مقالات مختارة

عن الحرب التي لم تقع

محمد ياغي
إكس
إكس
شارك الخبر
منذ ما يَقرب من أسبوعين يتحدث الإعلام الغربي والعربي عن هجوم أميركي وشيك على إيران، وساهم في ذلك بالتأكيد تصريحات الرئيس الأميركي ترامب التي جاءت بعد زيارة نتنياهو له نهاية العام الماضي، حيث قال في الثاني من الشهر الجاري "إذا قامت إيران بإطلاق النار وقتل المتظاهرين السلميين … ستأتي الولايات المتحدة لإنقاذهم" مضيفاً "نحن جاهزون ومسلحون ومستعدون للتحرك."

ولو كان هذا هو التصريح الوحيد، ربما لما اكترث به أحد، ولكن هذا التصريح تبعته أخرى عديدة، حيث قال في التاسع من هذا الشهر موجهاً كلامه للقيادة الإيرانية "من الأفضل ألا تبدؤوا بإطلاق النار لأننا سنبدأ بإطلاق النار أيضاً." وبعد ذلك بيومين نُقِلَ عنه القول أنه "والجيش الأميركي يُفكران في خيارات قوية جداً كرد على قمع الاحتجاجات في إيران، بما في ذلك احتمال استخدام القوة العسكرية."

وفي الثالث عشر من هذا الشهر قال المتحدث باسم البيت الأبيض "إن ترامب حذر إيران من أن هناك عواقب وخيمة إذا استمر القتل العنيف وان كل الخيارات مطروحة." وكان آخر تصريح لترامب على منصته تروث سوشيال حيث قال "أيها الإيرانيون، استمروا في الاحتجاج — استولوا على مؤسساتكم. لقد ألغيت جميع الاجتماعات مع المسؤولين الإيرانيين حتى يتوقف القتل العبثي للمتظاهرين. المساعدة في الطريق."

ولا يُمكن بالقطع أن يُفهَم شيء آخر من كل هذه التصريحات غير أن الإدارة الأميركية تُعِد للحرب على إيران، سواء كان ذلك على شكل ضربة جوية او عدة ضربات او حملة لأسابيع. لكن بعد كل هذه "الضجة"، خرج ترامب ليقول "بأن مساعديه أعلموه بأن إيران قد توقفت عن أعمال القتل، وأنه سيتحقق من ذلك" موحياً بأن التلويح بالحرب قد انتهى.

وفي السياق خرجت تقارير صحافية تقول بأن دولة الاحتلال طلبت من ترامب التريث وعدم بدء الحرب —وكأنها ليست المُحرض عليها — لأن منظوماتها الدفاعية وجبهتها الداخلية غير جاهزة بعد للحرب!!
وأشارت تقارير أخرى الى أن البنتاغون طلب التأجيل لعدم وجود قطع حربية كافية في المنطقة للدفاع عن القواعد العسكرية الأميركية إن توسعت الحرب، كون جزء مهم من هذه القطع موجود في أميركا اللاتينية وفي جنوب بحر الصين!!

وبالطبع لا يُمكن تصديق أي من هذه الادعاءات، فدولة الاحتلال حَملت الملف الإيراني للولايات المتحدة في زيارة نتنياهو لفلوريدا في 28 كانون الأول الماضي، وهي في عجلة من أمرها لإسقاط النظام الإيراني، لأن وجوده يعني استمراره في السعي لتطوير منظوماته العسكرية وبرنامجه النووي ودعمه لفصائل المقاومة. وهي لا تُحرض الولايات المتحدة فقط على مهاجمة إيران، ولكنها جاهزة للقيام بذلك وحدها إن كان في استطاعتها إسقاط النظام الإيراني.

ولا يُمكن أيضاً التصديق بأن ترامب تراجع عن الحرب، لأن وزارة الدفاع تفتقد القطع الحربية الكافية للهجوم والدفاع، لأن الرجل تلقى منها خيارات الحرب، بحسب تصريحات البيت الأبيض نفسه.
ما الذي جرى إذاً؟ هل كانت هنالك حرب في الطريق، ثُم تم إيقافها لسبب ما؟

علينا في البداية أن نسأل الأسئلة الصحيحة بعيداً عن "الخَض" الإعلامي الذي هو في حقيقته إحدى أدوات الحرب. هذه الأسئلة هي التالي: لماذا ستقوم الولايات المتحدة أو إسرائيل بشن الحرب على إيران؟ وهل الثمن الذي سيتم دفعه في حالة الحرب هامشي مقابل ما ستجنيه الولايات المتحدة وإسرائيل منها؟ ثم علينا أن نضيف للأجوبة ما أصبحنا نعرفه عن شخصية ترامب.

إن الإجابة عن هذه الأسئلة، مضافاً إليها المعرفة بشخصية ترامب، تكشف لنا الى حد بعيد إن كانت ستكون هنالك حرب أم لا.

للإجابة عن هذه الأسئلة علينا أن نبدأ من حقيقة أن كلاً من ترامب ونتنياهو قد قالا إنهما دمرا المفاعلات النووية الإيرانية. وإسرائيل ذهبت أبعد من ذلك للقول إنها دمرت منظومات الدفاع الجوي الإيراني كاملة. وأكثر من ذلك، في اليوم الرابع من الحرب على إيران والتي استمرت 12 يوماً قالت إنها دمرت ثلث منصات إطلاق الصواريخ، وفي اليوم السابع قالت إنها دمرت ثُلثي الصواريخ الإيرانية البالستية، وبعد الحرب بيومين قالت إنه لم يتبق في إيران إلا 1000 الى 1500 صاروخ متوسط المدى.

