أمسك روزفلت، قبل نحو سبعين سنة، في مؤتمر
يالطا، بالخريطة مقلوبة، كما في أفلام الكوميديا، وكان أول من أمسك الجريدة مقلوبة
هو شارلي شابلن، ثم قلّده الظرفاء في السينما وما يزالون، فنبّهه تشرشل إلى الأمر:
الشمال جنوب، والجنوب شمال، والصيف شتاء، والشتاء صيف، ولاعبو فرنسا أفارقة،
ورؤساء العرب أعضاء أساسيون في الفريق السياسي الأمريكي. فقال أكثر رؤساء أمريكا
أثرًا ومكرًا، جوابًا يوصف بالحسن، نجد أمثاله في كتب الأدب العربي والنوادر، في
باب: (من سُئل من الأذكياء فأجاب، وأتت سرعة بديهته بالشيء العجاب): العالم هو المقلوب.
القصيدة والمباراة
لاعب
كرة القدم شاعر، قلمه قدمه، لأن العالم
مقلوب، وليس فنجان نزار قباني في قصيدة "قارئة الفنجان". ورقته الملعب الأخضر، أما
ورقة الشاعر، فبيضاء.
يستخدم اللاعب رأسه أحيانًا أيضًا في نطح
الكرة، لكن عتاد الشاعر وعدته هما قلبه ولسانه، هما أصغراه:
لِسانُ الفَتى نِصفٌ وَنِصفٌ فُؤادُهُ فَلَم يَبقَ إِلّا صورَةُ اللَحمِ وَالدَّمِ
لكن قائل البيت الشهير، عبد الله بن معاوية،
سيغيّر
رأيه إن رأى مباراة كرة قدم، وسمع هدير الجماهير وصلواتها ومكائها
وتصديتها، ورأى قوافي ميسي ومعلقات هالاند وفرائد جمال في الملاعب الخضراء ذات
العشب الصناعي، فنحن في عصر الصورة.
الجمهور العربي المسلم، والإسباني غير المسلم أيضًا يحبّ لامين يا مال لأنه عابد زاهد، يسجد في الملعب سجدة الشكر بعد المباراة، ويدعو الله مخلصًا له الدين قبل المباراة أن ينصره على الأعداء. وهو شجاع لم ينسَ المظلومين، يرفع علم فلسطين، التي فيها القدس، بلد أولى القبلتين، فيفعل فعلًا لا يجرؤ عليه سوى القلة في العصر المقلوب مثل فنجان عبد الحليم حافظ وخريطة روزفلت.
القصة ضعيفة في حالة اللاعب؛ معظم اللاعبين
البارزين الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس ليس لهم قصص. لا تكون القصة قصةً إذا
كانت قصة نجاح سريعة، مثل نجاح اللاعبين في الملاعب، فإنما هو لهو ولعب،
فلتعلم أيها الصديق أنّ وصف (مالئ الدنيا
وشاغل الناس) أُطلق على المتنبي، أما قصة الشاعر، فهي قصة تروى.
قصة اللاعب هي قصة نجاح
ما قصة الملك لامين جمال، وقد حصّل المجد من
أطرافه، ولم يُنبت بعد، وقد اعتنقه الملك الإسباني، ومرّ بالأميرة، ولية العهد
غافلًا عنها، شاردًا، من غير أن يعطف عليها بسلام أو يسخو عليها بتحية؟
قصته هي قصة فتىً لعب الكرة وأحبته امرأة،
انتهت القصة.
كثير من الحسناوات يحلمن به زوجًا وعاشقًا.
وكذلك يستقبل كيليان مبابي في قصر الإليزيه مثل الملوك؛ ملوك ليس لهم معتقلات إلا
بأغلال الإعجاب والحب، فهم ملوك وعروشهم روضات الملاعب وقلوب المحبين.
مقارنة بين اللاعب والشاعر
لنقارن بين الشاعرين: اللاعب والشاعر، أو
بين اللاعبين الشاعر واللاعب. الشاعر فارس،
واللاعب راجل، الفارس له سهمان من
الغنمية، والراجل له كل الأسهم والسيوف والرماح.
