اغتيال خامنئي يغير مسار حرب ترامب ونتنياهو على إيران

حلمي الأسمر
"اغتيال علي خامنئي إذن لم يكن فصلا عابرا في حرب قائمة، بل لحظة أعادت تشكيل المشهد كله"- إرنا
"اغتيال علي خامنئي إذن لم يكن فصلا عابرا في حرب قائمة، بل لحظة أعادت تشكيل المشهد كله"- إرنا
شارك الخبر
لم تعد الحرب على إيران كما كانت قبل اغتيال علي خامنئي، لم يكن الحدث مجرد ضربة عسكرية عالية المستوى، بل لحظة فاصلة نقلت الصراع من مستوى "إعادة الردع" إلى مستوى "كسر النظام في رمزه الأعلى". ومع هذا التحول، تغيّرت طبيعة المعركة، وارتفع السقف إلى حدّ لم يعد يسمح بعودة سهلة إلى منطق الضبط المحدود أو الرسائل التكتيكية.

قبل الاغتيال، كان يمكن قراءة المشهد بوصفه تقاطعا بين نزعة دونالد ترامب الصدامية، التي ترى في القوة أداة لصناعة صفقة كبرى، وبين حاجة بنيامين نتنياهو إلى تعويض هزيمة السابع من أكتوبر عبر استعادة صورة الردع الإسرائيلي وصناعة نصر "مبهر" يعوض عن فقدان النصر "الكامل" في غزة. كانت الضربات يمكن أن تُفهم كوسائل ضغط ضمن معادلة تصعيد يمكن إدارتها، أما بعد استهداف رأس النظام الإيراني، فقد تحوّلت الحرب إلى مواجهة وجودية مفتوحة، لأن الذي سقط لم يكن قائدا عسكريا عابرا، بل المرجعية الدينية والسياسية التي شكّلت عمود النظام طوال عقود، بل إنها تخص أكثر من مائتي مليون مسلم من المذهب الشيعي، يرون خامنئي باعتباره الولي الفقيه ومرجعهم الديني الأعلى، الذي ينوب عن الإمام الغائب. كما يخص هذا الاغتيال عددا غير قليل من مسلمي العالم من المذهب السني، حيث يعتبر اغتيال خامنئي، كما اغتيال قادة المقاومة الفلسطينية وحسن نصر الله زعيم حزب الله، عملية "إهانة" بالغة للشخصية الإسلامية سواء كانت سنية أم شيعية، وتعبيرا عن مدى تغول وتوحش القوة الصهيونية المدعومة بتوحش أمريكي أكبر.

النظام الذي يُصاب في رمزه الأعلى لا يملك ترف الرد المحدود؛ الرد المحدود يُقرأ ضعفا، والتردد يُقرأ انهيارا. لذلك اتجهت طهران إلى تصعيد واسع، مباشر وغير مباشر (وإن كان أقل من المتوقع حتى الآن!)، يهدف إلى إعادة تثبيت الهيبة قبل أي اعتبار آخر

اغتيال خامنئي أصاب البنية الرمزية للنظام في مقتل قبل أن يصيبه سياسيا، فالرجل لم يكن فقط صاحب القرار الأعلى، بل كان رمز الاستمرارية والمرجعية، والمرتكز الذي تدور حوله شرعية النظام. وحين يُستهدف هذا الرمز، لا يكون الرد مجرد حساب بارد للخسائر، بل دفاعا عن الكيان نفسه. لذلك بدا أن الرد الإيراني اتخذ طابعا أكثر حدّة، ليس بوصفه انفعالا عاطفيا، بل بوصفه ضرورة داخلية لإثبات أن النظام لم يُكسر، وأن "دم المرشد" لن يمر بلا ثمن.

في هذا السياق، تتقاطع حسابات ترامب ونتنياهو على نحو أكثر خطورة، فكلاهما يؤمن بأن كسر السقف هو الطريق الأسرع لفرض واقع جديد. ترامب، الذي صاغ فلسفته السياسية على قاعدة "ارفع السقف ثم فاوض من موقع القوة"، رأى في الضربة الكبرى وسيلة لإعادة تعريف التوازن مع طهران. ونتنياهو، المثقل بظل هزيمة السابع من أكتوبر، رأى في استهداف رأس النظام الإيراني فرصة لتحويل مسار التاريخ الشخصي والسياسي: من رئيس اهتزت صورته الأمنية، إلى قائد وجّه الضربة الأشد لخصمه الاستراتيجي!

