كان الله في «عون» كلّ المطبّلين والمزمّرين ممّن كانوا ينتظرون الحرب الساحقة والماحقة على
إيران، وممّن اعتقدوا لأسباب يكمن في جوهرها وصميمها مزيجٌ نادر من التخلّف والحقد المذهبي المشوّه، وجماعات أخرى من الذين «ضُربوا على قلوبهم»، ومجموعات ربطت مصيرها بمصير ترامب ونتنياهو، وآخرين لم يُسعفهم حظّهم العاثر من رؤية الحقائق القائمة في الواقع على الأرض، وليس في غرف «الأخبار» وإعداد التقارير الصحافية، وممّن اعتقدوا أن الأمور كانت تسير وفق رغباتهم، وأهوائهم، وربّما حسب تقديرات بعضهم الآخر وتمنّياته، أيضاً.
وأكثر من يستحقّون أحرّ التعازي من بين كل هؤلاء، أولئك الذين كانوا حضّروا أنفسهم لـ»الصهيوني الجديد» ابن الشاه ونظامه البائد، الذي قبعه الشعب الإيراني من جذوره الخبيثة، وألقى بنظامه الفاشي إلى خارج إيران، وهدم إلى غير رجعة القلعة التوأم لدولة
الاحتلال في كامل الإقليم، وفي العالم كلّه، ولا عزاء للآخرين.
الأهمّ من تقديم واجب العزاء لمن استحقّوه، ومواساة كل الذين خاب أملهم، والذين ما زالوا في حالة من الذهول، ولم يستفيقوا بعد من هول الصدمة، الأهم هو، ما الذي جرى، وكيف، ولماذا، وإلى أين؟
أغلب الظن، ونحن ما زلنا في دائرة الترجيح أن الذي جرى كان صدمةً مدوّية لترامب، وكل مساعديه، ولنتنياهو، ولبعض بلدان «الغرب»، وخصوصاً بريطانيا وألمانيا وفرنسا.
وأغلب الظن، أيضاً، أن ترامب حتى ساعة مخاطبته للقائمين على الاحتجاجات كان ما زال يعتقد بناءً على تقارير استخبارية أميركية، وإسرائيلية و»غربية» أن المحتجّين قد تم «تأمينهم» بالوسائل الضرورية للتقدم باتجاه «احتلال» بعض المؤسّسات الحيوية، وباتجاه السيطرة على مناطق جغرافية من الأطراف الإيرانية، وبحيث يتمّ في وقت متزامن تحديد نوع وحجم الضربة الأميركية وفق «تقدم» هذه الخطة.
دعونا هنا نقدم ثلاثة أدلّة دامغة على صحّة ذلك:
الأوّل، هو أن نتنياهو ومساعديه الذين حرصوا على إظهار عدم اشتراكهم المباشر في هذه الضربة ذكروا قبل ساعات قليلة من الصدمة الإيرانية بأنهم قدموا لترامب إحداثيات لـ»50» هدفاً لقصفها.
الثاني، هو أن القيادة الألمانية صرّحت بأن أيّام النظام الإيراني باتت معدودة، في إشارة لا تقبل التأويل إلى أن القرار بالضربة كان قد اتخذ فعلاً، وأن تحديد الموعد الدقيق أصبح «أمراً مقضياً».
الثالث، أن دول الخليج العربية اتخذت قرارات واضحة، أهم من مناشدة ترامب بعدم الإقدام على الحرب، وأعلنت رسمياً بأنها لن تسمح باستخدام أجوائها، وهو الأمر الذي يعني من بين ما يعنيه أن هذه المسألة قد تطال استخدام القواعد الأميركية في هذه البلدان.
الاستنتاج هنا، وبكل موضوعية هو أن وقف الحرب على إيران قد تمّ في الدقيقة الـ»90»، وأن ثمة ما حدث بصورة باغتت الجميع، وأوّلهم ترامب، ونتنياهو، والذي قالت مصادر أميركية وإسرائيلية وعربية إنه هو شخصياً قد ناشد ترامب للتوقف عن الهجوم فوراً.
هذا ما جرى فعلاً، أما لماذا جرى فالقصة بخطوطها العريضة باتت معروفة، وهي أن خطة التنسيق بين آلاف «المكلّفين» فشلت بعد تعطيل الاتصالات التي أمّنها إيلون ماسك، وأصيب عشرات آلاف من المرتزقة الذين دخلوا البلاد من ثلاثة حدود معروفة، وكانوا مرصودين من أجهزة الأمن الإيراني بالعمى الاستخباري، وتم القبض المتزامن على عدّة آلاف منهم متلبّسين بالجرم المشهود، بعد أن تمّ شلّ فعالية شبكة «ستارلينك» على كامل الأراضي الإيرانية.
هذا كلّه من جهة، أما من جهة أخرى فقد فهم ترامب في ضوء ذلك كله أن هذا الفشل يعني أن إيران قد أعدّت نفسها جيداً للهجوم الأميركي، وإن من المؤكد أنها تحتفظ بمفاجآت من العيارات الثقيلة التي لا تستطيع أميركا تحمّل تبعاتها، بعد أن تغيّرت وجهة الحرب، وبعد أن أيقنت أميركا ودولة الاحتلال أن الهجوم سيكون فخّاً قاتلاً بدلاً من الفرصة التي خطّطوا لها، وراهنوا عليها. وكادت الإدارة الأميركية بفارق عدّة ساعات فقط أن تقع فيه.
