منذ أن
اعتلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سدة الحكم، في كانون الثاني/ يناير من العام
الماضي، وهو يعلن مرارا عن أطماعه في الاستيلاء على المضائق والممرات المائية حول
العالم، مؤكدا أحقية بلاده في ملكية قناة بنما، ومعلنا رغبته في اقتسام إدارة مضيق
هرمز مع
إيران، بل إنه أطلق عليه اسم مضيق ترامب، في مؤتمره الصحفي أخيرا، مشيرا
إلى أنها ليست زلة لسان، وذلك بعد فشله في السيطرة على مضيق باب المندب، والتوصل
إلى اتفاق مع الحوثيين في اليمن بشأن العبور الآمن، إلى جانب الطلب من
مصر مرور
سفن بلاده من
قناة السويس "مجانا"، أي بلا رسوم.
في الوقت
نفسه لا يخفي ترامب أطماعه في ضم كندا ككل إلى الولايات المتحدة، وحينذاك سوف
ينفرد بإدارة ممر سانت لورانس الذي يربط المحيط الأطلسي بالبحيرات العظمى في
أمريكا الشمالية، من خلال إدارة مشتركة بين البلدين حتى الآن. أما مضيق البسفور في
إسطنبول بتركيا، والذي يربط قارتي آسيا وأوروبا من خلال البحر الأسود وبحر مرمرة،
وبالتالي البحر المتوسط، فهو من وجهة النظر الأمريكية يعد خاضعا لتصرفات وهيمنة
حلف شمال الأطلسي "الناتو" وما يتضمنه ذلك من دفاع مشترك.
تنفرد قناة السويس المصرية، التي تربط البحرين الأحمر والأبيض المتوسط، بأنها تشكل هاجسا مزعجا للكيان الصهيوني بشكل خاص
تنفرد
قناة السويس المصرية، التي تربط البحرين الأحمر والأبيض المتوسط، بأنها تشكل هاجسا
مزعجا للكيان الصهيوني بشكل خاص، نظرا لأن وجودها في حد ذاته يعرقل تفعيل الخط
البري الذي سعى إليه الكيان الصهيوني طوال العقد الماضي، عبر السعودية والإمارات
والأردن، بل تعرقل القناة إنشاء خط أنابيب بترول من منابع نفط الخليج إلى البحر
المتوسط عبر ميناء حيفا، في الوقت الذي يسعى فيه الكيان أيضا إلى إنشاء قناة
موازية من خليج العقبة مرورا بالبحر الميت، تحت مسمى "قناة بن جوريون"،
إلا أنها تصطدم بقطاع غزة، أو بمعنى أصح بالمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.
من هنا،
يمكن أن نعي حساسية الموقف الرسمي المصري من
الحرب الدائرة الآن، بين الجمهورية
الإسلامية الإيرانية من جهة، والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة أخرى،
وأيضا الحرب بين المقاومة في غزة والكيان، ذلك أن هذه وتلك تمثلان، على أقل تقدير،
تعطيلا للمشاريع الأمريكية- الإسرائيلية في المنطقة، بل تعطلان المشروع العبثي لما
تسمى الديانة الإبراهيمية، ومن ثم تعطلان الهرولة العربية نحو التطبيع مع الكيان،
وهو ما تراه مصر خطرا على المنطقة، على الرغم من اتفاقية السلام المصرية مع
الكيان، وما استتبعها من تطبيع مهترئ، يرفضه الشارع جملة وتفصيلا.
منذ بدء
عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، خسرت مصر أكثر من نصف الدخل السنوي
لقناة السويس، البالغ 10,25 مليار دولار عام 2023، وهو الدخل الأعلى في تاريخ
القناة على الإطلاق، قبل أن ينخفض في عامي 2024 و2025 على التوالي، إلى 3,99 و4,1
مليار دولار (نحو 60 في المئة) نتيجة التوترات الحاصلة في البحر الأحمر ومضيق باب
المندب، جراء الطوفان وحرب الإبادة على القطاع، ودخول الحوثيين على الخط كجبهة
إسناد للمقاومة الفلسطينية، وهو الأمر الذي كان من المفترض أن يحدث استنفارا لدى
السلطات المصرية، نتيجة احتياجها الشديد إلى العملة الأجنبية، ذلك أن القناة تمثل،
إلى جانب العمالة المصرية في الخارج والسياحة الخارجية، المصادر الأساسية للعملات
الأجنبية.
