التطبيع بالقوة: استراتيجية تطويق السعودية من باب المندب إلى حضرموت

محمد ياغي
جيتي
جيتي
شارك الخبر
في مقابلة له مع فوكس نيوز، سأل الصحافي بريت باير نتنياهو: ما هي آفاق توسيع الاتفاقات الإبراهيمية مع سورية والسعودية؟ ما هي الدولة التالية؟

أجاب نتنياهو: جيدة جداً، أعتقد، كما تعلم، أن ذلك ممكن، الناس منفتحون على اتفاقيات السلام، آمل أن نتمكن من فعل ذلك، مع السعوديين ومع الآخرين. مضيفاً: «إسرائيل دولة عسكرية قوية جداً، والناس يريدون أن يستفيدوا من معرفتنا. نحن ببساطة قوة تكنولوجية هائلة».

لكن الحقيقة التي يعلمها نتنياهو أن السعودية قد اشترطت للتطبيع مع دولة الاحتلال «مساراً واضحاً ولا رجعة عنه لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية»، وأنها أدركت أن حكومة نتنياهو ليس في واردها الموافقة أو التعهد بذلك.

وكانت الولايات المتحدة قد ربطت عقد الاتفاقية الدفاعية مع السعودية، وبناء عدة محطات نووية فيها وبيعها لأسلحة مُتقدمة لها، بتطبيعها لعلاقاتها مع دولة الاحتلال، لكن هذا الشرط تم تجاوزه عندما أعلنت السعودية نيتها استثمار ما يقارب التريليون دولار في شركات وبنى تحتية ومشتريات أميركية خلال السنوات العشر القادمة، وتم توقيع الاتفاقيات.

لماذا يدعي نتنياهو إذاً أن التطبيع ما زال ممكناً مع السعودية رغم علمه أن ذلك قد أصبح من الماضي؟
حقيقة الأمر أن الرجل لا ينتظر موافقة السعودية بإرادتها الحُرة على التطبيع، ولكنه يأمل أو لنقل يسعى لتقويض أمنها الوطني من أجل مقايضتها أو إجبارها على ذلك.

سلام القوة، هذا الذي يتحدث الرئيس ترامب ونتنياهو عنه هو هذا النوع من السلام: إنه سلام الإخضاع والذي يعني بالضرورة، إذا لم تقبلوا بما نطلبه منكم، أي التخلي عن الأراضي الفلسطينية والعربية لإسرائيل والقبول بها كقوة مُهيمنة في الشرق الأوسط، فإننا سنقوم بتدميركم بما نملكه من قوة عسكرية هائلة.

مما لا شك فيه أن رفض السعودية للتطبيع مع إسرائيل يجعل من الصعب على عدد من الدول العربية والإسلامية الالتحاق بالاتفاقيات الإبراهيمية.

وبغياب ذلك، فإن التحالفات التي تريدها الولايات المتحدة في الإقليم بزعامة واضحة لإسرائيل فيها لن تكون ممكنة.

وبالتالي فإن المطلوب الآن ممارسة الضغوط على السعودية لإجبارها على التطبيع مع دولة الاحتلال باعتبار ذلك في حال حدوثة، أحد أهم إنجازات الحرب الإسرائيلية على دول الإقليم.

هذه الضغوط كما يبدو تأخذ بعدين: الأول من خلال محاولة السيطرة على مضيق باب المندب عبر الوجود المباشر على ضفتيه، والثاني هو التموضع على الحدود الجنوبية للمملكة وحرمانها من عمقها الجغرافي الذي يمتد عبر حضرموت إلى بحر العرب على المحيط الهندي.

بهذا المعنى يجب فهم قيام دولة الاحتلال بالاعتراف بأرض الصومال (صوماليلاند) كدولة مستقلة، والذي تعهد فيه نتنياهو بتطوير العلاقات معها في جميع المجالات - إسرائيل هي الدولة الأولى في العالم التي تعترف بها منذ إعلان انفصالها عن الصومال العام 1991 - وأهم هذه المجالات بالطبع هو الأمن.

وبهذا المنطق أيضاً يجب فهم قيام قوات المجلس الانتقالي في جنوب اليمن وبشكل مفاجئ - كانوا حتى ذلك الوقت جزءا من الحكومة اليمنية الشرعية وفق تفاهم العام 2022 الذي تم بموجبه تشكيل المجلس الرئاسي بقيادة رشاد العلمي - بالهجوم على محافظتي حضرموت والمهرة والسيطرة عليهما والتخلص من قوات يُفترض بأنها حليفة لهم ولها من يُمثلها في المجلس الرئاسي اليمني.

وبهذا تكون قوات المجلس الانتقالي قادرة على التموضع على جزء من حدود السعودية الجنوبية حيث تبلغ طول هذه الحدود مع حضرموت وحدها 458 كم.

