ظهر
الرئيس
الشرع لاعباً كرة السلة، وراكباً ظهر السابحة، ولاعباً الشطرنج، ثم طاعناً
برمح البلياردو كبد الكرة الصلبة، فالرجل الذي قدم إلى السياسة من وطيس المعارك،
يدرك أنَّ الرياضة لغة عالمية، وأنَّ الصورة في عصرنا هي الخطاب، وأنَّ الجماهير
ترى الرئيس بعين فروسية الرياضة أكثر مما تسمعه بأذن الخطيب. وقد نجح في ذلك؛
فالرياضة من أسرع الركائب إلى قلوب الناس.
لكنَّ
السياسة خيارات صعبة مثل خيارات مسرحية شكسبير تاجر البندقية. يختار الإنسانُ إذا
ما خيّر بين النجدين؛ السهلَ على الوعر، والراحة على المشقّة، والهبوطَ على
الصعود. أمس وجدتُ في فيديو على شريط الأخبار شرطيّاً هولنديّاً يزجر وافداً
عربياً في حديقة عامة، يمارس رياضة "كمال الأسنان" ونحر الوقت، بفصفصة
البزر ورمي قشورها على الأرض، مع أنّ القشور طبيعية مثل ورق الشجر، فخجل الرجل
القشّار، ثم التقطها معتذراً قشرةً قشرةً ووضعها في جيبه!
برز
الرئيس أحمد الشرع مراتٍ في مشاهد رياضية، مدركاً دور الرياضة وحضورها في الوجدان
الشعبي العام. فظهر وهو يلعب كرة السلة مع وزير خارجيته أسعد الشيباني، وظهر أيضاً
وهو يمتطي جواداً، وقيل إنَّ الصورة المصطنعة بالذكاء الاصطناعي حصدت مئات الآلاف
من الإعجابات والقلوب الحمراء المعتصرة شوقاً، فقد ذكرت السوريين بأسلافهم الذين
فتحوا الدنيا. وبرز أيضاً وهو يلعب البلياردو وهي لعبة غربية فردية، ثم ظهر وهو
يلعب الشطرنج، لعبة العقل والحرب.
فهل
اختار الرئيس الشرع الصندوق الذهبي، وقد دعا نجوم وسائل التواصل إلى القصر
الجمهوري وليس المفكرين أول أمره؟
الشام
ملكة الجمال المتسخة:
قصة
الصناديق الثلاثة هي أشهر رموز المسرحية، وهي امتحان وضعه والد بورشيا قبل وفاته
ليختار زوجاً مناسبا لها. ترك الأب ثلاثة صناديق: صندوقاً من الذهب، وصندوقاً من
الفضة، وصندوقاً من الرصاص، وفي أحدها صورة بورشيا، والذي يختار الصندوق المراد،
يصيب جائزته.
كتب
على الصندوق الذهبي: "الذي يختارني ينال ما يتمناه كثير من الناس". فاختاره
أمير المغرب، الذي رأى أن الجمال والثروة يمثلان بالذهب، لكنه عندما فتحه وجد
جمجمة ورسالة ساخرة: تقول إن من يحكم بالمظاهر يخسر.
وعلى
الصندوق الفضي قد كُتب: "الذي يختارني ينال ما يستحق". فاختاره أمير
أراغون، لأنه ظن أنَّ الصندوق الفضي أفضل من غيره، فلا هو ذهب ولا رصاص، وخير
الأمور أوسطها، لكنه وجد صورة مهرج ورسالة تسخر من غروره.
أما
الصندوق الرصاصي المسكين، فكُتب عليه عبارة مخاتلة: "الذي يختارني عليه أن
يضحي بكل ما يملك ويخاطر به". فاختاره بسانيو، حبيب بورشيا، لأنَّه أدرك أنّّ
القيمة الحقيقية لا تكون في المظهر، وأنَّ الحبَّ يتطلب التضحية لا الطمع، فوجد
صورة بورشيا وفاز بها.
صندوق
النظافة الرصاصي:
ذهب
الرئيس يلعب الكرة، وترك عمال النظافة والمتطوعين من أهل الشام ينفرون لتنظيف مجرى
نهر بردى، فغسلوه ونظفوا بعض الساحات، لكن صوراً ظهرت بعد ذلك للنهر والساحات وقد
تلوثت من جديد.
