طبول الحرب تدق أبواب مصر

عبد الناصر سلامة
"من الطبيعي أن تتعامل مصر مع الأوضاع الراهنة بجدية، كما هو نبض الشارع تماما"- موقع القوات المسلحة
"من الطبيعي أن تتعامل مصر مع الأوضاع الراهنة بجدية، كما هو نبض الشارع تماما"- موقع القوات المسلحة
شارك الخبر
سؤال الساعة في الشارع المصري: ما هي الجبهة المقبلة لإسرائيل بعد إيران؟ وهو السؤال الذي يصبح طبيعيا ومشروعا في ضوء تصريحات السفير الأمريكي لدى الكيان الصهيوني، مايك هاكابي، حول أحقية الكيان في احتلال عدة دول مجاورة، ومن بينها ما يمثل ثلث الأراضي المصرية تقريبا، حسب الخرائط المعلنة، ناهيك عن تصريحات إسرائيلية متعددة لضباط وحاخامات، يحددون مصر كجبهة تالية للحرب مع الكيان، وغير ذلك من كثير ممن استعانوا بنصوص توراتية ووصايا دينية، إلى غير ذلك من هرطقات.

بالتزامن مع الحرب الدائرة بين الكيان والولايات المتحدة وبعض دول الغرب من جهة، وإيران من جهة أخرى، تحدثت الأنباء عن رصد نشاط استطلاعي أمريكي للأراضي المصرية، وكشفت بيانات منصة "فلايت رادار 24" عن تنفيذ طائرة "بوينج P-8A" طلعة مراقبة الخميس، قبالة سواحل شرق مصر، وتحديدا محافظتي بورسعيد وشمال سيناء، استمرّت قرابة أربع ساعات، قبل أن تعود إلى قاعدة "سيغونيلا" الإيطالية، وهو ثالث نشاط استطلاعي أمريكي يتم رصده بالقرب من سيناء خلال ثلاثة أيام متتالية، بالتزامن مع تطورات الحرب المشتركة مع كيان الاحتلال على إيران.

الأزمات هذه المرة متفاقمة إلى حد كبير، بما لم تشهده المنطقة من قبل، خصوصا مع اتساع رقعة المواجهات يوما بعد يوم، وهو ما يبدو أن مصر قد استعدت له طوال السنوات الماضية

ربما كان النشاط الاستطلاعي الأمريكي مرتبط بما يتردد حول رفع درجة الاستعداد في القوات المسلحة المصرية، واستدعاء جنود الاحتياط، وغير ذلك من إجراءات يتم تنفيذها كالعادة على الفور، في حالة ما إذا كانت هناك أزمات إقليمية قريبة من الحدود أو الجغرافيا المصرية، غير أن الأزمات هذه المرة متفاقمة إلى حد كبير، بما لم تشهده المنطقة من قبل، خصوصا مع اتساع رقعة المواجهات يوما بعد يوم، وهو ما يبدو أن مصر قد استعدت له طوال السنوات الماضية، بمزيد التسلح الواضح، جوا وبحرا بالدرجة الأولى.

وفي هذا الصدد يجب الوضع في الاعتبار التصريحات الأخيرة لأحد القادة العسكريين المصريين المشهود لهم، اللواء أحمد وصفي، قائد الجيش الثاني الميداني سابقا ورئيس هيئة تدريب القوات المسلحة، الذي تحدث فيها بوضوح عن الهدف الأمريكي الأوسع من الحرب، ممثلا في السيطرة على المضايق البحرية في العالم، ومن بينها مضيق تيران وصنافير، على تخوم مدينة شرم الشيخ جنوب سيناء، وأيضا قناة السويس، وما تمثله من أهمية للتجارة العالمية، مشيرا إلى أن المخطط الأمريكي هو تسليم السيطرة على هذه المضايق والقنوات في نهاية الأمر للكيان الصهيوني، كشرطي للمنطقة، في إطار إعادة هندسة الشرق الأوسط، داعيا كلا من مصر والسعودية وتركيا إلى الاتحاد مع باكستان قائلا: تحالفوا أو تباكوا.

