عندما بدأت حرب الإبادة بعد أحداث السابع من أكتوبر، لم يتوقع أحد أن يقوم العرب بإعلان الحرب على إسرائيل نُصرة لغزة، لكن لم يتوقع أحد أيضاً أن يكون العرب هم من بين الدول الأقل تأثيراً وحِراكاً في العالم من أجل وقف «الإبادة».
سلوك ومواقف دول مثل جنوب أفريقيا، كولمبيا، اسبانيا، وإيرلندا وغيرها تجاوزت بكثير مواقف الكثير من الدول العربية: بعضهم قام برفع قضايا على دولة
الاحتلال في المحاكم الدولية، وبعضهم قطع العلاقات معها، وبعضهم أوقف تصدير السلاح والعلاقات التجارية معها، في الوقت الذي استمرت فيه علاقات دولة الاحتلال السياسية والتجارية مع بعض العرب.
لم يكن ذلك السلوك العربي إعلاناً صريحاً بنهاية عصر «التضامن العربي» فهذا التضامن كان انتهى منذ عقود، لكنه كان إعلاناً صريحاً بأن بعض العرب لم يعودوا دولاً مستقلة، وأن الاستعمار قد عاد لكن بدون جيوش وسيطرة مباشرة على الأرض.
التضامن العربي تعرض لأول ضربة له عندما تم توقيع اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل بشكل مُنفرد العام 1978، ثم تعرض لضربة قاصمة له عندما احتل العراق الكويت العام 1990، وبعدها كل ما جرى من توقيع اتفاقيات أوسلو الى احتلال العراق، الى إسقاط القذافي بقرار عربي تم تمريره عبر مجلس الامن، مروراً بالحروب الأهلية في اليمن وسورية والسودان، كانت بمثابة الأدلة على أن هذا التضامن قد انتهى فعلياً.
لكن الأسوأ من نهاية التضامن، هو تلك المؤشرات على بداية خسارة الدول العربية لاستقلالها السياسي وعلى عودة الاستعمار لها بشكل مباشر، ولكن هذه المرة دون جيوش للدول الاستعمارية على الأرض كما كان الحال عليه من بدايات القرن الماضي الى منتصفه.
اليوم تخضع الدول العربية لاحتلال مالي وهو مرحلة متقدمة من الاستعمار، لا تقوم على السيطرة العسكرية أو الإدارة المباشرة للأرض، بل على التحكم في القرار السيادي للدولة عبر المال: أي عبر التحكم بمصادر الدخل، وقنوات التحويل، والاحتياطيات النقدية.
في هذا الشكل من الاحتلال، لا تُلغى سيادة الدولة، ولكنها تُفرغ من مضمونها حين تصبح الدولة غير قادرة على استخدام أموالها، أو اتخاذ قرار سياسي مستقل دون موافقة ضمنية أو صريحة من الولايات المتحدة.
هذا النمط من الاستعمار يختلف عن الاستعمار التقليدي الذي نعرفه والذي اعتمد على الجيوش والانتداب المباشر، حيث يحل محله استعمار مالي تُمارَس أدواته عبر هيمنة الدولار، وتجميد الأصول، وربط الاستقرار الاقتصادي والقدرة على الإنفاق بشروط خارجية. بهذا المعنى، يصبح الاحتلال بدون جيوش أكثر فاعلية وأقل كلفة للمُستعمِرين، لأنه يُخضِع الدولة لهم من داخل مؤسساتها نفسها، ويجعل من استقلالها السياسي مسألة شكلية بلا قيمة فعلية.
لست من المُعجبين بنوري المالكي، فالرجل كان رئيس وزراء العراق بين الأعوام 2006 و2014 عندما كان العراق تحت الاحتلال الأميركي المباشر، وفي عصره تم تسييس القضاء، وظهرت الطائفية بكل ملامحها الحالية في العراق من اقتسام للسلطة الى انهيار الجيش العراقي وسقوط الموصل بأيدي تنظيم «داعش». والأسوأ في كل ما قام به هو قبوله باستمرار سيطرة الولايات المتحدة على عائدات النفط العراقي.
بعد الاحتلال الأميركي للعراق العام 2003 أنهت الأمم المتحدة ما كان يُعرف ببرنامج «النفط مقابل الغذاء»، وأصدرت قراراً بموجبه تم تحويل عائدات صادرات النفط العراقي الى صندوق خاص تمت تسميته بـ «صندوق تنمية العراق» وتم تفويض سلطة الاحتلال الأميركي إدارة هذه الأموال لصالح العراق.
سلطة الاحتلال أنشأت حساب «صندوق التنمية» هذا في البنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك، بمعنى أن كل أموال مبيعات النفط العراقي تذهب بداية الى هذا البنك الأميركي، ثم يقوم البنك وفق تقييمه وبقرار منه بتحويل ما يشاء من أموال العراق للعراق.
عندما أصبح المالكي رئيساً للوزراء العام 2006 كان بإمكانه التوجه لمجلس الأمن والمطالبة بإلغاء الترتيبات المالية وإعادة سيطرة العراق على أمواله، لكنه لم يفعل لأن رئاسته للوزراء كانت محصلة اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران: الأولى تُبقي سيطرتها على عائدات النفط العراقية والثانية تبقي نفوذها فيه. المُحصلة كانت خسارة العراق لاستقلاله السياسي.
اليوم لا يستطيع العراق دفع رواتب موظفيه المدنيين والعسكريين دون قيام الولايات المتحدة بتحويل أمواله له. وهذا هو «السِر» في تمتع الولايات المتحدة بنفوذ هائل في العراق اليوم رغم عدم وجود جيش لها على الأرض فيه، وهو السبب الذي دفع الفصائل المسلحة العراقية لوقف إسنادها لغزة قبل أشهر عديدة من الحرب على لبنان، وهو ما يسمح للرئيس
ترامب اليوم بالقول بأنه لا يريد نوري المالكي رئيساً للوزراء، وإذا لم يتم تعيين شخص آخر فإنه سيتخذ ما يراه من إجراءات، بمعنى أنه سيوقف تحويل أموال العراق له.
هذا يُمثل احتلالاً أميركياً مباشراً للعراق رغم انسحاب قواتها العسكرية منه العام 2008. لكن العراق ليس الدولة العربية الوحيدة المُحتلة بهذه الطريقة، فالكثير من الدول العربية وبإرادتها الحرة استثمرت مئات البلايين في الاقتصاد والشركات الأميركية، بما يُمكّن الأخيرة من الاستحواذ عليها أو تجميدها على الأقل إن هي اختارت ممارسة سياسات أكثر استقلالية أو تتعارض مع ما تريده الولايات المتحدة.
بهذا المعنى لا يُصبح فشل العرب في التضامن مع
غزة مُجرد فشل أخلاقي ولكنه نتيجة مباشرة للخوف من تبعات التكلفة المالية والاقتصادية التي قد تترتب على أي تضامن فعلي لهم مع غزة، وهو ما يسمح لنا بالقول بأن عديد الدول العربية لم تتمكن إلى يومنا هذا من الخروج من عباءة الاستعمار المباشر، وأن كل سلوك أو فعل لها يجري ضمن الشروط والقيود التي وضعها الاستعمار عليها.
الأيام الفلسطينية