اسم عاصمة السيسي الجديدة يثير عاصفة غضب في مصر.. مرتبط بالماسونية

"ممفيس" (Memphis) تحريف يوناني للاسم المصري القديم "من-نفر" (Mn-nfr)- جيتي
"ممفيس" (Memphis) تحريف يوناني للاسم المصري القديم "من-نفر" (Mn-nfr)- جيتي
شارك الخبر
فجّرت تسمية العاصمة الإدارية الجديدة باسم "ممفيس"، ومنحها وضعًا استثنائيًا، وجعلها "مقاطعة" ذات طبيعة خاصة، بمشروع قانون الإدارة المحلية الذي يناقشه مجلس النواب المصري، انتقادات واسعة بين المصريين.

وارتبط اسم "ممفيس" بحقبة احتلال في تاريخ البلاد (332 ق.م - 641 م)، كما أُطلق على محفل ماسوني في القرن الـ19، وذُكر في أحاديث غامضة للملياردير الأمريكي إيلون ماسك، مع استخدام لفظ "مقاطعة" كنظام إداري للعاصمة الجديدة، رغم ارتباطه تاريخيًا بجرائم الإقطاعيين؛ ما مثّل أبرز الانتقادات.

بدأت القصة بتقدم عضو مجلس النواب محمد عطية الفيومي بمشروع قانون "الإدارة المحلية"، والذي سبق عرض عدة مشروعات قوانين منه على مجلس النواب (2015-2020) و(2020-2025)، إلا أنه تضمن هذه المرة مقترح إطلاق اسم "ممفيس" على العاصمة الإدارية الجديدة، التي تُقدّر تكلفة المرحلة الأولى منها بـ800 مليار جنيه (50 مليار دولار تقريبًا).

وشمل مقترح المواد (119–121) أن تكون "ممفيس" مقر الحكم، مع تحويلها إلى "مقاطعة" ذات طبيعة استثنائية، يعيّن رئيس الجمهورية رئيسًا لها، تكون له سلطات المحافظ وصلاحيات الوزراء، ويعاونه مجلس أمناء. وتقع ضمن نطاق محافظة القاهرة (وفق نص دستوري يحدد اسم القاهرة عاصمةً لمصر)، على أن يصدر قرار بتحديد حدودها التي تضم مقرات: رئاسة الجمهورية، والحكومة، والوزارات، والسفارات، والبرلمان.

للوهلة الأولى، يبدو لاختيار "ممفيس" دلالة تاريخية خاصة، بوصفه عودةً إلى عاصمة مصر الأولى الموحّدة على يد الملك مينا عام 3100 قبل الميلاد، والتي عُرفت باسم "حط-كا-بتاح" نسبة إلى معبد الإله بتاح، ثم أُطلق عليها "من-نفر" نسبةً إلى هرم الملك بيبي الأول بالمنطقة القريبة من قرية ميت رهينة بمنطقة سقارة في الجيزة، على بعد 20 كيلومترًا جنوب القاهرة.

و"ممفيس" (Memphis) تحريف يوناني للاسم المصري القديم "من-نفر" (Mn-nfr)، الذي يعني "الجمال الدائم". فيما تعود التسمية إلى شخصية "ممفيس"، ابنة إله النيل، وزوجة إيبافوس مؤسس المدينة، التي ظلت عاصمة الحكم البطلمي والبيزنطي لنحو ألف عام. واشتُق منها لاحقًا اسم مدينة ممفيس بولاية تينيسي الأمريكية عام 1819.

لماذا غضب المصريون؟

اللافت بداية، وفق محللين، أن مقترح القانون جعل الكادر الإداري للعاصمة الإدارية الجديدة خاضعًا تمامًا لتعيين رئيس الجمهورية، الذي يحق له تعيين رئيس المقاطعة وأعضاء مجلس الأمناء، وذلك في الوقت الذي من المقرر أن تُجرى انتخابات محلية لاختيار مجالس المدن والقرى عقب إقرار قانون الإدارة المحلية المعروض.

