نظام الطيبات.. لماذا أغرم به البعض واستفزّ آخرين؟

حلمي الأسمر
الطب الحديث بارع بصورة مذهلة في التعامل مع الطوارئ وإنقاذ المرضى من الموت، لكنه لا يستطيع وحده أن يفسر لماذا تستمر الأمراض "المزمنة" في التوسع رغم كل هذا التقدم.
الطب الحديث بارع بصورة مذهلة في التعامل مع الطوارئ وإنقاذ المرضى من الموت، لكنه لا يستطيع وحده أن يفسر لماذا تستمر الأمراض "المزمنة" في التوسع رغم كل هذا التقدم.
شارك الخبر
كيف تحوّل نظام غذائي بسيط إلى أحد أكثر القضايا الصحية إثارة للجدل في العالم العربي؟

تخيّل أنك أخبرت إنسانًا قبل مئة عام أن حبة بطاطا (أو صحن أرز مثلا!) قد تساعد بعض الناس على استعادة صحتهم. غالبًا لن يستغرب كثيرًا، فالبشر عاشوا آلاف السنين وهم يرون الطعام جزءًا من الحياة وجزءًا من الشفاء في الوقت نفسه. لكن جرّب أن تقول الشيء ذاته اليوم، في عصر المختبرات العملاقة والمستشفيات الذكية وشركات الدواء العابرة للقارات، وستجد نفسك متهمًا بالشعبوية أو الجهل أو الترويج للخرافة والهرطقة العلمية. والسؤال الذي يستحق التأمل ليس إن كانت البطاطا تشفي أم لا، ولا إن كان الأرز دواءً أم مجرد طعام، بل كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الإيمان بحبة دواء أكثر عقلانية من الإيمان بطبق طعام، وكيف أصبحنا نثق بأن الشفاء في الصيدلية وليس في المطبخ؟

إن العالم نفسه يشهد انفجارًا غير مسبوق في الأمراض التي يسميها الطب الحديث "مزمنة!" علما بأنه لم يعرف حتى الآن سببها، ولذا فهو يتعامل معها بعقلية إدارة المرض والسيطرة على أعراضه لا الشفاء منه؛ فالسكري والسمنة وارتفاع الضغط وأمراض القلب واضطرابات المناعة والقولون والاكتئاب والسرطان أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لمئات الملايين من البشر وجلها أو كلها مجهولة السبب حسب اعتراف الأطباء.
نحن نعيش في أكثر العصور تقدمًا من الناحية الطبية في تاريخ البشرية. لم يمتلك الإنسان يومًا هذا العدد الهائل من الأطباء والمستشفيات والأجهزة التشخيصية والعقاقير المتطورة. ينفق العالم اليوم أكثر من عشرة تريليونات دولار سنويًا على الصحة، وتقترب قيمة سوق الدواء العالمية من تريليوني دولار، وتُضخ مئات المليارات في الأجهزة والمستلزمات الطبية ومراكز الأبحاث وشركات التكنولوجيا الحيوية.

ومع ذلك، فإن العالم نفسه يشهد انفجارًا غير مسبوق في الأمراض التي يسميها الطب الحديث "مزمنة!" علما بأنه لم يعرف حتى الآن سببها، ولذا فهو يتعامل معها بعقلية إدارة المرض والسيطرة على أعراضه لا الشفاء منه؛ فالسكري والسمنة وارتفاع الضغط وأمراض القلب واضطرابات المناعة والقولون والاكتئاب والسرطان أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لمئات الملايين من البشر وجلها أو كلها مجهولة السبب حسب اعتراف الأطباء.