لقد برر المجلس الانتقالي هجومه على حضرموت والمهرة برغبته في تشديد الحصار على الحوثيين، ورغبته في طرد الجماعات العسكرية التابعة للإخوان المسلمين من المحافظتين، مع العلم أن الأخير جزء من المجلس الرئاسي اليمني. لكن تزامن ما قام به في المحافظتين مع الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال لا يبدو مصادفة خصوصاً أن كلا الحركتين الانفصاليتين في البلدين تتمتع برعاية مالية وعسكرية ولوجستية من دولة عربية، يقول البعض إنها في حلف مع دولة الاحتلال.

في «صوماليلاند»، هنالك حضور إستراتيجي لهذه الدولة في ميناء بَربرة وهي تقوم بتشغيله وتستثمر فيه الكثير من الأموال، كما أن لها علاقات أمنية متقدمة مع الحكومة غير الشرعية فيه.

ولقد أفاد تقرير لوكالة رويترز أن لهذه الدولة الفضل الأول في حصول «صوماليلاند» على الاعتراف الإسرائيلي لما يُمكن أن تُوفره البنية التحتية التي قامت ببنائها في الميناء من خدمات لإسرائيل من حيث الحركة، والتعاقد، واستخدام المرافق، والإشراف الأمني على مضيق باب المندب.

أما في جنوب اليمن، فإن هنالك معلومات مؤكدة أن هذه الدولة العربية ودولة الاحتلال يُشغلان منظومة أمنية مشتركة في جزيرة سُقطرى اليمنية.

ومعلومات أخرى تفيد بأن هذه الدولة تعاقدت مع ضباط إسرائيليين متقاعدين لتدريب وتنظيم قوات الحزام الأمني التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، وأن هؤلاء الضباط شاركوا في برنامج اغتيالات بدأ العام 2015، واستهدف عدداً من الشخصيات المناهضة لهذا المجلس ما أتاح له توسيع نفوذه في جنوب اليمن.

وكان موقع «ميدل ايست آي» قد نشر تقريراً تحدث فيه عن وجود منصة مشتركة لتبادل المعلومات الأمنية بين الدولتين تُعرف باسم «كريستال بول» يتم فيها تصميم وتعزيز القدرات الاستخباراتية لكليهما.

كما أفادت تقارير أخرى عن وصول بعثة إعلامية إسرائيلية إلى عدن فيها الصحافي الإسرائيلي «جوناثان سباير» الذي التقى مسؤولين في المجلس الانتقالي وقام برفقة أحدهم بزيارة خطوط التماس مع الحوثيين في محافظة الضالع.

وفي هذا السياق لم يستبعد عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، التطبيع مع دولة الاحتلال، حيث قال في نهاية شهر أيلول الماضي إن «استعادة استقلال جنوب اليمن يمكن أن تفتح الطريق أمام التطبيع مع إسرائيل»، مؤكداً «أن اتفاقيات أبراهام ضرورية لتحقيق السلام الإقليمي».
في الصورة الأكبر علينا رؤية دولة الاحتلال في «صوماليلاند»، وعدن، وحضرموت وسُقطرى.
لا يبدو حديث نتنياهو عن إمكانية التطبيع مع السعودية سوى جزء من استراتيجية ضغط مُركَبة

وهو ما يعني للسعودية، تحكم دولة الاحتلال في منفذ بحري عالمي (مضيق باب المندب) الذي يقع تاريخياً في مجال نفوذها الحيوي، وحرمانها من عمقها الجغرافي عبر حضرموت الذي يوصلها لبحر العرب، وتماس مباشر مع دولة الاحتلال على حدودها الجنوبية، وكل ذلك يضغط عليها ويدفعها للتحرك لحماية أمنها الوطني، وهو ما شاهدناه مؤخراً من هجمات عسكرية استهدفت خطوط إمداد المجلس الانتقالي الجنوبي.   

بناء على ما سبق، لا يبدو حديث نتنياهو عن إمكانية التطبيع مع السعودية سوى جزء من استراتيجية ضغط مُركَبة، لا تستهدف السلام بقدر ما تستهدف إعادة هندسة البيئة الأمنية المحيطة بالمملكة.

فحين يُسد المسار السياسي، يُفتح المسار الجيوسياسي بالقوة: تطويق بحري عبر باب المندب، اختراق في القرن الإفريقي، وتموضع عدائي على الحدود الجنوبية للسعودية عبر حضرموت وسُقطرى.
وفي هذا السياق، يتحول التطبيع من كونه خياراً سيادياً، إلى نتيجة يُراد فرضها تحت تهديد تقويض الأمن الوطني.

غير أن خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في محاولة ابتزاز السعودية، بل في فتح الباب أمام مرحلة جديدة من تعميق وتوسيع عدم الاستقرار الإقليمي.

الأيام الفلسطينية
التعليقات (0)