وقف الإعدامات بحق (800) متظاهر بـ«الحكيم».
عاد بعد ساعات ليلوح مجدداً بإسقاط حكم المرشد علي خامنئي.
«إيران تحت قيادته أسوأ مكان في العالم للعيش فيه».
في التصريحين المتناقضين بدا الرئيس الأميركي رجلاً تحكمه أهواؤه.
في الأول، أراد أن يعزو لنفسه نجاحاً كبيراً في إجبار القيادة الإيرانية على ما يريد بذريعة حماية المتظاهرين.

وفي الثاني، بدا كرد فعل على وصف خامنئي له بأنه «مجرم يتحمل مسؤولية التحريض المباشر على الاضطرابات التي ألحقت بإيران أضراراً مادية وبشرية هائلة».
بنص كلام خامنئي، فهو لا يريد جر بلاده إلى الحرب، لكنه لم يكن مستعداً لتلقي الاتهامات دون رد، حتى لا يبدو النظام كله ضعيفاً وهشاً.
بين التهدئة المراوغة والحرب المحتملة تداخلت السيناريوهات المتضاربة عند هدف واحد: «تفكيك النظام الإيراني».

بدا مثيراً للالتفات أن الإيرانيين ينفون تماماً أن تكون قد صدرت أي أحكام بالإعدام بحق المنخرطين في الاحتجاجات الشعبية، التي شملت البلد كله.
أرقام الضحايا محل سجال بالغ الحدة إيرانياً ودولياً.
المحتجون يصلون بها إلى مستويات غير مسبوقة، تأكيداً على شدة القمع ووحشيته.

السلطات بدورها تركز على سقوط أعداد كبيرة للغاية من رجال الأمن بيد مسلحين، في تفرقة واضحة بين الاحتجاجات الشعبية المشروعة والعصابات المسلحة، التي تحركها أجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية تمويلاً وتسليحاً.

باعتراف ترامب، فإنه لا تتوافر لديه معلومات مدققة عن أرقام الضحايا، لكنه بدا مندفعاً إلى الحرب قبل أي تحقق.
في الوقت نفسه تأكدت أخبار عن تدخلات خليجية وأوروبية وإسرائيلية، بحسابات متناقضة، تطلب إرجاء الحرب.

يخشى الخليجيون أن تمتد كتل النيران إلى بلدانهم المجاورة.
وكان خفض مستوى التحذير الأمني في قاعدة «العيديد» الأميركية بدولة قطر مؤشراً على ابتعاد شبح الحرب.

يميل الأوروبيون إلى التشدد المفرط في فرض العزلة الدبلوماسية والتجارية على طهران دون انجراف إلى الحرب، التي قد تؤذي مصالحهم الاستراتيجية والنفطية.
ويطلب الإسرائيليون وقتاً إضافياً للاستعداد العسكري الدفاعي قبل أي مواجهة جديدة مع الصواريخ الباليستية الإيرانية الأكثر تقدماً وتدميراً.

بتقدير راجح فإن ترامب لا يريد أن يتورط في حرب طويلة الأمد، لكنه لا يستبعد الفكرة كلياً.
يميل إلى ضربات محدودة ومؤلمة حتى لا يقال إنه تراجع مضطراً، فيما يضغط حليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أن تكون الحرب شاملة وتفضى نتائجها إلى إسقاط النظام.
بمعنى آخر، فهو يريدها حرباً بالوكالة للتخلص من صداع الدور الإيراني في المنطقة.

خيار الحرب تعارضه النسبة الأكبر من الأميركيين، فيما هاجس ترامب الرئيس خسارة الانتخابات النصفية لمجلسي الكونغرس في الخريف المقبل.

إذا خسر الحزب الجمهوري الانتخابات الوشيكة فسوف تتقوض سيطرته على مجلسي الشيوخ والنواب، بما يتبعه من عواقب سياسية وقيود غليظة على تصرفاته وسياساته شبه الانفرادية في بلد يُفترض فيه خضوعه للعمل المؤسسي، لا أهواء الرئاسات.

