العصر الحجري من بيكر إلى ترامب

عبد الناصر سلامة
جسر كرج- الأناضول
جسر كرج- الأناضول
شارك الخبر
بدا واضحا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، استعار في تهديده للجمهورية الإسلامية الإيرانية، تعبير وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر، "سنعيدكم إلى العصر الحجري"، الذي وجهه إلى طارق عزيز، نائب رئيس الوزاراء العراقي وقتها، خلال آخر لقاء بينهما، في جنيف في التاسع من كانون الثاني/ يناير 1991، قبل نحو أسبوع من بدء عملية "عاصفة الصحراء" لتحرير الكويت، التي بدأت في 17 كانون الثاني/ يناير بقصف عنيف من قوات التحالف حينذاك، طال كل مقدرات وثروات العراق، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتراثية، وهو القصف الذي استمر 43 يوما، في إطار التمهيد للهجوم البري في 24 شباط/ فبراير.

قصف ما سمي بقوات التحالف، بقيادة الولايات المتحدة، لم يكن يستهدف فقط تحرير الكويت، التي كان العراق قد وافق على الانسحاب منها بالفعل، بقدر ما كان يستهدف إعادة العراق إلى العصر الحجري، وهو ما حدث بعد قصف كل جسور (كباري) العراق قاطبة (154 جسرا)، من أقصى العراق إلى أقصاه، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، وكان أبرزها جسر 14 تموز، أو جسر الكرادة المعلق، على نهر دجلة في قلب العاصة بغداد، وهو الجسر الذي يربط شرقها بغربها، على غرار جسر B1 في كرج، غرب العاصمة طهران، الذي قصفه الطيران الأمريكي- الإسرائيلي قبل عدة أيام، وهو الجسر الذي كان ما زال قيد الافتتاح الرسمي، بتكلفة تصل إلى 400 مليون دولار.

الحالة الراهنة إذن، بمساراتها المعلنة، تتطلب موقفا خليجيا على مستوى الأحداث، يعمل على وقف هذه الحرب المدمرة، بكل السبل الممكنة

لم يقتصر مخطط إعادة العراق إلى العصر الحجري على قصف الجسور، فقد تم استهداف المتاحف التراثية والتاريخية والوطنية، كان أبرزها متحف قائد النصر، الذي كان يضم آلاف التحف والهدايا، التي تصل قيمتها آنذاك إلى نحو ملياري دولار، بخلاف المواقع الأثرية، وآبار النفط، ومحطات الكهرباء والمياه، وهو ما حدث في الأراضي الكويتية أيضا، بهدف الحصول على أحقية إطفائها وإعادتها للحياة فيما بعد لشركة هالبرتون الأمريكية، التي كان أحد ملاكها آنذاك ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب الذي قاد الحرب.

بالتأكيد الرئيس دونالد ترامب هنا يعني ما يقول، حينما يستعير تعبير جيمس بيكر، إلا أن كل الشواهد تؤكد أن التاريخ لا يمكن أن يعيد نفسه الآن، ذلك الملابسات والظروف المحيطة مختلفة، ولا يمكن أن تساعد ترامب على تحقيق ذلك الهدف لأسباب عديدة، أهمها أن الرئيس العراقي صدام حسين لم يكن يمتلك القوة الصاروخية التي هي بحوزة إيران حاليا، ذلك أنه أطلق 19 صاروخ (سكود) على الكيان الصهيوني آنذاك، لم تكن دقيقة في أهدافها من جهة، ومن جهة أخرى لم تكن محملة بما يكفي من متفجرات، حتى تستطيع الوصول إلى تل أبيب، لعدم امتلاك التكنولوجيا التي تمكنها من ذلك في هذا الوقت، على عكس القدرات الإيرانية الحالية، سواء ما يتعلق منها بالمدى الصاروخي، أو الدقة في التوجيه.

الآن أيضا، حدد الحرس الثوري الإيران، أهدافا مشابهة في المنطقة سوف يستهدفها بالقصف، وهي عبارة عن جسور مهمة في عدد من دول الجوار، بخلاف قصف دقيق وقوي طال الكيان الصهيوني، عقب قصف الجسر، خصوصا في المنطقة الصناعية بميناء حيفا، في الوقت الذي يستهدف فيه أيضا مصافي النفط في المنطقة، بهدف التأثير في السوق العالمي والرأي العام في آن واحد، كما أن قدرات إيران العسكرية والاستخباراتية، ساعدت أيضا على تحديد واستهداف مصانع ومراكز تكنولوجية وسيبرانية ذات أهمية كبيرة في المنطقة، تتبع الولايات المتحدة تحديدا أو ذات شراكة معها، وهو ما يشير إلى اختلاف العوامل والقدرات بين الحالتين العراقية والإيرانية تماما.

