تخيلوا السيناريو التالي: عندما تبدأ الطائرات والصواريخ الأميركية قصف المنشآت
الإيرانية، تقوم إيران وحلفاؤها بالرد بقصف إسرائيل وجميع القواعد العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط. ويقومون أيضا بإغلاق مضيق هرمز والبحر الأحمر، وضرب المنشآت النفطية في الخليج العربي، والمصالح الأميركية الاقتصادية والسياسية فيها.
إذا نتج عن ذلك خسائر أميركية كبيرة، ستضطر الولايات المتحدة وبدافع حفظ ماء الوجه الى التصعيد، وهذا التصعيد قد يأخذ أحد الاحتمالين: إرسال عشرات وربما مئات الآلاف من الجنود لإسقاط النظام في إيران، وهو ما يعني العودة بقوة لمنطقة الشرق الأوسط على عكس الرغبة الأميركية بمغادرته وتركه لحليفتها إسرائيل. والثاني هو أن تهاجم الولايات المتحدة إيران بالسلاح النووي لحسم المعركة كبديل عن التورط في المنطقة.
لكن لهذه الخيارات أثمان سياسية واقتصادية باهظة لن ترغب الولايات المتحدة بدفعها. في حالة إرسال الآلاف من الجنود الأميركيين للمنطقة فإن الرئيس
ترامب سيخسر القاعدة الشعبية التي أوصلته للحكم تحت شعار: لا مزيد من الحروب الخارجية، وحزبه الجمهوري بالتالي سيخسر الانتخابات التشريعية.
كما أن تورطه مُجدداً في منطقة الشرق الأوسط يعني عدم قدرته على تخصيص ما يكفي من المصادر العسكرية والمالية والسياسية لمواجهة الصين أو للتضيق على أوروبا كما يفعل الآن، أو الاستمرار في ممارسة سياسة الابتزاز في أميركا اللاتينية. إذا تورطت أميركا مُجدداً في الشرق الأوسط فهي لن تتمكن من الخروج منها قبل عقدين من الزمان كما حدث في العراق وأفغانستان.
لكن الخسارة ليست سياسية ونفوذاً عالمياً فقط، ولكنها أيضاً اقتصادية. على المدى القصير، في الأشهر الثلاثة الأولى مثلاً من
الحرب، وإذا نجحت إيران في إغلاق مضيق هرمز وضرب المنشآت النفطية في المنطقة، فإن أسعار البترول العالمية ستتضاعف مرتين الى أربع مرات، وأسعار الغاز ستتضاعف على الأقل مرتين. وهو ما يعني أن أسعار جميع البضائع من رغيف الخبز الى ثمن تذكرة المترو والطائرة سترتفع مع ما يرافق ذلك من تضخم مالي وبطالة.
التكاليف العالية تمنع الحرب الآن، وهي قادرة على الاستمرار بمنعها إذا كانت إيران جادة فيما تقول بأنها ستفعل
يُضاف لذلك أن الحرب نفسها مُكلفة جداً. الحرب على العراق وأفغانستان، وفق تصريحات ترامب نفسه، كلفت الولايات المتحدة 7 تريليونات دولار (7000 بليون دولار). لن يتسامح أي أميركي مع هذا المستوى من العبث في حياته.
الخيار الثاني، وهو اللجوء للسلاح النووي لحسم المعركة بسرعة. لقد فعلتها الولايات المتحدة سابقاً في هيروشيما وناكازاكي في اليابان في الحرب العالمية الثانية. لكن ذلك كان ممكناً لأنها وحدها من امتلك السلاح النووي، وكانت تهدف من وراء استخدامه الى تجربته أولاً، وثانياً الى إخافة الاتحاد السوفييتي.
لكن استخدامه اليوم يعني بالضرورة أنها تعطي الضوء الأخضر لروسيا لاستخدامه في أوكرانيا. ما الذي سيمنع روسيا من استخدامه إذا بادرت أميركا باستخدامه؟ ومن سيمنع الدول الأخرى التي تمتلك هذا السلاح من استخدامه لحل مشاكلها كلما احتاجت لذلك؟ استخدام السلاح النووي لذلك ليس خياراً ممكناً للولايات المتحدة.