الشاعر كرته الكلمة، واللاعب كلمته الكرة. الشاعر
يصنع الجمال بالكلمة، واللاعب يصنع الجمال بالكرة. الشاعر يحفظ آلاف الأبيات
حتى يصير شاعرًا، واللاعب يلعب آلاف المباريات حتى يصير نجمًا وينال النعل الذهبي.
هذا يسعى إلى المجد، وذاك يسعى إلى السؤدد. هذا ملعبه الورقة البيضاء،
وذاك ملعبه الصفحة الخضراء. هذا يسجل المعاني، وذاك يسجل الأهداف. خاتمة الفارس الموت تحت
طعن القنا وخفق البنود، أما أعظم عقوبة ينالها اللاعب في المستطيل الأخضر فهي
البطاقة الحمراء.
هذا يصنع مجدًا لشعبه وأتباعه، وذاك يعبر عن
مواجد شعبه وأحلامه؛ فهما لاعبان قوميّان سياسيّان، وإن حرمت قوانين الكرة رفع
الشعارات السياسية في الملاعب، فالسياسة ضامرة في اللعبة أحيانًا، سافرة أحيانًا.
غير أنَّ المباراة لا تُشاهد سوى مرة واحدة،
وغنيمة اللاعب أكبر لأنَّ العصر عصر الصورة؛ فقد شاهد المونديال ثلاثة مليارات من
البشر، فاللعبة لا تحتاج إلى ترجمة مثل القصيدة، ويستمتع بها العربي والأعجمي.
الملعب هو كعبة العالم، كانت المعلقات تُكتب
بماء الذهب وتُعلّق على جدران الكعبة حسب بعض الأخبار، أمّا المباريات، فتُكتب
بماء الذهب على أرض الملعب، وشتّان.
لم يسبق لشاعر أن بلغ مبلغ لامين جمال في
عمره الذي يسمى عمر الزهور في اللغة الصحافية المرذولة. فحتى طرفة بن العبد صاحب
معلقة خولة، كان قد ناف عن العشرين، وهي أطول معلقة من المعلقات السبع:
لِخَوْلَةَ أَطْلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ تَلُوحُ كَبَاقِي الْوَشْمِ فِي ظَاهِرِ
الْيَدِ
مات الفتى الشاعر، مغدورًا مسمومًا، قتله
الملك عمرو بن هند. فمصائر الشعراء تراجيدية؛ وقلما تجد شاعرًا بنهاية سعيدة، ولا
يوجد شاعر عشق امرأتين إلا نزار قباني وعمر بن أبي ربيعة. فللشاعر امرأة واحدة،
أما اللاعب فله صديقات كثيرات، وقصته لا تستحق الرواية؛ هي تُروى لكنها لا تتحول
إلى فيلم روائي، لأنها لا تستحق ذلك. قصته هي الفوز، إن خسر سيلعن من الجميع، أما
مكسب الشاعر فهو العبرة والنشيد واللوعة والخسارة.
اللاعب ثري، مليونير غالبًا، الشاعر فقير
غالبًا. الملوك يسعون إلى الصورة مع اللاعب من أجل معجبيه. لكل شاعر عربي قصة: قصة
امرئ القيس مع الملك، والمتلمس مع الصحيفة، والمتنبي مع الملوك، وابن الدمينة مع
زوجته. بل لكل شاعر إطلاقًا قصة عظيمة:
بوشكين قُتل في مبارزة، غوغول حطمته
الوساوس، وأحرق الجزء الثاني من "النفوس الميتة"، ومات جوعًا تحت وطأة
الاكتئاب. يسنين وماياكوفسكي انتحرا، وليرمنتوف قُتل في مبارزة، وتشيخوف اعتصره
الألم وهو يصارع السل، فنهش رئتيه ليموت في ريعان شبابه، تاركًا روائع أدبية وقصصًا
تنبض بالتهكم المرير والعمق الإنساني. تولستوي هرب من مجده وثروته سعيًا للسلام
النفسي والزهد ليموت وحيدًا، حتى وجدوه عظامًا في محطة قطار أستابوفو المهجورة.
دوستويفسكي وقف أمام فرقة الإعدام مقيد العينين، وفي الثواني الأخيرة عُفي عنه،
فعاد مبعوثًا من الموت بروح جديدة سبرت أغوار النفس البشرية والمقصلة والصرع
والفقر.
