نحن لا نعيش مرحلة عادية، ولا حتى أزمة بالمعنى التقليدي
الذي اعتدنا عليه في قراءة التاريخ السياسي. ما نعيشه اليوم هو لحظة أكثر خطورة
وتعقيدا: لحظة بداية ليست بداية واحدة يمكن الإحاطة بها أو تحديد ملامحها بسهولة،
بل سلسلة بدايات متزامنة، تتفجر في وقت واحد، كأن العالم قرر فجأة أن يعيد كتابة
نفسه؛ لا عبر إعلان نهايات صاخبة، بل عبر تمزيق المسلّمات التي حكمته لعقود طويلة
دون أن تُمس. والمذهل هنا أن المحللين والكتاب الذين كانوا يتفاخرون بقراءة
"الممحي" بدوا عاجزين اليوم عن قراءة المكتوب نفسه، لعمق تعقيد الأحداث
وتسارعها، على نحو غير مسبوق في التاريخ البشري. ومع هذا بوسعنا رصد جملة من
البدايات الكبرى التي تعين ولو بشكل جزئي على تخيل صورة العالم الذي سيتشكل بعد أن
ينحسر غبار الحدث، بل الأحداث الكبرى التي نعيشها.
في فلسطين، لا نشهد تحولا عسكريا فحسب، بل تحولا عميقا في
الإدراك العالمي. الرواية التي صمدت لعقود، وتغلغلت في الوعي الغربي على وجه
الخصوص، لم تعد صلبة كما كانت. ما كان يُعتبر من المسلمات، أصبح اليوم موضع نقاش،
بل ورفض. الجامعات الأمريكية التي شكلت لعقود حواضن صلبة للدفاع عن
إسرائيل، تتحول
إلى ساحات احتجاج، والإعلام الذي ظل يردد خطابا واحدا، بدأ -ولو ببطء- يتشقق. وحين
يخرج صوت من داخل النخبة الإسرائيلية، كصوت الكاتب العبري نداف إيال، متسائلا
بمرارة إن كانت إسرائيل بدأت تخسر أمريكا، فإن هذا السؤال لا يمكن قراءته بوصفه
رأيا فرديا، بل بوصفه مؤشرا على بداية تآكل الغطاء الأخلاقي، وهو أخطر ما يمكن أن
تخسره أي دولة، لأن الدول لا تُهزم فقط حين تُكسر عسكريا، بل حين تنهار الرواية
التي تبرر وجودها.
في قطاع
غزة، تتجلى المفارقة الأكثر قسوة في هذا العصر؛ قوة
عسكرية هائلة، تُصنف ضمن الأكثر تفوقا في العالم، تُستخدم بأقصى درجاتها، وتخلّف
دمارا واسعا وكلفة إنسانية صادمة، ومع ذلك لا يتحقق الحسم. هنا لا تكمن الصدمة في
حجم القوة المستخدمة، بل في عجزها عن تحقيق الهدف السياسي. هذه هي نقطة التحول
الكبرى: لم تعد المشكلة في ضعف القوة، بل في أن القوة نفسها لم تعد كافية.
فالمقاومة لم تعد تُقاس بما تملك من أدوات، بل بقدرتها على منع الحسم، وعلى
الاستمرار رغم كل شيء، وهذا في منطق الحروب الحديثة ليس مجرد صمود، بل هو شكل جديد
من أشكال الانتصار، حتى وإن كان مرا!
تعود فلسطين إلى مركز العالم، ليس كملف سياسي قابل للإدارة،
بل كقضية أخلاقية وسياسية لا يمكن تجاوزها. لم تعد مجرد صراع على الأرض، بل أصبحت
مرآة يرى العالم نفسه فيها، بتناقضاته وحدوده. المقاومة، في هذا السياق، لم تعد
مجرد فعل عسكري، بل تحولت إلى عنصر يعيد تعريف الصراع نفسه، ويكسر وهم الحسم
السريع.
