مصيرنا المشترك مع إيران ضد الهيمنة الإسرائيلية

ممدوح الولي
"سيجعل الكثيرون خامئني وعددا من قيادات الجيش والحرس الثورى رموزا"- التواصل الاجتماعي
"سيجعل الكثيرون خامئني وعددا من قيادات الجيش والحرس الثورى رموزا"- التواصل الاجتماعي
شارك الخبر
لعل تباهي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع قتل المرشد الإيراني على خامنئي، قائلا "لقد وعدنا بتغيير الشرق الأوسط وها نحن نفعل"، خير رسالة للشعوب العربية والإسلامية كي تدرك معنى الحرب الإسرائيلية الأمريكية المشتركة على إيران، بأن الجميع على قائمة بنك الأهداف الإسرائيلية، وكما قال وزير الدفاع الإسرائيلي بأن "كل من يمثل مصدر تهديد محتمل لنا سيكون معرضا للهجوم".

وهكذا فإن الهدف هو تحقيق الأحلام التوراتية القديمة كما قال نتنياهو من قبل، والتي أكدها السفير الأمريكي في القدس مؤخرا بأنه من حق إسرائيل أن تستولي على الأراضي العربية الممتدة من النيل إلى الفرات، ولأن إيران لا تقع ضمن تلك المنطقة الجغرافية فإن الهجوم المشترك الإسرائيلي الأمريكي على إيران بتلك الكثافة العسكرية، وقتل عددا من قادتها العسكريين، يعني أن حدود الهيمنة الإسرائيلية ستمتد إلى كل مكان ترى فيه مجرد احتمال مستقبلى لتهديد مصالحها، لا فرق في ذلك بين تركيا وباكستان أو حتى إندونيسيا وماليزيا أو الجزائر أو المغرب وغيرها.

إسرائيل وأمريكا لا تريدان وجود أية دولة إسلامية قوية، حتى تقضي على احتمال أن تهدد تلك الدولة وجود إسرائيل -كراعية للمصالح الغربية في المنطقة- مستقبلا، وحفاظا على التفوق الإسرائيلي

ويعنى إدراك ما سبق أنه يجب النظر في الأهداف الحقيقية للهجوم المشترك الإسرائيلي الأمريكي على إيران، رغم تصريح وزير خارجية عُمان التي رعت المفاوضات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة بأن إيران أبدت استعدادها للتخلي عن برنامجها النووي، ورغم ما نشر عن دعوة إيرانية للأمريكيين خلال المفاوضات الأخيرة للاستثمار في إيران، فإسرائيل وأمريكا لا تريدان وجود أية دولة إسلامية قوية، حتى تقضي على احتمال أن تهدد تلك الدولة وجود إسرائيل -كراعية للمصالح الغربية في المنطقة- مستقبلا، وحفاظا على التفوق الإسرائيلي العسكري والتكنولوجي والاقتصادي على كل دول المنطقة بلا استثناء، حتى البترولية منها.

وهكذا فالخطر الأكبر في تصورهم على إسرائيل هو الإسلام الذي يحرك المشاعر ويجمع الصفوف ويوحد الأمة المفككة ويدعوها للاعتماد على الذات، ولهذا أصبح هدف إبعاد المسلمين عن الإسلام أمرا أساسيا منذ عقود، بداية من التدخل في المناهج التعليمية إلى المضمون الثقافي والإسلامي، بل وضرب الشركات التي تنهج نهجا إسلاميا في نشاطها الاقتصادي، وإلى حد إبعاد أبناء من تثور حوله شبهة إلتزام ديني عن الالتحاق بصفوف الجيش في عدد من الدول الإسلامية.

وجاء طوفان الأقصى ليرسخ مخاوفهم حين أمدت الخاضنة الشعبية لسكان غزة المستندة للإسلام؛ المقاومة بالأفراد الذين حلوا محل من استشهدوا، كما صمدت تلك الحاضنة الشعبية أمام كل صنوف الحصار والتجويع والإبادة، بل إن غالبتهم رفضوا الخروج من غزة المكلومة والمحاصرة بعد فتح معبر رفح لخروج الأفراد، كما سعى كثير ممن كانوا خارج غزة إلى العودة إليها رغم استمرار القتل اليومي منذ توقيع ما سُمي زورا بوقف إطلاق النار.

الإسلام الخصم الحقيقي للغرب والشرق

وهكذا فالإسلام هو الخصم الحقيقي لكل من إسرائيل والنظام الأمريكي والنظم الأوروبية بل وروسيا والصين، لذا يجب إدراك تلك الحقيقة ومعرفة موطن القوة والعزة والكرامة لشعوب المنطقة بالتمسك بالإسلام، رغم استمرار الحرب عليه سواء من الدول الغربية والشرقية، أو من خلال الحكام الذين نصّبوهم على بلدان منظمة التعاون الإسلامي السبع والخمسين. وإذا كان أعداء الإسلام لا يفرقون بين سني وشيعي، فكلاهما مسلمان يجب القضاءعليهم، فيجب ألا تفرقنا تلك التقسيمات المذهبية وأن ندرك أن ما أصاب إيران من أضرار عسكرية ومادية هو انتقاص من قدرات العالم الإسلامي، وأنهم إذا أفلحوا في تحجيم برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية فلن تستطيع دولة إسلامية أخرى أن ترد على اعتداء إسرائيل عليها.

