تطبيق نموذج غزة على الضفة بنسخة صامتة!

حلمي الأسمر
"كلما تقدّم مشروع الضمّ في الضفة، ازداد الضغط غير المعلن لتحويل الأردن إلى البديل الصامت"- الأناضول
"كلما تقدّم مشروع الضمّ في الضفة، ازداد الضغط غير المعلن لتحويل الأردن إلى البديل الصامت"- الأناضول
شارك الخبر
ما يجري في الضفة الغربية لم يعد مسألة فلسطينية داخلية ولا أزمة أمنية عابرة يمكن احتواؤها بالوساطات؛ نحن أمام مسار استراتيجي إسرائيلي طويل النفس، هدفه النهائي إعادة تعريف "الحل" عبر تفريغ الأرض من سكانها، لا عبر التفاوض معهم. شهادة الكاتبة اليسارية عميرة هاس في "هآرتس" هذا الأسبوع، بكل سخريتها السوداء، تكشف أن ما يُنفّذ اليوم هو نموذج غزة ذاته ولكن بنسخة صامتة: وطرد بطيء، وخنق اقتصادي، وتدمير شروط الحياة، وتحويل السكان إلى عبء جغرافي يُدفع قسرا نحو الرحيل. السؤال الذي طرحته هاس عن "طرد نهائي إلى الأردن" ليس زلة قلم، بل هو انعكاس لنقاش حقيقي داخل العقل الاستيطاني: حين تُستنزف المدن وتُقلَّص الجيوب الحضرية، يصبح الترحيل خيارا عمليا لا سيناريو خياليا.

هنا يدخل الأردن إلى قلب المعادلة، لا بوصفه جارا، بل بوصفه الهدف الوظيفي التالي. فالأردن، في التصور الإسرائيلي القديم-المتجدد، ليس دولة سيّدة بحدود نهائية، بل "حيّز امتصاص" للأزمة الديمغرافية الفلسطينية. وكلما تقدّم مشروع الضمّ في الضفة، ازداد الضغط غير المعلن لتحويل الأردن إلى البديل الصامت: بديل الأرض، وبديل الدولة، وبديل الحل.
هل الأردن عاجز؟ الجواب الواقعي: لا، لكنه مقيَّد، ومتردد، ويستخدم جزءا ضئيلا فقط من أوراقه
الخطورة هنا أن هذا المخطط لا يحتاج إلى قرار حرب ولا إعلان رسمي؛ يكفيه استمرار الخنق حتى يتحول النزوح إلى "خيار إنساني" في الخطاب الدولي!

السؤال الحاسم: هل الأردن عاجز؟ الجواب الواقعي: لا، لكنه مقيَّد، ومتردد، ويستخدم جزءا ضئيلا فقط من أوراقه. الأردن يملك أوراق ضغط حقيقية لو أراد استخدامها خارج منطق ردّ الفعل؛ أول هذه الأوراق هو "الاستقرار الحدودي!" لعقود. إسرائيل تحتاج الأردن مستقرا، وهادئا، ومتعاونا أمنيا، وضامنا لحدودها الشرقية؛ أي اهتزاز في هذا الدور -حتى لو كان سياسيا لا عسكريا- يخلق قلقا استراتيجيا حقيقيا في تل أبيب وواشنطن معا. ثاني هذه الأوراق هي اتفاقية وادي عربة، التي جرى التعامل معها كقدر نهائي، بينما هي في الواقع عقد سياسي قابل لإعادة التفسير والتجميد الجزئي، لا الإلغاء الشامل. مجرد نقل الاتفاقية من "منطقة المحرمات" إلى "منطقة المراجعة" يشكّل ضغطا نفسيا وسياسيا كبيرا.

يملك الأردن أيضا ورقة الوصاية على المقدسات، وهي ليست رمزية فقط كما يُروّج، بل نقطة تماس مباشرة مع المشروع الاستيطاني في القدس، وأي تصعيد دبلوماسي وقانوني جدي حول هذه الوصاية، مقرون بتحركات دولية لا شكلية، يربك المسار الإسرائيلي لأنه يضرب أحد أعمدة شرعنته. وفوق ذلك، يملك الأردن ورقة الحدود والعبور والتنسيق الاقتصادي وحتى الأمني، وهي أدوات يمكن استخدامها بمرونة تصاعدية، لا بقرارات صادمة، لإيصال رسالة واضحة: نقل الأزمة إلينا يعني نقل الكلفة إلينا، ونحن لسنا صندوق تفريغ مجانيا.

الخطر الحقيقي على الأردن لا يأتي فقط من إسرائيل، بل من وهْم أن الزمن يعمل لصالحه. الزمن هنا يعمل لصالح المشروع، لا ضده

لكن أخطر ما يملكه الأردن -ويخشى استخدامه- هو الموقف السياسي الصريح؛ ليس بيانات قلق، بل إعلان موقف واضح بأن أي تهجير قسري أو دفع سكاني نحو الشرق هو عمل عدائي مباشر يمس الأمن الوطني الأردني ويستدعي تغييرا جذريا في طبيعة العلاقة مع إسرائيل. هذا النوع من الخطاب، حين يكون ثابتا ومتراكما لا عابرا وبصوت خافت، يغيّر الحسابات، لأن إسرائيل تبني استراتيجياتها على افتراض الصمت والاحتواء، لا المواجهة السياسية.

في المقابل، الخطر الحقيقي على الأردن لا يأتي فقط من إسرائيل، بل من وهْم أن الزمن يعمل لصالحه. الزمن هنا يعمل لصالح المشروع، لا ضده، وكل شهر يمرّ دون رفع الكلفة السياسية يجعل الترحيل أكثر قابلية للتسويق، وأكثر قبولا دوليا بوصفه "أمرا واقعا فرضته الظروف"، وحين تصل اللحظة الحرجة، سيُطلب من الأردن أن "يتحمّل مسؤوليته الإنسانية"، لا أن يُدافع عن سيادته!

الخلاصة واضحة: إذا لم يُواجَه مشروع الضمّ والترحيل في الضفة اليوم كتهديد إقليمي لا كأزمة فلسطينية، فإن الأردن سيكون غدا أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الانخراط القسري في حلّ لم يصنعه، أو الدخول في صدام متأخر بعدما تكون الوقائع قد تغيّرت. ما يزال في يد الأردن ما يكفي لرفع الكلفة، وتعطيل المسار، وإرباك المخطط، لكن ذلك يتطلب انتقالا من سياسة إدارة الخطر إلى سياسة ردعه سياسيا قبل أن يتحول إلى قدر.
التعليقات (0)