هذه التكاليف العالية تمنع الحرب الآن، وهي قادرة على الاستمرار بمنعها إذا كانت إيران جادة فيما تقول بأنها ستفعل، وإذا كانت قد أوصلت ذلك بشكل صحيح وكامل وبكل جدية الى البيت الأبيض عن طريق الوسطاء.
لكن ما الذي قد يؤدي الى سوء التقدير، وبالتالي الى الحرب بنتائجها الكارثية على الجميع. الذي قد يفعل ذلك هو تجارب ترامب السابقة مع إيران.
لقد ردت إيران بالكثير من الحذر على اغتيال الجنرال سليماني، حيث أبلغت إدارة ترامب مُسبقاً بأنها ستضرب قاعدة عين الأسد في العراق. وفعلت نفس الشيء عندما ضربت قاعدة العيديد في قطر بعد تدمير أميركا لمنشآتها النووية. في الحالة الثانية خرج ترامب ليشكر إيران على إبلاغها المُسبق بأنها ستقوم بقصف القاعدة. وفي الحالة الأولى قال «كما ترون، قتلناه (يقصد سليماني) ولم يحدث شيء».
بالطبع، لأنه لم يحدث شيء المرة الأولى، تجرأت أميركا على قصف منشآت إيران النووية.
لقد كانت الأسباب التي منعت الرؤساء السابقين للولايات المتحدة (بوش الابن، أوباما، وبايدن) من قصف منشآت إيران النووية هو خوفهم من ردة فِعلها إن قُصِفت هذه المُنشآت. لهذا امتنعوا عن القيام بذلك ولم يسمحوا لإسرائيل بأن تورطهم، ولجأ أوباما الى التفاوض والاتفاق معها لأن البديل كان الذهاب الى خيار الحرب التي يعرف كُلفتها.
ترامب مثل سابقيه، يعرف الكُلفة ولا يريد دَفعها، لكن الفارق أنه جَرب أولاً باغتيال سُليماني، وعندما لم يحدث شيء تجرأ على قصف منشآت إيران النووية، والضربة الثانية أثبتت له مُجدداً بأنها لم تفعل شيئاً.
الآن هذا الماضي، أي التجارب السابقة، قد يؤدي به الى الاعتقاد بأن قصف إيران مُجدداً، أو اغتيال قادتها أو أن حصارها ومنع تجارتها الخارجية، او كل ذلك معاً، لن يترتب عليه أية نتائج كما في الحالات السابقة. قد يكون مُحقاً بعد تجربتين سابقتين. لكنه أيضاً، قد لا يكون مُحقاً بالطبع هذه المرة، وهنا سوء التقدير: الاعتقاد بأن إيران لن تكون وفيّة أو مُلتزمة بما قاله قادتها علناً عن الرد على أي اعتداء أميركي عليها.
إذا أَبلغت إيران الولايات المتحدة بشكل قاطع وواضح بما ستقوم به في حالة الاعتداء عليها، فإن خوف أميركا من دفع التَكلفة، قد يمنع الحرب مثلما منعتها سابقاً، ويُمكن للدبلوماسية أن تجد طريقاً لإنزال ترامب عن الشجرة العالية التي صعد عليها.
لكن إذا تصرفت إيران بتردد، أو بخوف، أو إذا قدمت تنازلات في ملفات كانت قد قالت بأنها لن تتنازل عنها مثل حقها في تخصيب اليورانيوم، وفي امتلاك قدرات صاروخية لحماية نفسها، وفي سياسة إقليمية مُستقلة من أجل منع الحرب، فإنها سَتشجع الولايات المتحدة وإسرائيل على العودة لمطالبتها بتقديم المزيد من التنازلات وبنفس الطريقة: عبر التلويح بإعلان الحرب عليها مرة أخرى.
الأيام الفلسطينية