كلما
طالعت خبرا يتعلق بالشرط الإيراني لإجراء المفاوضات مع الولايات المتحدة، المتعلق
بوقف
الحرب على جميع الجبهات، أوقن أن الأزمة سوف تظل قائمة، أو على الأقل معلقة،
ذلك أن
إسرائيل لن توافق على ذلك أبدا، من خلال مندوبيها في الوفد الأمريكي
المفاوض، وهما ستيف ويتكوف وجاري كوشنر، وليس لكليهما علاقة بالتفاوض أو بالسياسة
أو بالشأن الإيراني، اللهم إلا أن الأول رجل أعمال صديق الرئيس دونالد ترامب،
والآخر رجل أعمال وزوج ابنة الرئيس، إلا أنهما يمثلان الموقف الإسرائيلي تمثيلا
دقيقا، حتى أن أنباء تسربت عن دخولهما في صدام مع نائب الرئيس جي دي فانس، خلال
جولة المفاوضات التي استضافتها إسلام آباد الشهر الماضي، وهو ما عجل بنهاية الجولة
سريعا دون التوصل إلى اتفاق.
لنا أن
نتخيل الكيان الإسرائيلي دون
احتلال جنوب لبنان، وقصف وتهجير المدنيين هناك على
مدار الساعة، لنا أن نتصور ذلك الكيان دون احتلال الجولان السوري، وقد أضاف إليه
مساحات شاسعة أخرى خلال العامين الأخيرين، لنا أن نرى ذلك الكيان دون ارتكاب إبادة
يومية في قطاع غزة، وعنصرية وقتل في الضفة الغربية، وضم القدس المحتلة، لنا أن
نستوعب ذلك الكيان دون التحرش بالأسرى
الفلسطينيين والتنكيل بهم، بل وإعدامهم، أو
دون منع المصلين من الوصول للمسجد الأقصى، لنا أن نرى ذلك الكيان دون اجتماعات
أمنية مصغرة ومكبرة،
مجريات الأحداث طيلة نحو ثمانية عقود مضت، هي عمر كيان الاحتلال في المنطقة، وأحداث السنوات الأخيرة بشكل خاص، كفيلة بتدارك الموقف، وذلك بإعادة البوصلة إلى وجهتها الصحيحة، وهي نبذ ذلك الكيان من جديد
لمناقشة خطط التوسع في المنطقة، على حساب أصحاب الأرض هنا
وهناك، تحت عناوين تغيير وجه المنطقة، أو تغيير خريطة الشرق الأوسط، أو حتى
النبوءات التوراتية الخزعبلية من النيل إلى الفرات.
بالتأكيد
لا أحد في العالم أو في المنطقة، يمكن أن يتخيل ذلك الكيان الصهيوني، دون حرب أو
عدوان أو احتلال وقصف وتدمير وقتل نساء وأطفال، فما بالنا بالصهاينة أنفسهم، حينما
يتخيلون ذلك الهدوء أو الملل، أو السلام والوئام.. العقيدة
الصهيونية أنشئت على
عكس ذلك، ترعرعت على القتل والإبادة والاحتلال، وهو أمر لا شك فيه، بل لا ينكرونه،
إلا أن الجديد في الأمر، والذي لم يكن متوقعا في أسوأ الظروف، هو ذلك التشرذم
العربي، خصوصا تجاه القضية الفلسطينية، قضية العرب المصيرية، ليس ذلك فقط، بل
الهرولة العربية للتطبيع مع الكيان، بل والتعاون الأمني والعسكري، دون مقابل
يستحق، اللهم إلا العمالة والخيانة في معظم الأحوال.