ومعضلته الجوهرية إخفاق سياساته الاقتصادية في خفض نسب التضخم وكبح غلاء الأسعار.
لا يراجع سياساته بقدر ما يبحث عن حلول بالسيطرة على الموارد الطبيعية في دول أخرى.
البترول الإيراني هدف مباشر.

يصعب تسويغ دخول ثلاث حروب متزامنة أمام الرأي العام الأميركي: حرب برية غير مستبعدة مع فنزويلا لإحكام السيطرة على ثرواتها النفطية، وحرب من نوع آخر مع الحلفاء الأوروبيين حول جزيرة غرينلاند، وهذه أخطر وأفدح دون طلقة رصاص واحدة، تنهي التحالف الغربي وتقوض حلف «الناتو».

إذا ما اندلعت حرب واسعة مع إيران فإنها تنذر بانهيارات كبرى في الشرق الأوسط كله، لا إيران وحدها.
تفكيك إيران يعني – بالضبط – جر المنطقة إلى فوضى ضاربة، عرقية وطائفية ومذهبية.
إنه الشرق الأوسط الجديد تحت القيادة الإسرائيلية شبه المطلقة.

القضية ليست إيران، بل الحقائق الجيوستراتيجية في المنطقة كلها، طبيعتها وموازين القوى فيها ومستقبلها.
إيران ميدان للصراع على المنطقة، وليست الصراع كله.
لم تكن نصرة التظاهرات والاحتجاجات الشعبية هدفاً أميركياً حقيقياً، بل محض ذريعة تدخل لتفكيك إيران.
على خلفية أزمة اقتصادية خانقة تضرب الإيرانيين بقسوة بالغة، وانخفاضات غير مسبوقة في قيمة العملة المحلية، اكتسبت مطالب الاحتجاجات شرعيتها وزخمها.
لم يُعهد عن ترامب أي دعم للتحركات الشعبية

كان انقطاع التيار الكهربائي في بلد يملك احتياطات ضخمة من النفط والغاز داعياً للتساؤل عن الإهمال والفساد وضرورات الإصلاح في بنية النظام نفسه.
تجمعت في بوتقة الاحتجاجات شرعية الغضب مع التوظيف السياسي والاستخباراتي لإسقاط النظام على خلفية أدواره في دعم القضية الفلسطينية.

لم يُعهد عن ترامب أي دعم للتحركات الشعبية؛ كل ما يعنيه في الأزمة الإيرانية المتفاقمة توظيفها لمقتضى أهدافه ومراميه الحقيقية البترولية والاستراتيجية.
بمناسبة أو بغير مناسبة تحرض إسرائيل دوماً على ضرب إيران.

في اجتماع ضم ترامب ونتنياهو أخيراً بمنتجع «مارالاغو»، استجاب الأول لما طالب به الثاني من توجيه ضربة قاصمة لإيران، بدلاً من الضغط عليه لتنفيذ استحقاقاته في خطة السلام المدعاة بغزة.
كانت نقطة التوافق: تفجير المنطقة وإعادة رسم خرائطها من جديد بالحديد والنار، دون أفق سياسي يأخذ في اعتباره أي حقوق لأبناء المنطقة كلها، لا الفلسطينيين وحدهم.

«المساعدات في الطريق».
كان ذلك تعهداً ترامبياً بتدخل ما يساعد المتظاهرين، دون أن يحدد طبيعته وحجمه ومداه وما بعده.
ما البديل؟!
ترك كل شيء مفتوحاً للتكهنات والسيناريوهات المتضاربة.
كانت دعوته للمتظاهرين الغاضبين بالسيطرة على مؤسسات الدولة، أو تفكيكها بمعنى أوضح، نقطة تحول جوهرية في احتواء الأزمة الإيرانية المتفاقمة.
أفضى التدخل المفرط إلى عكس أهدافه.
ما يحدث الآن بالضبط: إرجاء لا إلغاء لسيناريوهات الحرب.
إرجاء لإشعار آخر بقوة الحقائق وحدها.

الأيام الفلسطينية
التعليقات (0)