وصف
رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم مونديال 2026: "هو أعظم حدث شهدته البشرية
على الإطلاق". تواضع الرجل مشكورا، فلم يقل أنا صانعه. وقد تسربت من شقوق في
سقف الإعلام صور مؤسية ومحزنة من عرس
كأس العالم بحلته الجديدة، ليس فقط الحلة هي
الجديدة، ولا عدد الفرق المشاركة الذي كان زاد 16 فريقاً (من 32 إلى 48)، ولا
أمكنة اللعب، فستجري المباريات في ثلاث دول هي أمريكا وكندا والمكسيك، ولا ارتفاع
أسعار تذاكر الدخول كأنها رحلة إلى كوكب بعيد، ولا بُعد الشقة ووعثاء السفر بين
الملاعب، ولا اختلاف التوقيت بين الدول المضيفة، ولا العواصف الرعدية والأفاعي (لم
يرد ذكر للفئران في التقارير مع اسم فيروس إيبولا)، ولا سوء الملاعب وقلة العشب
والزاد وصعوبة الترجمة، إنما صور مذلّة عن طرد أمريكا لاعبين مسلمين، وإهانتهم
بالتفتيش المهين في الحواجز غير الطيارة، ومنعها دخول لاعبين أو مرافقين أو
صحافيين من الفريق العراقي أو الإيراني، إلى "الأرض المقدسة"، مع أنهم
تحصلوا على التأشيرة اللازمة. ومن طرائف المونديال العظيم أنّ نائب الرئيس ترامب
اقترح استبدال الفريق الإيطالي بالفريق الإيراني!
ونُقل
عن رئيس الفيفا قوله إنه تمنى لو أنّ قطر تدير كأس العالم عشر مرات، وهو تعريض
لطيف بأمريكا، لا يبلغ مرتبة نقدها. وكان رئيس الفيفا الذي انتخب عام 2016، قد منح
"جائزة فيفا للسلام" لترامب خلال قرعة كأس العالم العام الماضي! وكان
ذلك قبل حرب "الغضب الملحمي".
طاقية الإخفاء حلم بشري، المخابرات هي طاقية الإخفاء السياسية التي يضعها الرئيس، وله قبعات أخرى تظهره وتخفيه، حسب الحال
إنّ
أخطاء أمريكا لا تُرى، فهل تضع طاقية الإخفاء؟ عادة يتحدث الناقدون عن مكيالين، والذي
نجد مصداقه في الحديث الشريف: "إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق
فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحق، وأيم الله لو أن فاطمة
بنت محمد سرقت لقطعت يدها". هلاك الأمم يكون بطيئا.
استُقبل
الحاكم الصومالي عمر أرتان المطرود من أمريكا في وطنه بالأهازيج، تعزية له ومواساة،
ربما طُرد بحكم قرابته الوطنية لإلهان عمر؛ عضو مجلس النواب الأمريكي عن مينيسوتا.
كان ترامب قد وصف الصوماليين بسوء الرائحة، وعادت ذكريات مدينة مينابولس وفرق
الملثمين التي تصطاد المهاجرين الملونين في الشوارع.
لم
نشهد رفعاً لأعلام رينبو الملونة في الملاعب الأمريكية، لم نرَ احتجاجات مناصرة للمثليين،
فترامب يعاديهم أيضاً، فقد قرر ثوار العالم الحر الصمت غير الانتخابي هذه المرة، والفصل
بين جنسي الرياضة والسياسة، ليس لأن العريس ترامب يضع طاقية الإخفاء، بل لأن أبصار
المحبين أو الكارهين عميت عليهم، فلم تبلغ الانتقادات سوى تعليقات وسائل التواصل،
وهي غثاء في الأعم الأغلب. وعين الرضا عن كل عيب كليلة.
