بعيد حرب الإبادة التي شنتها
إسرائيل ضد
الفلسطينيين في غزّة على مدى أكثر من عامين، والحرب الخاطفة التي شنّتها ضد إيران
وأذرعها في المنطقة، انتقلت إسرائيل إلى مستوى جديد من التصعيد يهدف إلى فرض
هيمنتها على الإقليم في هذه اللحظة التاريخية. تركيا، والسعودية، ومصر من بين
الدول المستهدفة بشكل مباشر أو غير مباشر في الاستراتيجية الإسرائيلية.
خلال الأشهر القليلة الماضية، كثّف
المسؤولون الإسرائيليون من تصريحاتهم التي تشير إلى أنّ تركيا أصبحت العدو الأول
بالنسبة لهم وأنّه يجب استهدافها. تزامن ذلك مع جهود تركية مكثفة للعب دور مباشر
في غزة ليس من الناحية السياسية والدبلوماسية والإقتصادية فحسب، وإنما من الناحية
الأمنية أيضاً. ولأن تركيا تعتبر القوة الإقليمية الوحيدة التي تمتلك القدرة
العسكرية والصناعية لتحدي الهيمنة الإسرائيلية، ولأنّ إسرائيل لا تسعى إلى مواجهة
مباشرة، فقد كثّفت الأخيرة من جهودها لمحاصرة أنقرة جيو ـ سياسيا وتقويض نفوذها
ومصالحها الإقليمية في بلاد الشام، وشرق المتوسط، وشمال أفريقيا، والقرن الإفريقي.
بعيد حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل ضد الفلسطينيين في غزّة على مدى أكثر من عامين، والحرب الخاطفة التي شنّتها ضد إيران وأذرعها في المنطقة، انتقلت إسرائيل إلى مستوى جديد من التصعيد يهدف إلى فرض هيمنتها على الإقليم في هذه اللحظة التاريخية. تركيا، والسعودية، ومصر من بين الدول المستهدفة بشكل مباشر أو غير مباشر في الاستراتيجية الإسرائيلية.
في سورية، سعت تل أبيب وتسعى إلى تقويض
حكومة أحمد الشرع من خلال القوة العسكرية الغاشمة، ومن خلال دعم تغذية التطلعات
الانفصالية لبعض المجموعات من الإقلية الدرزية والكردية والعلوية، وإثارة القلائل
والفتن، ومن خلال محاولة فرض تطبيع سياسي يسلبه شرعيته الداخلية. وفي شرق المتوسط،
تعزز إسرائيل من تحالفها المصمم لمعاداة تركيا والذي يضم كذلك اليونان وقبرص ويهدف
الى تهديد المصالح التركية وإشغال أنقرة أمنيا واقتصاديا وسياسياً خاصة بما تملكه
اليونان وقبرص (تترأس حاليا الاتحاد الأوروبي) من آليات تعطيل وتقويض للمصالح
التركية كذلك مع الاتحاد الأوروبية من داخل منظومة الاتحاد.
وفي أفريقيا، تعمل إسرائيل على عدة جبهات،
أهمّها السودان وأثيوبيا والصومال حيث تشجّع على الحرب الأهلية في السودان وتدعم
بشكل غير مباشر قوات الدعم السريع. وفي أثيوبيا تحاول تل أبيب تشكيل تحالف يضم
أثيوبيا وأرض الصومال، حيث اعترفت إسرائيل مؤخرا بالإقليم الانفصالي في الصومال في
خطوة من شأنها أن تلحق ضرراً هائلاً بمصالح كل من تركيا والسعودية ومصر من خلال
اشعال صراح جديد في القرن الافريقي الى جانب ذلك المشتعل في السودان.