وهنا تبرز مفارقة يصعب تجاهلها: إذا كنا نعيش العصر الذهبي للطب، فلماذا يبدو أننا نعيش أيضًا العصر الذهبي للمرض؟ هل هناك سر في الأمر؟ أهي مؤامرة كونية لاستعباد المريض لحبة الدواء كي يبقى طيلة حياته ملزما بدفع "اشتراك شهري" لمنتجي أدوية الأمراض "المزمنة"؟ أم أن هناك عنصرا خطرا في المشهد يجعل كل من يقترب من فهمه خطرا على استثمارات بمليارات الدولارت؟

هذا السؤال هو الذي منح الجدل حول نظام الطيبات للدكتور ضياء العوضي رحمه الله كل هذه الحرارة. فالرجل لم يأتِ بعقار جديد، ولم يكتشف عضوًا مجهولًا في جسم الإنسان، ولم يقدّم معادلة سحرية لإطالة العمر. كل ما فعله أنه أعاد طرح سؤال قديم بلغة جديدة: ماذا لو كانت بعض الأمراض التي نعدّها اليوم قدرًا محتومًا مرتبطة بالطريقة التي نأكل بها أكثر مما نتصور؟ وماذا لو كان جزء من الحل (وربما كله) موجودًا في المطبخ قبل أن يكون موجودًا في الصيدلية؟

ولأن السؤال كان كبيرًا ومزعجًا، جاءت ردود الفعل متطرفة بالقدر نفسه. فريق رأى فيه ثورة صحية تعيد الاعتبار لحكمة الجسد وقدرته على التعافي، وذهب أكثر من هذا، حين تحول محبو العوضي والمؤمنون به إلى "طائفة!" عقائدية متعصبة لا تطيق نقده أو رميه ولو بوردة، وفريق آخر اعتبره تبسيطًا مخلًا لمشكلات معقدة لا يمكن حلها بطبق أرز أو حبة بطاطا. بل إنه تحول إلى رمز للسخرية لدي كثيرين، فسمى نظامه نظام النوتيلا، وصاحب نظرية: تناولوا نصف كيلو من السكر(!) والأخطر من كل هذا رأينا مئات الفيديوهات التي يعلن أصحابها على منصات الإعلام الشعبي أنهم تعافوا من أمراض مستعصية فور تطبيقهم لنظام الطيبات، ويقابلهم في هذا من يسرد حالات وفاة أو انهيار صحي خطير تسبب فيها النظام، لكن المدهش أن الفكرة التي أثارت كل هذا الجدل ليست جديدة أصلًا.

 ففي عام 1939، وبينما كانت خيارات علاج ارتفاع ضغط الدم الخبيث والفشل الكلوي وقصور القلب محدودة للغاية، كان الطبيب الأمريكي والتر كيمبنر في جامعة ديوك يحقق نتائج أذهلت المجتمع الطبي من خلال نظام غذائي بسيط قائم أساسًا على الأرز والفواكه مع خفض شديد للملح والدهون. لم يكن الرجل مؤثرًا على وسائل التواصل الاجتماعي، ولم يكن يبيع مكملات غذائية أو دورات تدريبية، بل كان أستاذًا في واحدة من أعرق الجامعات الأمريكية. ومع ذلك فقد شهد مرضاه تحسنًا ملحوظًا في ضغط الدم ووظائف الكلى وحجم القلب وضبط السكر والوزن، ودخلت تجربته التاريخ الطبي باعتبارها واحدة من أكثر التجارب الغذائية إثارة للجدل والاهتمام.

وبعد عقود جاء الطبيب الأمريكي جون ماكدوغال ليطرح سؤالًا لا يقل إحراجًا: إذا كانت البطاطا والأرز والذرة والشوفان قد شكلت عبر التاريخ الغذاء الأساسي لشعوب كاملة، فكيف تحولت فجأة إلى متهمين على موائدنا الحديثة؟ وكيف أصبح الإنسان الذي عاش أجداده قرونًا على هذه الأطعمة يخاف منها أكثر مما يخاف من المنتجات فائقة التصنيع التي لم يعرفها أي جيل سابق؟ لم يكن ماكدوغال يدافع عن البطاطا بوصفها معجزة، بل كان يذكّر العالم بحقيقة بسيطة: أن كثيرًا من الأمراض الحديثة لم تظهر في الفراغ، بل ظهرت بالتوازي مع التحول الجذري في طبيعة الغذاء نفسه، وفي الحقيقة كان لي تجربة شخصية مع حمية البطاطا فقد طبقتها قبل سنوات لضبط وزني، حتى أن أحد الأصدقاء الصحفيين ظل يدعوني لسنوات بأبي البطاطا، لكثرة ما كان يراني آكل البطاطا!

