"والتقى
البطلان كأنهما جبلان، أو أسدان كاسران، وحان عليهما الحين، وغنّى على رأسيهما
غراب البين".. عبارة مشهورة في السير الشعبية، وقد التقى البطلان الفارسي
والرومي للمرة الثالثة عبر التاريخ.
لم
نعرف كثيرا عن وجدان الفيتنامي أو الياباني وهو يواجه الأمريكي؛ فالأفلام التي
أُنتجت عن صراعهما أمريكية، ومركزها الشخصية الأمريكية. أما النصوص الأدبية
اليابانية والفيتنامية المترجمة التي وصلتنا فقليلة، واليابانيون عموما كتومون،
يتجنبون الحديث عن الهزيمة.
تصوغ
السينما، التي وُصفت بالفن السابع، عقول الناس ووجدانهم، وهي أيضا تعبير عن أحلام
نخبة المجتمع وصفوته من المؤلفين والمخرجين. وكانت إلى عهد قريب الفن الأول،
لجاذبيتها؛ فهي تجمع الفنون كلها. وقد انتشرت حضارة أمريكا، على حدّ مقولة شهيرة
للكاتب التركي الساخر عزيز نيسين، عبر السينما والسيجارة. والسيجارة تعني النار؛
فهي تجعل من المدخن تنينا بشريا. ولنتذكر صورة الكاوبوي الذي يشعل سيجارته من نار
في البرية ومعه حصانه، والحصان لا يدخن، حتى الآن، لأن الحصان يدرك بفطرته
البهيمية أنّ التدخين ضارٌّ بالصحة، ويلوث الضحكة.
السينما
الأمريكية، ومصنعها هوليوود، هي كتاب أمريكا المقدس، فهي تعادل جبل الأولمب عند
الإغريق. وهي في الأغلب، سينما آكشن ومطاردة وانتقام وبطل خارق. وكلا الحضارتين
تنتظران البطل الخارق المنقذ المخلّص ونهاية التاريخ؛ مع أن أمريكا ليست بحاجة
إليه حاجة
إيران، ويتجلى ذلك في إيران بدعائها الشهير لله في المساجد والحسينيات
وحول المقامات والأضرحة أن يعجّل فرجه الشريف.
لنقارن
بين
فيلمين شهيرين يحملان العنوان نفسه: "هيرو" الأمريكي (1992)؛ وهيرو
من العربية: الحور والبياض وحواريي المسيح، و"قهرمان" الإيراني (2021)؛ وقهرمان
من القاهر في العربية، و"مَن" للعاقل في العربية.
ثمة
مشهد شهير في فيلم "هيرو" الأمريكي، هو مشهد إعداد الأب برني الطعام
لابنه، وهو يُدرَّس في معاهد السينما بسبب بلاغة الصورة. ولا يخلو فيلم "قهرمان"
الإيراني من مشاهد بليغة وملحمية أيضا، مثل مشهد خروج رحيم من السجن في الافتتاحية
وتفويته الباص؛ فهو باص البطولة. ثم سنرى مشهدا تعلو به سقالة لمقابلة صديقه حسين
الذي يعمل في جبل أثري مليء بالشواهد التاريخية في مدينة شيراز، يضم قبور ملوك
فارس، فكأنه يحاول مقابلة ملوك بلاده وغطاريفهم، وبلوغ منزلتهم الشريفة.
رحيم
مسجون لعجزه عن سداد دَين حميّه، فهو أطهر من برني الأمريكي. وهو خطاط وفنان،
يُحرر من السجن ليومين، فيلاقي خطيبته الجديدة التي تعثر على حقيبة فيها سبع عشرة
قطعة ذهبية، فيقرران إعادتها إلى صاحبتها، مغلّبين الفضيلة على إثم الاحتفاظ بها.
فيصير نجما في مواقع التواصل، وقبلة للجمعيات الخيرية. لكنه كان قد أخفى جزءا من
الحقيقة، وهو اسم خطيبته التي عثرت على الحقيبة؛ لم يكذب، لكنه لم يقل الحقيقة
كاملة. تحاول المؤسسات الخيرية وإدارة السجن الاستفادة من فضيلته ونزاهته لتحقيق
مكاسب دعائية وتعظيمية، ويبلغ الأمر بإدارة السجن حدّ الاستفادة من إعاقة ابنه،
فيأبى البطل.
لكن
الفيلم الإيراني، على نقيض الفيلم الأمريكي الذي ينتهي نهاية سعيدة وتقاسم البطولة
مناصفة بين منتحل البطولة والمنحول منه، ينتهي نهاية غير سعيدة، ويخلص المشاهد إلى
حصيلة أن رحيم بطل، وأن خطيبته كذلك، وقد اشتركا معا في البطولة. فالصفقة لم تنجح،
والبطولة لا تكون نصرا وفوزا عند الإيرانيين الذين يؤمنون بالآخرة. يندر أن تجد
نهاية سعيدة في الأفلام الإيرانية؛ الحزن عندهم هو الأصل.