على الرغم من ذلك، يجب أن نقر بأن القدرات العسكرية الأمريكية، خصوصا ما يتعلق منها بالقوة الجوية، تستطيع إعادة إيران إلى العصر الحجري، على غرار ما حدث في العراق، الذي ما زال يلملم جراحه بعد 36 عاما من القصف، في ضوء ضعف المنظومة الدفاعية الإيرانية، إلا أن ما هو واضح أيضا، هو أن إيران لن تعاني وحدها من ذلك العصر، في ضوء إصرارها على جر كل دول المنطقة إلى الحالة نفسها، وما بدا واضحا هو أن الإدارة الأمريكية، بتركيبتها الصهيونية الحالية، توافق عليه ولا ترفضه، بل ربما تسعى إليه، ذلك أنها لا تتوقف سياسيا أو عسكريا، بأي حال، أمام ما تتعرض له هذه الدول من خسائر الآن نتيجة تعرضها للقصف الإيراني.

امتناع الدول الأوروبية، أو دول الناتو، عن المشاركة في الحرب، لعدم استنادها إلى أي أساس قانوني، وهو الأمر الذي كان يوجب على دول المنطقة البناء عليه، برفض هذه الحرب، ورفض تقديم التسهيلات

الحالة الراهنة إذن، بمساراتها المعلنة، تتطلب موقفا خليجيا على مستوى الأحداث، يعمل على وقف هذه الحرب المدمرة، بكل السبل الممكنة، وهو ما فطنت إليه مبكرا سلطنة عمان، ثم دولة قطر فيما بعد، ذلك أننا هنا أمام حرب لا طائل من ورائها، سوى تحقيق أهداف الكيان الصهيوني، بإضعاف القدرات العسكرية والاقتصادية لكل دول المنطقة دون استثناء، حتى يستطيع تحقيق أهدافه بتغيير الخارطة، أو بمعنى أدق: احتلال ما يمكن احتلاله من أراضٍ، والاستيلاء على ما يمكن الاستيلاء عليه من ثروات، وهو ما يجعله يصر على استمرار الحرب، على الرغم من الخسائر التي طالته على كل المستويات أيضا، الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والسياسية والمعنوية.

وإذا كان هناك من بين دول الخليج، خصوصا دولة الإمارات، من يراهن على أن استمرار الحرب يمكن أن يحقق أي مصالح للمنطقة، فإن الضرورة تستدعي موقفا جماعيا مناهضا لذلك الموقف، مع الإشارة في هذا الصدد إلى مقال نشره سفير الإمارات لدى واشنطن في صحيفة "وول ستريت جورنال"، يحرض فيه الولايات المتحدة وإسرائيل على الاستمرار في الحرب قائلا: "لا يزال هناك الكثير مما يجب فعله لإزالة تهديدات الصواريخ والطائرات المسيرة، ونحن على استعداد للانضمام إلى مبادرة دولية لإعادة فتح مضيق هرمز والحفاظ عليه مفتوحا"، في إشارة إلى استخدام القوة، وهو ما يتقاطع مع كل المواقف الخليجية المعلنة، ومع مساعي الوساطة.

أعتقد أن صوت العقل والحكمة يحتمان على المجتمع الدولي عموما، وليس على دول المنطقة فقط، الاتجاه نحو الحلول السياسية للأزمة القائمة، والتي يجب أن نضعها تحت عنوانها الصحيح، وهو العدوان الأمريكي- الإسرائيلي على إيران، أو بمعنى أدق: عدوان دولتين نوويتين على دولة تدور الظنون حول نيتها في امتلاك سلاح نووي! وهو الأمر الذي لم يواجه بإدانة دولية كافية، على الرغم من امتناع الدول الأوروبية، أو دول الناتو، عن المشاركة في الحرب، لعدم استنادها إلى أي أساس قانوني، وهو الأمر الذي كان يوجب على دول المنطقة البناء عليه، برفض هذه الحرب، ورفض تقديم التسهيلات اللوجستية لها بأي شكل من الأشكال، ذلك أن العصر الحجري أصبح يلوح في الأفق، مهددا الجميع، فيما بدا أنه كان الهدف الحقيقي الذي تم التخطيط له مبكرا.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)