لأسباب
عديدة، لم تنجر مصر منذ البداية إلى الحرب الخليجية على الحوثيين في اليمن عام
2015، فيما يعرف بالتحالف العربي بقيادة المملكة السعودية، تحت مسمى عاصفة الحزم،
ثم لم تستنفر حينما عرقل الحوثيون الملاحة في البحر الأحمر عامي 2024 و2025، وها
هي في موقف يميل إلى "الصمت" لا تحسد عليه، في الحرب الأمريكية
الإسرائيلية على إيران، رغم الضغوط الخليجية التي تدعوها إلى التدخل، بينما يميل
المزاج الشعبي إلى مناصرة إيران، لأسباب تتعلق بإسرائيل كعدو تاريخي، بالتزامن مع
ما يصدر عن تل أبيب وواشنطن في آن واحد، من مخططات بشأن إعادة تقسيم المنطقة،
والسيطرة على مقدراتها.
حقيقة
الأمر، أن المحور الإيراني، المقاوم للعبث الأمريكي- الإسرائيلي في المنطقة، فيما
يعرف بإعادة تقسيمات "سايكس-بيكو" يتماهى مع الموقف المصري المناوئ لهذا
المخطط، بل إن هناك تطابقا رسميا مع الموقف الشعبي فيما يتعلق بالرفض القاطع
لهزيمة إيران، وهو ما يتقاطع مع بعض الرغبات الخليجية، وليس جميعها بالتأكيد، ذلك
أن انهيار إيران معناه تسهيل تنفيذ ذلك المخطط، الذي يبدأ بتصفية القضية
الفلسطينية تماما، ومزيد من الاحتلال الصهيوني لأراضٍ عربية، والسيطرة على ثروات
المنطقة، إلى غير ذلك مما لم يعد سرا، والذي تأتي عملية السيطرة على قناة السويس
كجزء رئيس منه.
الكثير من السياسات أو التوجهات الخليجية لم تعد تتوافق مع المصالح المصرية في المنطقة، وهو ما جعل القاهرة تميل إلى العزوف، فيما يتعلق بالعديد من القضايا المطروحة على الساحة، على الرغم من حاجتها إلى الدعم الخليجي
يجب أن
نعترف بأن الكثير من السياسات أو التوجهات الخليجية لم تعد تتوافق مع المصالح
المصرية في المنطقة، وهو ما جعل القاهرة تميل إلى العزوف، فيما يتعلق بالعديد من
القضايا المطروحة على الساحة، على الرغم من حاجتها إلى الدعم الخليجي، حتى لو على
سبيل الاستثمار، إلا أن شطط البعض في العلاقات مع الكيان الصهيوني، إضافة إلى
المغالاة في الموقف من إيران، والتدخل سلبا في شؤون عدد من بلدان القرن الأفريقي،
التي تمثل عمقا استراتيجيا للدولة المصرية، كل ذلك وغيره كان كفيلا بتغيير بوصلة
السياسة المصرية نحو الانغلاق والانكفاء، على خلاف سياسات القرن الماضي، التي
اقتحمت أبواب قارات العالم من أقصاه إلى أقصاه، خصوصا ما يتعلق بدعم حركات التحرر.
وعلى خلاف
المواقف المصرية، التي اتسمت بالهدوء والتروي في قضايا إنشاء السد الإثيوبي على
مياه النيل، وتدخلات الآخرين في الأزمة الليبية، أو المواجهات في السودان، أو حتى
العبث بالقضية الفلسطينية، يمكن التأكيد على أن الموقف المصري فيما يتعلق بأي
محاولة للانتقاص من دور مصر في إدارة قناة السويس سوف يكشف عن وجه آخر، أو بمعنى
أدق، عن مارد عسكري من الحجم الثقيل، تلك القناة التي راح ضحية حفرها، بنظام
السخرة، بين عامي (1859- 1869)، ما يزيد على 120 ألف نفس بشرية (ما يزيد على 6 في
المئة من عدد السكان)، وقت أن كان عدد السكان لا يزيد على مليوني نسمة.
الشاهد
إذن، أن قناة السويس رويت بدماء الأجداد، ما يؤكد أن الأحفاد لن يبخلوا بدمائهم
أبدا، على اعتبار أن ساعة الثأر والتضحية معا قد حانت، وهو ما يجعل مصر، من حيث لا
تحتسب، مجبرة على التلويح بمحور جديد، لم يكن في المنظور القريب أو البعيد، إلا
إنه استُنفر كما هو واضح من منبر مسجد الفتاح العليم في العاصمة الجديدة، صباح عيد
الفطر، بحضور رئيس الدولة، بالتوسل إلى الله "بفاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها،
والسر الكامن فيها"، ثم دارت عجلة التاريخ، لكتابة فصل جديد من الفصول الأكثر
إثارة، وغموضا في الوقت نفسه.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.