لنذهب
إلى فيلم "هيرو"، الذي أنتجته شركة كولومبيا الأمريكية، وهو من بطولة
داستن هوفمان وآندي غارسيا وجينا ديفيس. أما أبطال فيلم قهرمان فمغمورون أو يمثلون
أول مرة! برني لابلانت لصّ ومحتال مضطرب العيش، وهو مطلّق. البطل الأمريكي دائما
مطلّق، وسجين سابق غالبا. يشهد تحطم طائرة ركاب، فيخاطر بحياته، منتصرا على شحة
نفسه، فينقذ عددا كبيرا من الركاب، ويفقد نعله في ملحمة الإنقاذ. ويكون بين
الناجين صحفية تلفزيونية مشهورة، ثم يختفي.
بعد
الحادثة تعرض محطة تلفزيونية مكافأة كبيرة للعثور على "بطل" إنقاذ ركاب
الطائرة المهددة بالحريق. وبسبب سلسلة من المصادفات، يدّعي مشرّد وسيم، حسن المظهر
والحديث، يُدعى جون بابر، أنه البطل الحقيقي. وقد وجد نفسه، بسبب فردة النعل، في
موقع البطل؛ إذ كان قد أقلّ برني في سيارته، وترك برني فردة نعله فيها. إنه بطل
لأنه حمل بطلا في سيارته من غير أجر سوى فردة نعل! يحاول برني لابلانت فضح كذبة
سارق هويته وفخر بطولته، لكن مظهره وهيئته الرثة وتاريخه وسيرته السوداء، والشهرة
التي نالها منتحل بطولته تعيقانه عن ذلك.
يسخر
الفيلم من الإعلام وصناعة الأبطال والجماهير أيضا؛ فالرجل الذي قام بالفعل البطولي
لا يصدقه أحد لأنه لص وغضوب وفاشل، بينما يحصل دعيٌ على الشهرة لأنه يبدو أكثر
ملاءمة لصورة "البطل" التي يريدها الناس. إنه فيلم عن بيزنس البطولة
والمجد والأضواء.
يُعرف
الفيلم بعنوان آخر هو "البطل بالمصادفة". وقد ينطبق ذلك على دونالد
ترامب الذي لم يصدق فوزه بالرئاسة الأولى، أما الرئاسة الثانية فقد نالها لضعف
خصمه.
لا مصادفة؛
فالمصادفة أحد جنود الله. ترامب يكرر كل يوم، وربما كل ساعة، أن إيران تخسر يوميا
نصف مليار دولار، وأن سفنها غارقة في البحر، وأن إمامها جريح، وربما ميت. وهو
يجتهد في إحراج إيران إعلاميا لدفعها إلى إظهاره لاستهدافه أو الشماتة به، لكن
إيران خبيرة في فنٍ من فنون "التجويد" الإعلامي؛ الإخفاء، على عكس
أمريكا التي تحب الإظهار. والشعوب تنتظر إقلابا وإدغاما لقوى العالم الجديد، على تفاوت
القوة الكبير بينهما. وقد شاع مؤخرا تعبير: "هرمز قنبلة إيران النووية التي
لم تخطر على بال".
الأسرة
مفككة في الفيلم الإيراني أيضا، والبطل سجين مثل البطل الأمريكي، لكنه أنبل وأصدق.
أما البطل الأمريكي ففيه نبل طارئ أو خفي، لكنه يريد عليه أجرا؛ فهو نصف بطل ونصف
نذل. أما الإيراني، فبطل كامل، فيه عيوب صغيرة.
يتشابه
البطلان من حيث الأرحام العائلية؛ فكلاهما مطلّق، ولكل منهما ولد وحيد من زوجته
السابقة، لكن ابن رحيم أقرب إلى القلب. لم يحظَ الفيلم الأمريكي بنجاح كبير في
شباك التذاكر عند عرضه، لكنه مُدرج في قائمة أهم 100 فيلم أمريكي.
لم تُتح
للمخرج الإيراني زيارة أمريكا من أجل فيلمه إبان عرضه، وقد حاز جوائز عالمية،
فلأمريكا مضائق الجوائز والمال، وهي تمنع من تشاء من عبور مضائقها ونيل جوائزها.
خلاصة
الفوارق بين الحكايتين أنَّ البطل الأمريكي بطل صفقة، وتجارة، "فيفتي فيفتي"
أو "ثيرتي سفنتي"، أما البطل الإيراني، فبطل يرفض الصفقة؛ إما الصدر أو
القبر. كما أن الفيلم الإيراني أكثر اتصالا بالتاريخ، وحبكته أمتن وأحكم، على
الرغم من سبق الفيلم الأمريكي له في الزمن والريادة. الحزن إيراني، السرور أمريكي.
يرجو
كثيرون أن تنتهي
الحرب بصفقة علنية أو سريّة تتيح للبطلين تقاسما في شرف البطولة،
أو أن يأتي عجّل الله فرجه الشريف، أو أن يدخن الحصان المذكور في الفقرة الثالثة من
هذا المقال، حتى "تنجلي".
x.com/OmarImaromar
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.