غزة ومأثرة أخرى

منير شفيق
"ما زالت غزة تواجه حالة لا تختلف كثيرا عن حالة الحرب، بل هي متجهة إلى العودة للحرب، من خلال سياسات نتنياهو"- جيتي
"ما زالت غزة تواجه حالة لا تختلف كثيرا عن حالة الحرب، بل هي متجهة إلى العودة للحرب، من خلال سياسات نتنياهو"- جيتي
شارك الخبر
على الضدّ مما يذهب البعض إليه، ما زالت الحرب دائرة الرحى في غزة، وما زال نتنياهو، وبتواطؤ من ترامب ومساعديه، يشنّ الاعتداءات، ويقصف ويغتال، بلا هوادة، بل ما زال يحبس المساعدات، ويعرّض عشرات الآلاف من الغزيين لقسوة المنخفضات الجويّة، ومنع الدواء والغطاء والخيام والطعام. وقد زاد الوضع سوءا، من خلال الشروط التي وضعها نتنياهو، بعد فتح معبر رفح، سواء أكان بالنسبة إلى خروج 150 شخصا (مع مرافقيْن اثنين لكل جريح أو مريض) أم من ناحية طالبي العودة، أقل من الخمسين يوميا، فضلا عن التحقيق والتعذيب الشديدين اللذين يتعرض لهما كل عائد وعائدة.

بكلمة، ما زالت غزة تواجه حالة لا تختلف كثيرا عن حالة الحرب، بل هي متجهة إلى العودة للحرب، من خلال سياسات نتنياهو الذي فشل في تحقيق أهدافه طوال سنتين، من حرب بريّة مع المقاومة، ومن حرب إبادة صمدت فيها غزة، وقد تحملت ما يزيد أضعافا عما يتحمله البشر.

والدليل على فشل نتنياهو، أنه لا يستطيع أن يوقف الاعتداءات أو القبول بالتهدئة أو بهدنة، ما دامت المقاومة بسلاحها قائمة، وما دام الشعب ملتفا حولها، وما دام غير قادر على احتلال قطاع غزة، وتجريده من السلاح، أو الوصول إلى تدمير الأنفاق.

يجب ألّا يُقدّر أحد أن غزة خرجت من الصراع، أو أن مرحلة المقاومة المسلحة انتهت. فعلى الأقل انتظروا قليلا حتى تتأكدوا من مصير المقاومة وسلاحها، ومن مصير "مجلس السلم"، وترتيبات ترامب

وإنه لواهمٌ كل من يتصوّر بأن جيش نتنياهو يستطيع أن يحتل كل غزة، ويقضي على المقاومة، ولكنه لم يفعل لأيّ سبب، غير العجز أمام المقاومة، وصمود الشعب الفلسطيني في غزة.

البعض يعتبر أن احتلال جيش نتنياهو 54 في المئة من القطاع يشكل إنجازا عسكريا هائلا، كما يصوّره نتنياهو، فيما احتلال الجيش الصهيوني الذي يُعتبر عالميا الرابع عسكريا، والثاني تكنولوجيا، والأول مشاركة مع أمريكا، لم يستطع طوال حرب السنتين غير الاستيلاء على 54 في المئة من قطاع غزة، الأمر الذي يجب أن يُعتبر فضيحة، لا إنجازا، بالنسبة إليه.

ثم يجب ألّا يُقدّر أحد أن غزة خرجت من الصراع، أو أن مرحلة المقاومة المسلحة انتهت. فعلى الأقل انتظروا قليلا حتى تتأكدوا من مصير المقاومة وسلاحها، ومن مصير "مجلس السلم"، وترتيبات ترامب.

على أن الحقيقة الأخرى المذهلة، التي صنعها أهل غزة، هي تسجيل أكثر من ثمانين ألف غزاوي وغزاوية للعودة من مصر إلى غزة. فمن يمكن أن يفعل مثل هذا في الدنيا: أن يعود إلى بلد مدمّر تدميرا شبه كامل، وشعبه يعيش تحت القصف، وفي خيام تطير مع أول ريح تهبّ عليها، وتصبح أرضها سيولا، وهواؤها صقيعا، فضلا عن التجويع، والحرمان من الدواء والطعام والكساء، وبلا مدارس ومشاف؟ ومن يمكن أن يطلب العودة إلى المكان الذي جعلوه "غير صالح للحياة"، بل وتحت خطر الموت، في كل لحظة؟

من يفعل هذا؟ فحين يندفع عشرات الألوف من النساء والرجال والشباب والشابات والمسنين والأطفال، إلى غزة، وهذه حالها، يستحق من العالم كله أن ينحني أمام هذه الشجاعة، وهذا الحب للوطن، وهذا النموذج الإنساني الفريد.

ولكن هيهات لترامب، أن يقدّر هذه العظمة الإنسانية، بدلا من معاداتها والتواطؤ لشنّ حرب ضدّها.
التعليقات (0)