داخل المستعمرة الصهيونية في فلسطين نفسها، لم تعد الأزمة
محصورة في السياسة أو في إدارة الحرب، بل تحولت إلى أزمة أعمق تمس البنية
الداخلية: أزمة ثقة، وأزمة هوية، وأزمة يقين. جيش قيل إنه لا يُقهر يجد نفسه أمام
واقع لا يمكن السيطرة عليه بسهولة، ومؤسسات كانت تبدو راسخة أصبحت موضع شك وتساؤل.
ما كان يُدار في الغرف المغلقة أصبح يُكتب يوميا في الصحف العبرية: خوف من تآكل
الردع، وقلق من طول أمد الحرب، وجبهات مفتوحة بلا حسم هنا وهناك، وهواجس من مستقبل
لم يعد يشبه الماضي. هذه ليست لحظة انهيار، لكنها بداية أخطر بكثير: بداية شك
الدولة بنفسها، والدول لا تسقط فقط حين تُهزم، بل حين تفقد ثقتها بذاتها.
لم تعد الحرب تُدار في الميدان فقط، بل أصبحت تُخاض أمام
العالم مباشرة. مع صعود منصات التواصل الاجتماعي، لم يعد احتكار الصورة أو التحكم
في الرواية مقصورا على المنصات "الرسمية"؛ الصور لم تعد تُخفى،
والروايات الرسمية لم تعد كافية لإقناع الرأي العام. تقارير منظمات مثل هيومن
رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، إلى جانب الاحتجاجات المتزايدة في العواصم
الغربية، تشير إلى تحول أعمق: الصورة التي بُنيت عبر عقود لم تعد تعمل كما كانت،
بل بدأت تتآكل تحت ضغط الواقع المنقول لحظة بلحظة، بل إن منصات الإعلام الشعبي
نافست منصات الإعلام المحترف في نقل الحدث بصورة أكثر سرعة وبدون أي عمليات
"مونتاج" أن تجميل، وما يخفيه الرسميون فضحه الشعبيون!
في الخليج العربي لا تُعلن التحولات بصوت مرتفع، لكنها تحدث
بوضوح لمن يقرأ ما وراء السطور. لم يعد الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة خيارا
مطلقا، بل بدأت دول المنطقة في إعادة حساباتها، عبر تنويع الحلفاء وتوزيع المخاطر.
لا أحد يعلن القطيعة، لكن الجميع يعيد التموضع بهدوء، وهذه في حد ذاتها بداية تحول
استراتيجي عميق.
في العالم العربي لم يعد الشارع كما كان، لم يعد يكتفي
بتلقي الروايات الرسمية، بل أصبح يرى ويقارن ويسأل. والسؤال هنا أخطر من الاحتجاج،
لأنه يعكس بداية تآكل الهيبة المعنوية للأنظمة. لم تعد الشرعية تُفرض بالصمت، بل
أصبحت بحاجة إلى إقناع، ومع كل مشهد يُبث من ميادين الصراع، تتسع الفجوة بين
الخطاب والواقع.
أما في
إيران، فتكشف التجربة مفارقة تاريخية لافتة؛ فبدل أن
يؤدي الضغط الخارجي إلى إضعافها، ساهم في إعادة ترتيب تماسكها الداخلي وتعزيز
حضورها الإقليمي. من مضيق هرمز إلى عمق الإقليم، تثبت إيران أنها لاعب لا يمكن
تجاوزه، وأن محاولات احتوائها لم تؤدِّ إلى إقصائها، بل إلى إعادة تشكيل دورها.
ووسط كل هذا المشهد المعقد، تتكشف حدود القوة العسكرية الأمريكية نفسها، ليس عبر هزيمة
مباشرة، بل عبر عجز متكرر عن فرض الحسم. فالتجارب الممتدة من حرب العراق إلى الحرب
في أفغانستان، وصولا إلى الاشتباك المتوحش مع إيران، تشير إلى نمط واحد: قدرة
هائلة على التدمير، مقابل صعوبة متزايدة في فرض نتائج سياسية نهائية. لم تعد القوة
الأمريكية قادرة على انتزاع "الراية البيضاء" كما في حروب سابقة، بل تجد
نفسها أمام خصوم يعتمدون على الصمود، وتفكيك المعركة إلى مساحات استنزاف طويلة.