وهنا ربما نقترب من جوهر المشكلة. فالقصة ليست قصة الأرز ولا البطاطا ولا حتى نظام الطيبات. القصة أن الإنسان المعاصر يعيش داخل أكبر تجربة غذائية في تاريخ البشرية دون أن يشعر. آلاف المواد المضافة، ومئات المنكهات والمثبتات والمحسنات، وزيوت صناعية لم يعرفها أجدادنا، وسكريات فائقة التركيز، وأطعمة مصنعة لا تشبه أصلها الطبيعي إلا بالاسم. ثم نقف بعد ذلك أمام الارتفاع المتواصل في معدلات الأمراض ونتساءل بدهشة: لماذا يمرض الناس أكثر من أي وقت مضى؟

والأكثر غرابة أننا أصبحنا نتعامل مع الطعام الطبيعي وكأنه المتهم الذي يجب أن يثبت براءته، بينما لا يثير استغرابنا أن يقضي إنسان نصف عمره متنقلًا بين العيادات والصيدليات. ويحمل في حقيبته حيثما حل "صرة" من الأدوية، بل يندر أن تجد إنسانا اليوم تجاوز الثلاثين لا يتناول يوميا قرصا أو أكثر من الأدوية والمكلمات الغذائية (وتلك قصة أخرى!) لقد اعتدنا رؤية المرض إلى درجة أننا بدأنا نعتبره جزءًا طبيعيًا من التقدم. بل إن كثيرًا من الناس باتوا يعتقدون أن الشيخوخة تعني بالضرورة قائمة طويلة من الأدوية، وأن الصحة استثناء مؤقت لا أكثر.

هناك من رأى في الطعام علاجًا لكل شيء، وهناك من تعامل مع أي حديث عن دور الغذاء في التعافي باعتباره ضربًا من الشعبوية. وبين هذين الطرفين ضاعت منطقة واسعة من الحقيقة. فليس هناك دليل علمي معتبر ومجرب يثبت أن نظام الطيبات أو أي نظام غذائي آخر يشفي جميع الأمراض، كما أنه لا يوجد ما يبرر السخرية من فكرة أن تحسين الغذاء ونمط الحياة قد يؤدي إلى تحسنات صحية كبيرة ومؤثرة لدى كثير من الناس.
ولكي نكون منصفين، فإن الطب الحديث ليس خصمًا مطلقا في هذه القصة. فاللقاحات والمضادات الحيوية والجراحات الدقيقة وزراعة الأعضاء وتقنيات التصوير المتقدمة أنقذت ملايين الأرواح ولا يستطيع عاقل إنكار ذلك. لكن المشكلة تبدأ عندما نخلط بين إنقاذ الحياة وصناعة الصحة، بين رسالة الطب السامية وبين شهوة وجشع المستثمرين،. فالطب الحديث بارع بصورة مذهلة في التعامل مع الطوارئ وإنقاذ المرضى من الموت، لكنه لا يستطيع وحده أن يفسر لماذا تستمر الأمراض "المزمنة" في التوسع رغم كل هذا التقدم. وهنا يعود الغذاء ونمط الحياة والنوم والحركة والضغوط النفسية إلى الواجهة بوصفها عناصر لا تقل أهمية عن الدواء نفسه.

