البحث عن مصر.. إعلاميا وسياسيا وعسكريا

عبد الناصر سلامة
"دول الخليج لم تقرر حتى الآن الدخول طرفا في الحرب الدائرة، انطلاقا من فهم عميق للأحداث"- جيتي
"دول الخليج لم تقرر حتى الآن الدخول طرفا في الحرب الدائرة، انطلاقا من فهم عميق للأحداث"- جيتي
شارك الخبر
الحرب تدور رحاها في بلاد فارس، على مشارف الخليج العربي، أما الحديث والجدل والتلاسن والشد والجذب فهو عن مصر؛ أين مصر، دور مصر، جيش مصر، مكانتها، تأثيرها، موقعها، شعبها؟.. إلى آخر ما يتواتر من تجاذبات، تشهدها "السوشيال ميديا" بشكل خاص، كما تحليلات التلفزة ومقالات الصحف، وسجالات العامة والخاصة في الوقت نفسه، في غياب الطرف الأصيل، وهو مصر الدولة، أو مصر الرسمية، أو إعلام مصر، اللهم إلا بعضا مما تجود به قريحة اللجان أو الكتائب الإلكترونية، الفاشلة بكل تأكيد على الرغم مما ينفق عليها ببذخ كبير.

أكثر ما يطرح نفسه في هذه القضية، هو ما تردده شعوب الخليج حول قصور الدور المصري فيما يتعلق بالحرب الدائرة، وهم بالطبع محقون في ذلك، في غياب السياسيين والإعلاميين المصريين، المنوط بهم التوضيح أو الرد على ما يثار في هذا الشأن، على الرغم من قوة الحجة المصرية تجاه الموقف الراهن بشكل عام، ووضوح الرؤية أمام الشعب المصري بشكل خاص، وهو الذي حمل على كاهله مسؤولية الرد والرد على الرد، في حوارات أشقائهم الخليجيين والعرب على حد سواء.

نحن أمام كيان صهيوني يجاهر بمخططاته التي تتضمن التوسع في المنطقة، على حساب أراض وبلدان عربية أخرى، بخلاف تلك التي يحتلها في فلسطين وسوريا ولبنان، مشيرا هنا إلى ما يطلقون عليه إسرائيل الكبرى

ويمكن إجمال الموقف المصري، حكومة وشعبا في عدة نقاط، نحاول اختصارها في التالي:

أولا: أن مصر بحكم عوامل كثيرة كانت، في العصر الحديث تحديدا، بمنأى عن إشكالية الطائفية بكل أنواعها، فلم نكن نسمع في مصر، ربما طوال القرن الماضي، ونحن في مرحلتي الصبا والشباب ثم فيما بعد، أن هناك طوائف شيعية وأخرى علوية، أو إباضية، وما إلى ذلك من مسميات، على اعتبار أن كل الشعب المصري ينتمي إلى طائفة أهل السنة، دون وجود لأي من هؤلاء أو أولئك.

ثانيا: مع حقبتي السبعينيات والثمانينيات، وتوجه العمالة المصرية إلى كل من المملكة السعودية ودولة العراق بشكل خاص، عاد هؤلاء من السعودية محملين بالفكر الوهابي، والجلباب الأبيض، بينما عاد الآخرون من العراق محملين بالفكر الشيعي والهوى البعثي، وهكذا تفاعلت الأفكار والأهواء من بقية الدول التي استقبلت العمالة المصرية، حيث الأغلبية الشيعية في البحرين، والأغلبية الإباضية في سلطنة عمان، والخلطة بالغة الحساسية في لبنان وسوريا، إلى غير ذلك من بقية دول المنطقة.

ثالثا: معنى ذلك، أن مصر كانت بمنأى عن الآفة الطائفية طوال الوقت، وما زالت بمنأى عنها، اللهم إلا ممن يحاولون إقحامها لصالح هذا الطرف، أو بوازع من الطرف الآخر، وهو ما يجعل الشعب المصري الآن في معظمه لا يستطيع مناصبة العداء مع الجمهورية الإسلامية في إيران، لمجرد أن النظام أو معظم الشعب هناك ينتمي للمذهب الشيعي، في الوقت الذي يرى فيه المصريون أيضا، أن التدخل الإيراني في بعض دول المنطقة أيضا ينطلق من عوامل سياسية، وليست دينية أو طائفية.