عنترة وجمال أسمران، لكنهما مختلفان.. خولة وغارسيا
فعبلة عنترة، عمّ صباحها وصباح خولة، ليست
مثل إينيس غارسيا، عارضة الأزياء الإسبانية، صديقة يامال. ولا يحسن يامال أن يقول
شعرًا سوى بقدمه؛
شعره قَزَعَة، مخضّب بالأصفر، يضع قرطًا مثل النساء، ولا يحسن
سوى الحَلْب والصَّرّ، حلب الكرات وصرّ الأهداف، ولم تكن عبلة لترْضى به حبيبًا؛
فالأقراط للنساء.
وهو يسافر بطائرة خاصة من أجل الفطور في جزر
الباهاما، يحبُّ لبس البنطلون السالت (انسل مع سبق الإصرار والتمنطق) الذي يشعرك
بأنه سيعَرّى، وتظهر مؤخرته أمام الملأ بعد قليل، ويطرده الملك زهير من ناديه،
فالنطاق مكانه الخصر، الذي خلقه الله للنطاق، هو ركابها وليس رانفيته.
يقلُّ حضور المرأة في شعر الملاعب؛ فهي لعبة ذكورية. والعجيب أن أنصار النسوية من الذكور والنساء ساكتون عن ذكورية اللاعبين، ولا يطالبون بحصة للنساء في اللعبة؛ كأن يكون خط الهجوم من النساء وخط الدفاع من الرجال، ولا يتهمون اللعبة بأنها ذكورية، اللهم سوى حسناء في الملعب يصطادها المصور،..
لكن بطولته أعظم من كل بطولات عنترة؛ الذي
حمل سيفه من أجل حبه وحريته، وكرَّ بالكرة في هجمة مرتدة على مرمى الغزاة: "ومال عليهم
فقتل منهم أربعين، وحمل عليهم ثانية فقتل منهم عشرين، وتأخر الباقون، فتلقاهم
عنترة بقلب أقوى من السنان والحجر، وبضرب وطعن لا يُبقي ولا يذر، ونشرهم كأوراق
الشجر".
لكن الجمهور العربي المسلم، والإسباني غير
المسلم أيضًا يحبّ لامين يا مال لأنه عابد زاهد، يسجد في الملعب سجدة الشكر بعد
المباراة، ويدعو الله مخلصًا له الدين قبل المباراة أن ينصره على الأعداء. وهو
شجاع لم ينسَ المظلومين، يرفع علم فلسطين، التي فيها القدس، بلد أولى القبلتين،
فيفعل فعلًا لا يجرؤ عليه سوى القلة في العصر المقلوب مثل فنجان عبد الحليم حافظ
وخريطة روزفلت.
يقلُّ حضور المرأة في شعر الملاعب؛ فهي لعبة
ذكورية. والعجيب أن أنصار النسوية من الذكور والنساء ساكتون عن ذكورية اللاعبين،
ولا يطالبون بحصة للنساء في اللعبة؛ كأن يكون خط الهجوم من النساء وخط الدفاع من
الرجال، ولا يتهمون اللعبة بأنها ذكورية، اللهم سوى حسناء في الملعب يصطادها
المصور، فيسيل لعاب المعلّق، ويتذكر أشعارًا عربية مثل هذه:
قل للمليحة في الخمار البكيني ماذا فعلتِ بقلب مشاهد مسكينِ
لأنّ المرأة ملعب أيضًا، ويستحيل أن يوجد
لاعب في ملعبين في آن. لقد أخطأنا في المقارنة والمناظرة؛ فالشاعر شاعر، واللاعب ملك. لامين شاف ولا مين دري..
وقد انتهت اللعبة، "كيم أوفر" كما
يقول القائلون في الظلِّ والشّمس، انتهت وركب لامين طائرته هو وصديقته ليفطرا في
جزيرة بعيدة، من غير أن يحرر لنا أرضًا،
أو يردّ غزوًا، وعاد أحمد من غربته في المونديال على التلفزيون، وليس الواقع، لأن
ثمن تذكرة المباراة غالية، والعود أحمد، من أثير الخيال إلى أرض الواقع.
لا
جواز سفر، ولا هويّة، وفرحة النصر سرعان ما تذوب في الظل والشمس، يعود بعدها أحمد
ليعمل في الحلب والصرِّ، لجمع مهر خولة حبيبته.. ببرقة ثهمد.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.