وهذه المفارقة أعادت إنتاج نفسها في قطاع غزة، حيث لم ينجح التفوق العسكري
الإسرائيلي -رغم امتداده وتكلفته الهائلة- في كسر إرادة المقاومة أو فرض استسلام
كامل. هنا يتقاطع المشهدان: قوتان من الأكثر تفوقا في العالم، تواجهان الحقيقة
نفسها؛ أن الحسم العسكري لم يعد كما كان، وأن القوة، مهما بلغت، لم تعد كافية
وحدها لإخضاع الخصم أو إنهاء الصراع.
العالم اليوم ليس في حالة فوضى كما يبدو، بل في حالة مخاض
لنظام جديد. لم يعد القطب الواحد قادرا على إدارة التوازنات، ولم تتشكل بعد قواعد
نظام متعدد المراكز. نحن في مرحلة انتقالية، تتفكك فيها التحالفات القديمة، وتتشكل
فيها ملامح قوى جديدة، دون أن يستقر المشهد بعد
ثمة وعي جديد يتشكل في العالم العربي وخارجه، لم يعد الناس
متلقين سلبيين، بل أصبحوا جزءا من صناعة الرواية، ومن التأثير في مسار الأحداث.
هذه هي النقلة الأخطر: انتقال القوة من يد واحدة إلى وعي جماعي متحرك، يصعب
السيطرة عليه أو احتواؤه بالوسائل التقليدية.
في المحصلة، هذه ليست نهايات كما قد يظن البعض، بل بدايات
قاسية لعالم مختلف؛ عالم لم تعد فيه القوة وحدها كافية، ولم تعد فيه الرواية
مضمونة، ولم يعد فيه الحسم ممكنا كما كان. في زمن التحولات الكبرى لا تسقط القوى
لأنها ضعيفة، بل لأنها تكتشف متأخرة أن العالم الذي صنعت فيه قوتها قد تغيّر.
والسؤال الذي سيحدد ملامح المرحلة القادمة ليس من الأقوى، بل من يفهم أن قواعد
القوة نفسها قد انتهت.. قبل أن تنتهي به.
وفي قلب هذا التحول المتسارع، يبرز تصريح لافت للزعيم
الألماني فريدريش ميرتس كعلامة دالة لا يمكن تجاهلها؛ إذ لم يكن مجرد تعليق عابر
على مسار تفاوضي متعثر، بل هو تعبير مكثّف عن حالة قلق أوروبي آخذة في التفاقم؛
حين يقول إن الولايات المتحدة "تُذلّ" من قبل القيادة في إيران، فهو لا
يصف واقعة دبلوماسية بقدر ما يكشف خللا أعمق في ميزان الفعل والتأثير داخل التحالف
الغربي نفسه. فالقضية هنا ليست تفوقا إيرانيا مطلقا، بل قدرة طهران على إدارة لعبة
الاستنزاف ببرود أعصاب، مقابل ارتباك أمريكي ينعكس مباشرة على حلفائها.
الأوروبيون، الذين يدفعون فاتورة كل تصعيد دون أن يملكوا
قرار إشعاله أو إطفائه، بدأوا يرفعون الصوت: ليس دفاعا عن واشنطن، بل احتجاجا على
نموذج قيادة يجرّهم إلى أزمات مفتوحة بلا أفق. من هنا، يبدو تصريح ميرتس وكأنه
بداية كبرى للحظة انكشاف، حيث تتعرّى فجوة المصالح داخل المعسكر الواحد، ويتحوّل "التحالف"
من كتلة صلبة إلى بنية قلقة، تتآكل من داخلها مع كل جولة فشل جديدة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.