ولعل من أكثر المفارقات إثارة أن جائزة نوبل في الطب عام 2016 ذهبت إلى العالم الياباني يوشينوري أوسومي بسبب أبحاثه حول الالتهام الذاتي عن طريق الصوم، وهو عنصر أساس في نظام الطيبات، وهي الآلية التي تقوم فيها الخلايا بتنظيف نفسها والتخلص من مكوناتها التالفة وإعادة تدويرها. فجأة عاد العلم ليتحدث بلغة بدت مألوفة للكثيرين ممن آمنوا طويلًا بقدرة الجسم على الإصلاح الذاتي. لم يعد الجسد يُنظر إليه بوصفه آلة معطلة تحتاج دائمًا إلى تدخل خارجي، بل منظومة ذكية تمتلك أدواتها الخاصة في التجدد والصيانة إذا توافرت لها الظروف المناسبة. وهنا تلتقي أبحاث أوسومي مع أفكار أطباء وباحثين كثر، من والتر كيمبنر إلى جون ماكدوغال، ومن الدكتور محمد العبيدي إلى الدكتور ضياء العوضي، رغم اختلاف المدارس والمناهج والأزمان.

غير أن المشكلة الحقيقية أن بعض الناس حوّلوا هذه الفكرة إلى عقيدة، بينما حوّلها آخرون إلى تهمة. فهناك من رأى في الطعام علاجًا لكل شيء، وهناك من تعامل مع أي حديث عن دور الغذاء في التعافي باعتباره ضربًا من الشعبوية. وبين هذين الطرفين ضاعت منطقة واسعة من الحقيقة. فليس هناك دليل علمي معتبر ومجرب يثبت أن نظام الطيبات أو أي نظام غذائي آخر يشفي جميع الأمراض، كما أنه لا يوجد ما يبرر السخرية من فكرة أن تحسين الغذاء ونمط الحياة قد يؤدي إلى تحسنات صحية كبيرة ومؤثرة لدى كثير من الناس.

وربما لهذا السبب لم يكن الجدل حول ضياء العوضي في جوهره جدلًا حول الأرز أو البطاطا أو اللحوم أو الخضروات أو النوتيلا والسكر. لقد كان جدلًا حول شيء أعمق بكثير: حول الطريقة التي نفهم بها الصحة نفسها. لقد تعود الإنسان الحديث أن يثق بحبة الدواء أكثر مما يثق بخلاياه، وبالوصفة الطبية أكثر مما يثق بقدرته على التغيير، وبالصيدليات أكثر مما يثق بالمطبخ. ولذلك لم يكن السؤال الذي طرحه العوضي مزعجًا لأنه يتعلق بالطعام، بل لأنه أعاد فتح ملف ظل مغلقًا لعقود: ماذا لو كانت بعض الأمراض التي ننفق المليارات لإدارتها تبدأ أصلًا من الأشياء التي نضعها في أفواهنا كل يوم؟

هذا السؤال لا يعني أن الطعام سيغني عن الطب، ولا أن الأدوية مؤامرة بحتة، ولا أن كل مريض يستطيع التخلي عن علاجه والاعتماد على نظام غذائي معين. لكنه يعني شيئًا أكثر أهمية وربما أكثر إزعاجًا: أننا قد نكون أصبحنا بارعين جدًا في علاج المرض (أو بالأحرى  إدارته!)، إلى درجة أننا نسينا كيف نصنع الصحة، ونزيد قائمة الأدوية التي نتناولها بشكل يومي وطيلة العمر، مع أننا لا نشفى بل نزداد مرضا، والغريب هنا واللافت، أن كثيرا من الأدوية تعالج أو تتعامل مع عرض لمرض ما، فيما تسبب أمراضا أخرى يسميها الأطباء وشركات الأدوية: "أعراضا جانبية!"، وغالبا ما يكتب الطبيب دواء للسيطرة على هذه الأعراض الجانبية(!) فنأخذ دواء للسيطرة على المرض، ودواء آخر للمرض الذي يسببه الدواء المفترض فيها أن يشفيني!

قبل أن نرفض أطروحة ضياء العوضي، فليحاكمها ثلة محكمة من العلماء وليخضعوها للتجربة السريرية العلمية تمام كما تفعل الأبحاث الصيدلانية من الأدوية والعقاقير الجديدة، فربما يكون فيها شفاء فعليا لكثير من الأمراض المستعصية، وإن ثبت عكس هذا، فسيكون ردا مفحما على من اعتبروه "مخلصا" ومنقذا لهم من الاستعباد لحبة الدواء طيلة حياتهم.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)