وربما يؤكد ذلك التصريحات الأخيرة للرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، لقناة "سي. بي. إس" الأمريكية بأن "تغيير النظام في إيران، ليس بالضرورة هدف الحرب، بل تغيير الشرق الأوسط ككل"، وهي التصريحات التي كان قد جهر بها رئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو أكثر من مرة، منذ بداية حرب الإبادة على قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين 2023، ثم رددها وزراء حكومته، بينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يشكو من ضآلة حجم الرقعة الجغرافية للكيان، والتي يجب أن تتسع أكثر من ذلك بكثير، على حد قوله، ثم جاء وزير حربه بيت هيغسيث، ليؤكد للجنود الأمريكيين المشاركين في الحرب على إيران أنها حرب يسوع، تمهيدا لحرب نهاية العالم "هرمجدون"، بل تمادى في الشطط بما هو أكثر، بهدم المسجد الأقصى من أجل ما يسمى جبل الهيكل.

من الطبيعي إذن أن تتعامل مصر مع الأوضاع الراهنة بجدية، كما هو نبض الشارع تماما، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه على المواطن المصري، من أقصى البلاد إلى أقصاها، هو مدى استعداد الجيش للحرب، في ضوء ذلك التطور التكنولوجي الكبير الذي نشهده الآن عسكريا، وفي ضوء ما ذكره وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أخيرا، من أن أي دولة تفكر في الدخول بمواجهة مع قوى كبرى، مثل إسرائيل أو الولايات المتحدة، عليها أولا أن تستكمل جاهزيتها الكاملة في مجال الاستخبارات والدفاع المتقدم، مشيرا في هذا الصدد إلى الاستخبارات السيبرانية، والإلكترونية، والوقائية، والجوية، والتصويرية، والإشارات، والفضاء، وكفاءة أنظمة الدفاع الجوي، وأنظمة الرادار والتشويش، محذرا من اختراق الهواتف، وتحديد موقع القيادة.

ذلك سوف يتهاوى بين عشية وضحاها، مع نزول المواطنين إلى الشارع للاحتجاج مع تطور الأوضاع، وهو ما يجب وضعه في الاعتبار حال التعويل على دعم الجماهير في أي من القضايا الشائكة، خصوصا ما يتعلق منها بتعديل الدستور للإبقاء على الرئيس مدى الحياة

العقيدة المصرية تجاه الكيان الصهيوني، رسميا وشعبيا في آن واحد، تتفق من حيث المبدأ على أن المواجهة مع الكيان قادمة لا محالة، وهو ما أكده الرئيس الراحل أنور السادات شخصيا، على الرغم من توقيعه اتفاقية السلام بقوله إن حرب أكتوبر (1973) لن تكون آخر الحروب بسبب الأطماع الإسرائيلية، وما أكده الرئيس الراحل حسني مبارك أيضا، بأن أطماع الكيان بلا حدود، وهو الأمر الذي جعل من عملية التطبيع الشعبي أمرا صعب المنال، بل مستحيلا، والدليل على ذلك، هذا التأييد الشعبي الجارف لإيران في حربها الدائرة حاليا، على الرغم من محاولات وكلاء الكيان والولايات المتحدة معا، الترويج إعلاميا للقوة والهيمنة الإسرائيلية من جهة، وقيام دراويش الوهابية ببث سموم التطرف الطائفي من جهة أخرى.

قد يؤرق الشارع المصري السماحُ للإسرائيليين بالهروب من جحيم القصف، إلى المنتجعات المصرية بسيناء، أو توقيع اتفاقية استيراد الغاز من الكيان بما قيمته 35 مليار دولار، أو تصدير واستيراد البضائع من وإلى الكيان، أو وجود سفارة هنا وهناك، وغير ذلك من تعاون أمني أو تنسيق على الحدود، إلا أن كل ذلك لا يمثل الشارع بأي شكل من الأشكال، ويضع القيادة السياسية في مأزق، خصوصا مع العدوان على غزة، أو لبنان، أو إيران، أو الممارسات الصهيونية في المنطقة عموما.

المؤكد أن كل ذلك سوف يتهاوى بين عشية وضحاها، مع نزول المواطنين إلى الشارع للاحتجاج مع تطور الأوضاع، وهو ما يجب وضعه في الاعتبار حال التعويل على دعم الجماهير في أي من القضايا الشائكة، خصوصا ما يتعلق منها بتعديل الدستور للإبقاء على الرئيس مدى الحياة، وهو ما يتم الإعداد له في الغرف المغلقة الآن، والذي ظهرت بوادره بالاستعانة فيما يبدو بأحد رجال القضاء السابقين، للترويج والدعوة إلى ضرورة تعديل الدستور، بزعم يثير السخرية والضحك، وهو أن الدستور الحالي "ترميم" لدستور 2012 الذي وضع في عهد الإخوان المسلمين، ولِمَ لا، فشر البلية ما يضحك!
التعليقات (0)