لكن ما بدا في لحظة القرار كذروة للحسم، تحوّل سريعا إلى بوابة تصعيد غير مسبوق، فالنظام الذي يُصاب في رمزه الأعلى لا يملك ترف الرد المحدود؛ الرد المحدود يُقرأ ضعفا، والتردد يُقرأ انهيارا. لذلك اتجهت طهران إلى تصعيد واسع، مباشر وغير مباشر (وإن كان أقل من المتوقع حتى الآن!)، يهدف إلى إعادة تثبيت الهيبة قبل أي اعتبار آخر. لم يعد الهدف فقط إيلام إسرائيل أو الضغط على الولايات المتحدة، بل إعادة تعريف الصراع باعتباره ثأرا وجوديا لا معركة حدود.

وهكذا خرجت الحرب من منطق "إدارة الصراع" إلى منطق "إدارة الفوضى". قبل الاغتيال، كان يمكن تصور انتقال سريع من النار إلى طاولة تفاوض، مع إعلان نصر سياسي هنا أو هناك. أما بعده، فقد أصبح الانتقال إلى التهدئة أكثر تعقيدا، لأن كل طرف بات أسير صورته؛ ترامب لا يستطيع أن يبدو متراجعا بعد ضربة بهذا الحجم، ونتنياهو لا يستطيع التفريط بلحظة يعتبرها تعويضا استراتيجيا، وإيران لا تستطيع القبول بواقع يُظهرها كمن ضُرب في قلبه ثم اكتفى بردّ رمزي.

المشهد الأكثر بؤسا اليوم هو وقوف كتلة "النظام العربي الرسمي" بكل حجمها الكبير وتأثيرها الخطير، موقف المشاهد العاجز الذي يتلقى الضربات وتستعمل مقدراته كلها في خدمة حروب الآخرين، حروب لا ناقة لها فيها ولا بعير

المفارقة أن التشابه بين ترامب ونتنياهو -في نزعة الحسم، وفي تقديس صورة "الرجل القوي"، وفي الميل إلى رفع السقف- قد يدفعهما إلى سباق تصعيد لا يريد فيه أي منهما أن يبدو أقل صلابة من الآخر. لكن الحرب، بخلاف الصفقات السياسية، لا تنتهي دائما عند النقطة التي يرسمها أصحابها. فهي تتكاثر في مسارات غير متوقعة، وتتسع بتأثير ردود الفعل، وقد تفرض إيقاعها الخاص على من ظنّوا أنهم يمسكون بخيوطها.

اغتيال علي خامنئي إذن لم يكن فصلا عابرا في حرب قائمة، بل لحظة أعادت تشكيل المشهد كله، لقد حوّل الصراع من محاولة لإعادة رسم الردع إلى مواجهة تمسّ جوهر الأنظمة وصورتها أمام شعوبها. وفي هذه اللحظة، لم يعد السؤال من يملك القوة الأكبر فقط، بل من يستطيع تحمّل كلفة السير حتى النهاية.

المنطقة اليوم تقف أمام معادلة شديدة الخطورة: ضربة قصوى ولّدت ردا أقصى، وتحالف نار يقابله ثأر وجودي، وبين هذين الحدّين يتحدد مستقبل شرق أوسط قد يخرج من هذه الحرب بخرائط جديدة.. أو بجرح مفتوح يصعب التئامه لعقود طويلة.

المشهد الأكثر بؤسا اليوم هو وقوف كتلة "النظام العربي الرسمي" بكل حجمها الكبير وتأثيرها الخطير، موقف المشاهد العاجز الذي يتلقى الضربات وتستعمل مقدراته كلها في خدمة حروب الآخرين، حروب لا ناقة لها فيها ولا بعير، فيما تقف موقف العاجز وربما المتواطئ حيال حرب كانت على الدوام المفردة الأكثر استعمالا في الإعلام العربي لعقود، وهي حرب تحرير فلسطين، قبل أن تختفي تماما وتحل محلها مصطلحات بالغة الميوعة من قبيل الدعوة إلى "خفض مستوى الصراع!" و"حل الصراعات بالطرق السلمية!"، وغيرها مما يحفل به قاموس السياسة العربية الرسمية، وأخيرا وليس آخرا: مالنا ولفلسطين؟ وصولا إلى ملاحقة كل من يقاوم الاحتلال وربما اعتقاله بل تسلميه للعدو واتهامه بالإرهاب!!
التعليقات (0)

خبر عاجل