التحرك الإسرائيلي ضد السعودية مؤخراً يأتي
بعد أن كانت تل أبيب تمنّي النفس باتفاق تطبيع مع الرياض ينهي المقاومة لوجودها في
العالم الإسلامي، ويوجد الشرعية الشكلية لها. لكن وبسبب إصرار السعودية على تحقيق
شروطها قبل المضي قدما في التطبيع، فضلت تل أبيب محاصرة السعودية والضغط عليها
بدلاً من الاستجابة لمطالبها. علاوةً على ذلك، يبدو أنّ إسرائيل تلتف على الرياض
من خلال خلق الكيانات الانفصالية وتشجيعها على الانضمام الى قطار التطبيع أو ما
يعرف باسم الاتفاقات الابراهيمي.
وفي هذا السياق بالتحديد يمكن فهم الموقف
السعودي مؤخراً من الامارات ومن دعم أبو ظبي لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي
الإنفصالية والتي قيل انّها كانت بصدد إستكمال مخططها لإقتطاع جنوب اليمن على
الحدود مع السعودية واستعداد إسرائيل لإعلان الاعتراف بها وهو ما ترافق مع تقارير
تتحدث عن إمكانية انشاء قواعد عسكرية إسرائيلية في الكيان الانفصالي الوليد في
اليمن والآخر في أرض الصومال. وبهذا الشكل تكون إسرائيل قد نجحت في محاصرة
السعودية من الجنوب والغرب وعبر المضائق وأبقتها مشغولة على حدودها مع كيان
انفصالي، تماماً كما تريد اشغال تركيا بالكيان الانفصالي لميليشيات "واي بي
جي" الكردية في سورية.
هناك محاولات مكشوفة لتحريض الإيرانيين على حكومتهم، وذلك بموازاة مؤشرات أخرى تفيد أنّ المرشد الأعلى يعيد بناء استراتيجية إيران القائمة على دعم الميليشيات والأذرع الإقليمية، وهو ما يعني أنّ إمكانية وقوع حرب تظّل قائمة في العام 2026.
ومع أنّ وضع مصر ليس جيّداً من دون أي تدخل
إسرائيل، إلا أنّ تكبيل القاهرة داخلياً وخارجياً يعدّ على الدوام أولوية
استراتيجية لإسرائيل آخذين بعين الاعتبار التغيير المفاجئ الذي حصل ابّان الثورة
المصري وحيلولة تل أبيب دون تكراره. وفي هذا المجال، يمكن ملاحظة تحركات إسرائيل
للضغط على مصر في القضية الفلسطينية، وفي السودان، وفي أثيوبيا، ومؤخراً في
الصومال. السماح باستقلال أرض الصومال من شانه ان يخلق تحالفا ثلاثيا ـ بين
إسرائيل وأثيوبيا وأرض الصومال ـ معاديا لمصر. أضف الى ذلك، فان تمكين أثيوبيا من
الوصول إلى البحر الأحمر من شانه تغيير موازين القوى، ويجعل من اديس أبابا أكبر
قوة بحرية هناك بدلاً من مصر، كما يتيح لها ولاسرئيل التحكم في الممرات البحرية
وقطع طرق الملاحة والامداد عن مصر والسعودية إذا اقتضى الأمر.
ومع بقاء نتنياهو في السلطة في إسرائيل،
وعدم التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، فإنّ ملف طهران لا يزال
مفتوحاً. هناك محاولات مكشوفة لتحريض الإيرانيين على حكومتهم، وذلك بموازاة مؤشرات
أخرى تفيد أنّ المرشد الأعلى يعيد بناء استراتيجية إيران القائمة على دعم
الميليشيات والأذرع الإقليمية، وهو ما يعني أنّ إمكانية وقوع حرب تظّل قائمة في
العام 2026. ولكن، وبسبب غطرستها ومن خلال سعيها إلى إشعال الحرائق في كل مكان
لتحقيق الهيمنة المطلقة، تخلق إسرائيل ـ بشكل غير مقصود ـ الشيء الذي سعت دائمًا
لتجنبه ألا وهو معارضة موحدة ومنسقة لسياساتها بين القوى الإقليمية الكبرى في
المنطقة.