رابعا: ما يغيب عن بعض المحللين السياسيين في دول الخليج، وعن الشعوب في آن واحد، هو أن عداء الشعب المصري مع الكيان الصهيوني، منذ آخر حرب عام 1973، لم يتزعزع، بعد اتفاقية كامب ديفيد مثلا، أو التطبيع، أو التبادل التجاري، وما إلى ذلك، على الرغم من المحاولات الرسمية في هذا الشأن، وهو ما يجعل هناك دعما وتأييدا شعبيا لأي بلد أو فصيل يواجه هذا الكيان، حتى لو كان بوذيا أو هندوسيا، ما بالنا إذا كنا أمام دولة إسلامية، ترفع شعار تحرير القدس والمسجد الأقصى.

خامسا: نحن أمام كيان صهيوني يجاهر بمخططاته التي تتضمن التوسع في المنطقة، على حساب أراض وبلدان عربية أخرى، بخلاف تلك التي يحتلها في فلسطين وسوريا ولبنان، مشيرا هنا إلى ما يطلقون عليه إسرائيل الكبرى، من النيل إلى الفرات، متضمنة أراضي مصرية، وأخرى عراقية وسعودية وأردنية، وهو ما يجعل من أي مقاومة لهذا الكيان، إنما هي بالنيابة عن كل هذه الدول مجتمعة، وهو الأمر الذي يجب وضعه في الاعتبار، حال مناقشة الأزمة المطروحة من كل جوانبها.

الرؤية السياسية المصرية واضحة تماما، إلا أنه فشل التسويق والترويج الإعلامي، الذي يشتبك طوال الوقت مع "سوشيال ميديا" شعبية، من حقها أن تسأل وتتخبط، إلا أنها كان يجب أن تجد إجابات مقنعة وواضحة، خصوصا مع وجود دور مصري- تركي- باكستاني حقيقي

سادسا: أصبحت مصر على يقين أن المخطط الأمريكي الغربي، بوازع صهيوني بالطبع، هو الانفراد بكل دولة من دول المنطقة على حدة، لإضعافها عسكريا واقتصاديا، كما حدث من قبل مع كل من العراق وسوريا وليبيا واليمن، وأن مصر قد تكون الهدف المقبل بعد إيران مباشرة، ما يوجب على القيادة المصرية التروي والحذر، وإذا كان هناك تدخل من أي نوع، أو مساندة، فيجب أن تكون للطرف الذي يواجه العدو الصهيوني، وهو ما لم يحدث حتى الآن لأسباب عديدة، من بينها العلاقات مع الدول الشقيقة بالخليج، والتي لن يروق لها مثل هذا الموقف.

سابعا: أعتقد أن الموقف المصري بشكل عام، ليس خافيا أو غائبا عن الأروقة الرسمية الخليجية، التي توقن أن مصر في نهاية الأمر لا يمكنها الاستغناء عنها، والعكس صحيح، مع الوضع في الاعتبار أن تلك الدول لم تقرر حتى الآن الدخول طرفا في الحرب الدائرة، انطلاقا من فهم عميق للأحداث، نبّه إليه وحذر منه، منذ اللحظة الأولى، رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري السابق الشيخ حمد بن جاسم، حينما قال: إن المخطط يقوم على توريط دول الخليج في المواجهة مع إيران، ثم انسحاب كل من الولايات المتحدة وإسرائيل من المعركة.

إذن، الرؤية السياسية المصرية واضحة تماما، إلا أنه فشل التسويق والترويج الإعلامي، الذي يشتبك طوال الوقت مع "سوشيال ميديا" شعبية، من حقها أن تسأل وتتخبط، إلا أنها كان يجب أن تجد إجابات مقنعة وواضحة، خصوصا مع وجود دور مصري- تركي- باكستاني حقيقي، يسعى طوال الوقت إلى إيجاد مخرج للأزمة، يمثل دعما حقيقيا لدول الخليج العربية، على الرغم من انخراط بعضها في علاقات ملتبسة ومشينة مع الكيان الصهيوني، كانت وما زالت تمثل عائقا كبيرا أمام أي وحدة عربية، في مواجهة ذلك الذي يجري من مخططات تهدف إلى تدمير المنطقة وتشرذمها.
التعليقات (0)