طبعاً كلّ هذا تزامن مع تقارير يبدو أنها على درجة ليست قليلة من المصداقية تحدثت عن تفجير نووي في نفس يوم إغلاق الأجواء الإيرانية بصورة مباغتة، ومن دون أسباب واضحة، وعن نشاط إيراني غير مسبوق مع روسيا، ومع الصين، وعن مناورات وحركة لمرابض الصواريخ غير معتادة على الإطلاق.
وهنا يُطرح السؤال: هل التراجع عن الحرب على إيران للأسباب التي وردت، وكما وردت، ومن دون أن يكون من الأسباب ما هو أكبر وأخطر، ستؤدي إلى تكرار المحاولات الإسرائيلية والأميركية للحرب على إيران في ظروف مناسبة أخرى سيجري العمل على توفيرها؟ أم أن هذه الأسباب هي من النوع، ومن دون ما هو أكبر وأخطر منها هي كافية، وكفيلة بالتعامل مع إيران كدولة إقليمية يصعب التغلّب عليها، وإخضاعها، وأن الحل الوحيد الممكن والمتبقي أمام الإدارة الأميركية، وأما دولة الاحتلال، وأمام «الغرب» كلّه هو التفاهم معها، والتفاوض بشأن دورها الإقليمي، وحدود هذا الدور، وفي أي إطار سيكون عليه هذا الدور؟
أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال أصبحت واضحة. كُلفة الحرب على إيران بعد الصدمة الأخيرة التي أحدثتها الأخيرة في الواقع أصبحت أكبر، وبما لا يُقاس من كلفة التسليم بدورها، وأقلّ خطراً على مكانة ومصالح أميركا في هذا الإقليم الحسّاس من العالم من كُلفة الحرب والمغامرة بها.
الانقلاب الجديد في المعادلة الإقليمية هو مؤشّر جديد على انكفاء الدور، وعلى تراجع المكانة الإسرائيلية في هذه المنطقة
إذا كان هذا الوصف لواقع الحال، وتشخيص هذا الواقع الجديد صحيحاً، أو أقرب إلى الصحّة، ناهيكم عن أنه يمكن أن يكون دقيقاً، أو الأقرب إلى الدقّة فإن ثمة انقلاباً كبيراً وجديداً يحدث الآن في الإقليم.
ليس هذا فحسب، بل إن هذا الانقلاب يحدث للمرّة الأولى منذ تسلّم الثورة الإسلامية لمقاليد السلطة في إيران، وهو انقلاب يستحيل من زاوية معادلة التوازن الإستراتيجي في الإقليم، إلّا وأن يكون على حساب الدور والمكانة الإسرائيلية في هذه المعادلة.
وهذا الأمر برمّته يحدث في ظروف دولية من زاوية توازناتها، ومن زاوية الأدوار والمكانة لأطرافها، ومن زاوية ما وصلت إليه من نتائج حتى الآن هو أمر يعزّز من تكريس الوجود الإقليمي، ومن تنامي الدور الإيراني فيه.
ومن هذه الزاوية تحديداً فالانقلاب الجديد في المعادلة الإقليمية هو مؤشّر جديد على انكفاء الدور، وعلى تراجع المكانة الإسرائيلية في هذه المنطقة، بالرغم من كل محاولات إخفاء هذه الحقيقة الجديدة تحت وابل من الحروب الصغيرة المفتعلة، وبهدف تأخير تبعات هذا الانقلاب على التطوّرات اللاحقة في هذه المنطقة الحسّاسة من العالم، للأسباب المعروفة عن مخزونات الطاقة، وعن إستراتيجية الموقع، ومحورية الممرّات الإستراتيجية فيها، وعن أسباب أخرى كبيرة وكثيرة.
وبهذه المعاني كلّها فإن إيران، وبقدر ما يتعلّق الأمر بالحقائق التي تمكّنت من فرضها، هي الدولة الأهمّ في الإقليم من ثلاث زوايا إستراتيجية كبيرة:
الأولى، هي أن إيران قد فرضت هذا الواقع بيدها، وبذراعها، وليس بالخضوع أو الاستكانة، أو مداراة المشروع الأمروصهيوني، وهي ميّزة لا تتمتّع بها الدول الإقليمية الأخرى إلاّ جزئياً، وإلّا لأسباب تتعلّق بالغلوّ والتطرّف الإسرائيلي، ولا تتعلّق بالصدام الكبير والمباشر، لا مع المصالح الأميركية، ولا حتى مع المصالح الإسرائيلية من خارج منظومة التطرّف العنصري السافرة.
الثانية، أن إيران قد بنت دورها ومكانتها في إطار من الصدام مع المشروع الأمروصهيوني في المنطقة، وصمدت في ظروف استثنائية من الحصار، ومن استخدام أبشع أنواع التآمر عليها.
الثالثة، فإن إيران قد أقامت باقتدار كبير شبكة قوية من التحالفات الدولية من موقع التحالف المبني على المصالح المشتركة الراسخة، من دون أن تفقد درجة عالية من قرارها المستقلّ، وهذه مسألة حقيقية، وليست شعاراتية، وقد تمكّنت من تجسيدها على أرض الواقع في تطوّرها العلمي، وفي صناعاتها العسكرية، وفي مواجهة الحصار «الغربي» عليها.
كيف سينعكس هذا التحوّل الكبير على الواقع الفلسطيني، هذا ما سيكون محور الكتابة في المقالات القادمة.
الأيام الفلسطينية