الأمر
يحتاج إلى مبادرة من الرئيس نفسه، مبادرة عهد، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:
وعليَّ جمع الحطب.
واشاماه:
كنت
قد اقترحت، في أواسط العقد الأول من الألفية الثانية، على كاتب علوي، يكتب في زاوية آفاق في جريدة تشرين
-ولم أكن لأقترحه على كاتب سنّي، فالأمر خطير- أن يدعو الرئيسَ بشار
الأسد يومئذ إلى إطلاق حملة نظافة عامة في
سوريّا كلها: ساحةً ساحةً، زنقةً زنقةً، نهراً نهراً، فمن المبكيات أنّ جميع مجاري
الأنهار السوريّة الجافة تحولت إلى مكبات نفاية! وأن تستمر الحملة أسبوعاً، أو
شهراً، أو سنةً، أو العمر كله (قلت في سري: هذه دعاية انتخابية أبدية للرئيس
السوري وليس بحاجة لها) يقودها الرئيس لمدة دقيقة من أجل الصورة الذهبية، فليلتقط
ورقةّ من الأرض (ولتكن ألف ليرة)، أو ورقة تين، بعصا اللقط التي لن تكلفه ركوعاً
أو سجوداً، لتكن العصا ذهبية، وأن تشارك في الحملة المركبات الحكومية والخاصة
المتطوعة، حتى تغدو سوريّا نظيفة مثل كفّ العذراء المكنونة.
بل أن
يصدر "إعلانا دستورياً"، يجعل رمي عقب السيجارة في الشارع جنحةً تستوجب
الغرامة، كما في سنغافورة، وهي من أنظف بلاد الأرض؛ فالحكومة هناك تعاقب حتى على
البصق في الشارع، لكن الكاتب الذي استحسن الفكرة لم يجرؤ عليها، لأنه يدرك في
قرارة نفسه أن الرئيس السوري لا يُدعى وإنما يدعو ويأمر ، فهو كامل الأوصاف.
ياباني
في سوريا:
في
كتاب "العرب: وجهة نظر يابانية"، وكان عنوانه الأصلي رحلة البحث عن
الأشياء المفقودة، يروي مؤلفه نوبواكي نوتوهارا، مشاهداته العربية بعد أن قضى نحو
أربعين سنة باحثاً في اللغة العربية وآدابها.
عاش
"المستعرب" الياباني في مصر وسوريّا، وفي المدينة والريف والبادية. ذكر
الرجل أمراً مهمّاً، وهو الفارق الكبير بين نظافة بيت العربي وقذارة شارعه، ووجد
أنَّ العربي ينتقم من السلطة بتدمير المرافق العامة "المعادية"، وهي
ملكه، وليست ملك الحكومة.
سياسة
الحضارة لا سياسة الرياضة وحدها
إن
شكسبير نفسه أوروبي نمطي، فهو ينسب الميل إلى المظاهر الخادعة إلى الأمير العربي
في مسرحيته الشهيرة، مع أنَّ شهادات مروعة تروى عن قذارة شوارع أوروبا، ونتن رائحة
ملوكها في العصور الغابرة والوسطى بل حتى قبل مئة سنة.
وندعو
إلى حملة تشجير مليونية يقودها الرئيس أحمد الشرع نفسه، ولن تكون مكلفة، ندعوه إلى
فتح تعالى أن يحيط به "نَظمٌ مِنَ الشّعرِ أَو نَثرٌ مِنَ الخُطَبِ"،
ندعوه إلى فتحٍ أجلُّ وأكرم من تسجيل أهداف في السلّة من أجل العرض والفرجة
ومشهيات القبول السياسي والتوطئة السياسية.
أن
يرفع شعار: "النظافة إلى الأبد" بدلاً من شعار النظام السابق:
"الأسد إلى الأبد".
قد
يقال: الأوساخ والنفايات هي في جند وأولياء النظام السابق المستقرين في دم الدولة
وجلدها، وهي في قلع الشوك (إسرائيل تقوم كل فترة بجزّ العشب وشتّان بينهما، لكن
هذا لا يغني عن ذاك)، وإنَّ الأهداف الحقيقية هي في دفن النظام السابق في سلّة
النفايات لا في سلّة الكرات.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.