اما نتنياهو ففي اليوم الذي انتهت فيه الحرب 24 حزيران العام الماضي، قال "لقد حيّدنا عشرين ألف صاروخ إيراني باليستي."
الحرب لا تهدف تدمير البرنامج النووي أو الصاروخي، ولكن هدفها هو إسقاط النظام

بافتراض ان تصريحاتهم تقول الحقيقة، لم يعد في إيران برنامج نووي أو صاروخي ذو قيمة لتدميره، وبالتالي فإن الحرب لا تهدف تدمير البرنامج النووي أو الصاروخي، ولكن هدفها هو إسقاط النظام.

وإذا كان هذا هو الهدف، وهو ما يبدو من تصريحات ترامب، ومن وجود جماعات مُسلحة أعلنت إيران عن اعتقالها خلال الاحتجاجات الأخيرة، فإن القيام بهذه الحرب يفوق قدرة إسرائيل عليها: هذه حرب تتطلب حملة جوية متواصلة لأسابيع وتدخلاً برياً لتصفية المدافعين عن النظام وللاستيلاء على مقرات الحكم. إسرائيل يُمكنها بدء حملة جوية ودعم جماعات تخريبية داخل إيران، لكن هذا لا يكفي لإسقاط النظام، لذلك هنالك حاجة للولايات المتحدة.

لكن هذه الأخيرة لديها ثلاثة مُعيقات للقيام بذلك: أولاً، لا يوجد استعداد لديها لإرسال عشرات الآلاف وربما مئات الآلاف من جنودها للمشاركة في حرب برية لإسقاط النظام في إيران. يُمكنها مثل دولة الاحتلال أن تقوم بحملة جوية لأسابيع وأشهر، ولكنها لا تريد إرسال جنود للحرب على الأرض. تذكروا: الحملة الجوية الأميركية-البريطانية على اليمن استمرت شهراً ونصف شهر لكنها لم تدفع الحوثيين حتى للتعهد بإيقاف إسنادهم للشعب الفلسطيني.

ثانياً، أي حرب هدفها إسقاط النظام في إيران، تعني وضع النظام فيها أمام خيار وحيد للدفاع عن نفسه، وهو استهداف كل المصالح الأميركية العسكرية والاقتصادية في المنطقة، ومن حيث القدرة، إيران يُمكنها القيام بذلك، ولديها حلفاء سيشاركون معها بالتأكيد.

ثالثاً، وهنا النقطة الفارقة: في البيت الأبيض يوجد رئيس يُحب الفوز المُطلق الخالي من أي خسائر. ترامب يريد أن يستمر في ترديد مقولات مثل "قتلنا سُليماني ولم يحدث شيء"، "أهدينا القدس والجولان لإسرائيل ولم تخرج تظاهرة واحدة ضدنا في العالم العربي"، "دمرنا المفاعلات النووية الإيرانية وشكرناهم على إعلامنا بإخلاء قاعدة العيديد قبل قصفهم لها"، "اعتقلنا مادورو في عملية مُعقدة لم يُقتل فيها جندي أميركي واحد."

حروب ترامب هي من النوع الخاطف، وبلا خسائر، وبانتصار قاطع لا يُمكن التشكيك فيه.
شخصية ترامب تقول: نريد إسقاط النظام الإيراني، ولكن لا نريد خسارة جندي أميركي واحد مقابل ذلك، وهذا لا يُمكن أن يحدث، لأن إيران سترد بالتأكيد دفاعاً عن نفسها بكل ما تملكه من وسائل.
هذا يوصلنا الى استنتاجين رئيسيين:

الأول، ان تصريحات ترامب كانت تهدف الى زيادة حدة وحجم الاحتجاجات في إيران، لعل ذلك يؤدي الى إسقاط النظام الإيراني من الداخل، خصوصاً وان هذه الاحتجاجات ترافقت مع قيام مجموعات مُسلحة، مدعومة من الخارج على الأغلب، باستهداف مؤسسات الدولة، وذلك بهدف تشجيع المُحتجين الآخرين على القيام بذلك أيضاً.

والثاني، هو أن الحملة الإعلامية عن اقتراب الحرب هدفها ممارسة الضغوط النفسية على النظام الإيراني لإجباره على العودة للمفاوضات، وقبول إملاءات الولايات المتحدة وإسرائيل عليه بما في ذلك: قبول القيود على برنامجها النووي (صفر تخصيب) وعلى برنامج صاروخي (عدم امتلاكها صواريخ متوسطة أو بعيدة المدى)، والامتناع عن دعم الفصائل المقاومة لإسرائيل في المنطقة.

هكذا تبدو "الحرب التي لم تقع" أقرب إلى أداة ضغط وابتزاز سياسي ونفسي منها إلى خيار عسكري حقيقي، حيث يُستخدَم التهديد بالحرب كوسيلة لإخضاع إيران دون تحمل كلفة حرب لا يضمن ترامب ولا واشنطن نتائجها.

الأيام الفلسطينية
التعليقات (0)

خبر عاجل