أعتقد أن
مجريات الأحداث طيلة نحو ثمانية عقود مضت، هي عمر كيان الاحتلال في المنطقة،
وأحداث السنوات الأخيرة بشكل خاص، كفيلة بتدارك الموقف، وذلك بإعادة البوصلة إلى
وجهتها الصحيحة، وهي نبذ ذلك الكيان من جديد، بعد أن نوقن أن مجرد استمرار وجوده في
المنطقة، هو بمثابة تصدير القلاقل والأزمات والحروب للأجيال المقبلة، التي لا ذنب
لها سوى أنها ابتليت بآباء وأجداد افتقدوا النخوة والضمير والوطنية معا، فبئس
الميراث وبئس التاريخ وبئس الماضي والحاضر والمستقبل، وهو ما يتطلب العمل على عدة
محاور، في إطار عملية إنقاذ سريعة لما يمكن إنقاذه، تتمثل في خمسة نقاط كالتالي:
أولا:
أثبت الصمود الإيراني، في مواجهة المارد العسكري والاقتصادي الأمريكي، أن قوة
الإرادة وصلابة العقيدة متلازمتان كافيتان لمواجهة المعتدي أيا كانت قوته، بما
يجعل من الدعم الأمريكي للعدو الصهيوني أمرا ثانويا، لا يبرر أبدا ذلك الخنوع الذي
يشهده العالم العربي طوال العقود الأربعة الأخيرة.
ثانيا:
أثبتت المقاومة الفلسطينية أيضا، في مواجهة العدو الصهيوني، أن قوة السلاح ليست
مبررا للاستسلام، أو التنازل، أو الخضوع، إضافة إلى سقوط نظرية الجيش الذي لا
يقهر، وأن الخسائر التي تكبدها جيش الاحتلال في مواجهة أعداد قليلة من عناصر
المقاومة، بأسلحة خفيفة، إنما هي دافع قوي للأمة العربية بشكل عام لمواجهة هذا
العدو.
ثالثا: لم
يعد هناك ما يبرر ذلك التهافت على التطبيع، أو إقامة علاقات مع ذلك الكيان، في
الوقت الذي يعلن فيه بين الحين والآخر، عن نيته وأطماعه في مزيد من احتلال دول
المنطقة، وارتكاب المجازر بشكل يومي، وهو ما يحتم قطع جميع العلاقات معه،
دبلوماسية كانت أو اقتصادية أو أمنية.
رابعا:
ينبغي العودة بمناهج المدارس إلى سابق عهدها، بأن فلسطين أرض محتلة، وأن الاحتلال
الصهيوني ما هو إلا كيان غاصب يجب أن يرحل، عاجلا أو آجلا، ذلك أنه سبب التوتر
وعدم الاستقرار في العالم كل العالم.
هو ما يجعل من التحالفات الإقليمية أكثر قوة وفاعلية وإخلاصا، وأن تركيا قوية، وإيران قوية، وباكستان قوية، أهم وأجدى من تلك الكيانات الاستعمارية، أو كيانات الإبادة التاريخية، التي يبدو أنها لم تتخل أبدا عن ساديتها وانتهازيت
خامسا:
إعادة الاعتبار لجامعة الدول العربية، وذلك بالإعلان من خلالها عن التبرؤ من كل
المبادرات العربية، التي استهدفت في السابق الأرض مقابل السلام، والتي لم تجد إلا
كل تعنت وتشدد من الكيان، ما يؤكد أننا أمام كيان لن يسعى أبدا للعيش في سلام.
كل
الشواهد في المنطقة الآن، تؤكد أهمية الاتجاه إلى تحالفات أكثر واقعية، بعد أن ثبت
عمليا صحة نظرية الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، التي لخصها بالقول: "المتغطي
بالأمريكان عريان"، وهو ما يجعل من التحالفات الإقليمية أكثر قوة وفاعلية
وإخلاصا، وأن تركيا قوية، وإيران قوية، وباكستان قوية، أهم وأجدى من تلك الكيانات
الاستعمارية، أو كيانات الإبادة التاريخية، التي يبدو أنها لم تتخل أبدا عن
ساديتها وانتهازيتها.
وفي كل
الأحوال أيضا، ينبغي التأكيد على أن استمرار وجود العدو الصهيوني في المنطقة في حد
ذاته، كفيل بصنع ذلك التشرذم العربي والإقليمي، الحاصل الآن، بل وإمكانية اتساع
هوته مستقبلا، حتى داخل المنظومة الواحدة، سواء كانت مجلس التعاون الخليجي، أو
جامعة الدول العربية، أو منظمة المؤتمر الإسلامي، وهو ما ساهم في تحويل الجزء
الأكبر من مداخيل العديد من الدول إلى التسلح والتخابر وحفظ الأمن، في الوقت الذي
يعاني أبناؤها من سوء تغذية، أو سوء علاج، أو سوء تعليم، أو كل ذلك معا، ما يحتم
النظر إلى الأزمة من مختلف جوانبها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.