فوجود برنامج نووي إيراني هو حق أصيل للشعب الإيراني، ووجود برنامج صاروخي بعيد المدى حق أيضا للشعب الإيراني، مثلما تتغاضى دول الغرب عن البرنامج النووي الإسرائيلي وقدراتها العسكرية المتطورة التي مكنتها من الهجوم على إيران البعيدة عنها جغرافيا مرات عديدة، بل وتستمر في إمدادها بأحدث الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية رغم ما تقوم به من إبادة جماعية، ومن قبلها الهجوم على العراق وعلى العديد من الدول العربية كتونس ومصر واليمن والأردن وسوريا ولبنان.

لذا يجب أن تشغلنا جذور القضية أكثر من تداعياتها الحالية من آثار الحرب الحالية التي تسعى لتغيير النظام الإيراني واستبداله بنظام موال للغرب، مثلما فعلوا عام 1953 باستبدال رئيس الوزراء الإيراني مصدق من خلال المخابرات البريطانية والأمريكية، بإعادة الشاه الذي استمر بالحكم حتى 1979 كشرطي للغرب في المنطقة.

حسم الأمور في إيران لا يتحقق بقتل القادة

وتوقعاتنا ألا تُحسم الأمور للقوى الغربية في إيران خلال الحرب الحالية بتغيير النظام، حيث لا يتم تغيير النظم بالقصف الجوي، ويحتاج الأمر لتدخل بري مكثف تعجز عنه القدرات الإسرائيلية وتخشاه الأمريكية، وحيث توحد المحنة الشعوب أمام المعتدين، ولن يصدق الإيرانيون المزاعم الأمريكية لمساعدتهم على التحرر وهم يشاهدون جثثت تلميذات مدرسة الشجرة الطيبة الابتدائية في مدينة ميناب، وسيجعل الكثيرون خامئني وعددا من قيادات الجيش والحرس الثورى رموزا ضحت من أجل عقيدتها، وسيقتدون بهم للسير على نفس النهج وبذل الجهد والنفس للحاق بهم.

وها هي التجارب الأخيرة تؤكد ذلك من خلال التغلب على الفراغ الذي نجم عن مقتل الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي في حادث طائرة مُدبر، ومقتل عدد كبير من قادة الجيش في حرب حزيران/ يونيو الماضي وإحلال غيرهم لإكمال المسيرة، بل إن الهجوم على إيران في حزيران/ يونيو قد وحد الأمة بما فيها المعارضة الإيرانية في الداخل.

على الشعوب الإسلامية أن تتعلم من المحن المتكررة التي تمر بها، وتعرف خصومها الحقيقيين ومساعيهم لإضعاف الأمة الإسلامية وجعلها تابعة مفككة خانعة

على الشعوب الإسلامية أن تتعلم من المحن المتكررة التي تمر بها، وتعرف خصومها الحقيقيين ومساعيهم لإضعاف الأمة الإسلامية وجعلها تابعة مفككة خانعة، ومن تلك الدروس ما جرى لنجم الدين أربكان في تركيا وغيره من القادة، ولصدام حسين في العراق، وما جرى لمحمد مرسى وللإخوان المسلمين في مصر، ولعمران خان في باكستان، ولغيرهم من العشرات من القادة في أنحاء العالم الإسلامي، وما يحدث من إشعال الحروب بين الدول الإسلامية كالحرب الحالية بين باكستان وأفغانستان والحروب الأهلية في كل من السودان وليبيا وسوريا ولبنان والصومال وغيرها.

فالصراع طويل الأمد، وتضرر وإضعاف البلدان الإسلامية اقتصاديا وعسكريا وفكريا واجتماعيا بلغ مراتب خطيرة، ولن يتم الخروج من تلك الكبوة السحيقة للعالم الإسلامي إلا بجهد كبير متعدد المجالات على مدى العقود المقبلة، فهذا صراع وجودي مستمر لأجيال ولن يسمح الغرب والشرق لنا بالحركة لتغيير واقعنا المؤلم، لكن الرباط الإسلامي الذي يجمعنا يمكن أن يكون أساسا يوحدنا للسير المتدرج نحو الخروج من تلك الكبوة التي نمر بها، مدركين خلال سعينا أنهم قد جندوا من الحكام الذين سيتصدون لأي ملمح إسلامي، وجندوا من الأتباع من المسلمين شكلا الذين سيثبطون حركتنا في كل المجالات حتى الإعلامية والفكرية، ولو مجرد الدعوة لمقاطعة منتجات وخدمات الدول المعادية للمسلمين.

لكن دين الله غالب ولو كره المنافقون وكل أعداء الله، فهذا الدين به من الطاقات الخفية التي مكنت نفرا من رعاة الغنم من التغلب على الفرس والروم، القوتين العظميين في زمانهما، لذا علينا المحاولة والتوحد والصبر والتحمل، فالمشوار طويل وشاق تتناقله الأجيال المتتالية لاستعادة ما ضاع من أمجاد وثروات وعزة وكرامة.

x.com/mamdouh_alwaly
التعليقات (0)