في
قصص الرجل المستخفي، التي اقتبست للسينما مراراً، يتسلل بعد وضع قبعة الإخفاء أو
ارتداء زي الإخفاء، ليرتكب جرائمه، ويسعى خصمه البطل إلى كشفه، بالرمل أو بالطحين،
لأن آثار خطواته ستظهر عليها. الدم يُظهر المستخفي أيضاً، ولو بعد حين، حتى قيل في
الأمثال: إن الأرض لا تشرب الدم حتى تدل على القاتل المستخفي.
طاقية
الإخفاء حلم بشري، المخابرات هي طاقية الإخفاء السياسية التي يضعها الرئيس، وله
قبعات أخرى تظهره وتخفيه، حسب الحال، مثل الإعلام الذي يجتهد في مدح الرئيس المستحوذ
على قوة الدولة، ومعاونة رجال الدين الذين يبعثون رئيسهم نبياً أو مجدداً للدين، ويتناوب
الرئيس على الظهور والخفاء بحسب الحال، برعاية: الإعلام والفن والدين والسيف.
كانت إسرائيل
تلبس طاقية الإخفاء، ولم يكن العالم يرى بوائقها أو يتجاهل جرائمها، إلى أن كشفتها
غزة بكثرة الدماء فقد ناف عدد ضحاياها عن 100 ألف ضحية، وقد فُضحت المذكورة بوسائل
التواصل الاجتماعي، فصارت تجاهر بالبطش بعد أن خسرت حيلة الخدع البصرية والتعمية
والإلهاء، لكن الكشف لم يصبح كاملاً، لأن سلطة وسائل التواصل الاجتماعي لا تبلغ
قوة السيف. العين لا بد أن تعينها اليد لبلوغ النصر.
الاطلاع
على أسرار البشر، هي صفة من صفات الله، وحيلة طاقية الإخفاء هي محاولة خيالية لانتزاع
صفة من صفاته. الخفاء والكتمان قوة، أحيانا ضعف.
أحياناً لا تنفع قبعات الإخفاء وحيل التخفي بسبب الغرور والبطر كما في حالة دونالد ترامب وبيبي نتنياهو، فيعمد المجاهر بإخفاء من نوع آخر؛ إخفاء الخصم من الحياة برمتها
وقد عاقب
إمام إيران الحالي العالم بالاختفاء، إما وقايةً لنفسه، أو عقاباً للعالم، وأحسب أن
أمريكا تتميز غيظاً لتعرف مكان اختبائه، أو معرفة مصيره، وتحاول إجباره على الظهور،
بطحين السخرية أو رمل الاستفزاز.
لنضرب
مثال بشار الأسد الذي قصف سوريا بالنار والسارين طوال خمس عشرة سنة، وقتل أمام
الكاميرات مئات آلاف البشر، لم تتغير صورته كثيراً إلا عندما اقتحم الثوار سجن صيدنايا،
فنزعت عنه قبعة الإخفاء، وسبب نزع قبعته هو سقوطه، لقد ظهر عارياً أمام الكاميرات
في عيون أتباعه.
ومن أغرب
قبعات الإخفاء، القبعة التي يضعها رئيس أكبر دولة عربية، وهو من أضعف الناس بياناً
وأزراهم هيئة وحضوراً، وفهاهة وركاكة، لكن السلطة والإعلام والدين يسترون عيوبه،
بل يجعلون مثالبه مناقباً.
كان جمال
عبد الناصر يقول: ما ليس موجوداً على الإعلام حكمه العدم. الخوارزميات والعبث بها
إحدى خدع الإخفاء.
ستستمر
حيل طاقية الإخفاء والخدع البصرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أحيانا تخفى
كوارث بتغيير أسمائها، فالمصطلحات إحدى أهم أدوات الإخفاء والتنكير، وهي وسيلة
تسلكها الحيوانات في الصيد أو في النجاة، إما بالتلون أو بالتماوت. أحياناً لا
تنفع قبعات الإخفاء وحيل التخفي بسبب الغرور والبطر كما في حالة دونالد ترامب
وبيبي نتنياهو، فيعمد المجاهر بإخفاء من نوع آخر؛ إخفاء الخصم من الحياة برمتها.
x.com/OmarImaromar
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.