لكن أولى انتقادات المصريين طالت الاسم، معتبرين أنه ليس مصريًا خالصًا، بل هو التسمية الإغريقية لعاصمة مصر القديمة "من-نفر"، والتي تحوّلت إلى الصيغة اليونانية مع قدوم الإسكندر الأكبر إلى مصر عام 332 ق.م.

وأكد الناشط الدكتور عادل دوبان أنه "كان الأولى أن تُسمّى منف وليس ممفيس؛ لأنها عاصمة مصر وليس اليونان".

علاقة الاسم بـ"الماسونية"

كما ربط صحفيون وكتاب، بينهم سيد أمين، بين اختيار اسم ممفيس لعاصمة مصر الجديدة وتاريخ الماسونية في مصر، وتأسيس محفل ماسوني باسم ممفيس في القرن الـ19.

وأُدخلت الماسونية إلى مصر مع الحملة الفرنسية عام 1798، حيث تأسس المحفل الأول "إيزيس"، ثم محفل "Pyramides" عام 1845. وكان قد سبق ذلك تدشين أول محفل باسم "ممفيس" في فرنسا عام 1838 على يد جاك إتيان ماركونيس، قبل أن يدمجه الجنرال الإيطالي جوزيبي غاريبالدي مع طقس "مصر" عام 1881 لتأسيس "طقس ممفيس-مصر" (Rite of Memphis-Misraïm).

وأعاد البعض تداول مقطع من حوار الكندي جوردان بيترسون والأمريكي إيلون ماسك في 7 حزيران/ يونيو الماضي، تحدثا في بدايته عن نجاح الأخير في إطلاق "حاسوب عملاق" في مبنى جديد تابع له في "ممفيس"، أكبر مدن ولاية تينيسي الأمريكية، قبل أن يتحول الحديث إلى عودة ما أُطلق عليه "حرسنا الجديد" من ممفيس عاصمة مصر القديمة.

وهنا مازحه بيترسون متسائلًا: "ممفيس، عاصمة مصر القديمة؟"، ليرد ماسك: "أجل، أجل"، ليعاود سؤاله: "ماذا ستجلب؟ ربما من هنا سيأتي حرسنا الجديد، نعم أم لا؟"، ليجيب ماسك: "أمزح... لا أمزح... أجل، أتمنى ولو كان ذلك مضحكًا".

ويتزامن إطلاق اسم ممفيس على العاصمة الجديدة مع ما يُثار حول إقامة حفلات ماسونية تحت سفح أهرامات الجيزة وممارسة طقوس شيطانية، تحت مسمى حفلات لمغنين أمريكيين مثل "ترافيس سكوت" منتصف 2023، و"مترو بومين" في 2024، وفرقة "Anyma" في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.


اظهار أخبار متعلقة


ارتباط تاريخي بالظلم والقهر

في السياق، رفض البعض إطلاق اسم "مقاطعة"، كونه غريبًا على أسماع المصريين ويخالف التقسيم الإداري القائم بين محافظة ومدينة ومركز. كما ترتبط كلمة مقاطعة، بمعناها السياسي والاقتصادي، بالظلم الذي تعرّض له المزارعون في أوروبا من ارتفاع الإيجارات وعمليات الإخلاء التي فرضها الملاك ووكلاؤهم خلال حرب (1879-1882)، وفقًا لما ذكره موقع "Ancient Origins".

وتعود أصول كلمة "مقاطعة" (Boycott) إلى اسم وكيل أراضٍ بريطاني يُدعى تشارلز كننغهام بويكوت، عمل في أيرلندا في القرن الـ19، حيث صيغ هذا المصطلح عام 1880 عندما رفض المزارعون الأيرلنديون التعامل معه بسبب ممارساته الظالمة، لتصبح "البويكوت" رمزًا للاحتجاج السلمي والنبذ الاجتماعي والاقتصادي.

وذهبت الانتقادات إلى حد اتهام مجلسي النواب والشيوخ بإهمال أزمات المصريين الحقيقية، وعجزهما عن وضع حلول لقضايا الغلاء والبطالة والفقر وخسائر الاقتصاد وتفاقم الديون ومخاطر الأمن القومي وتأثير الأوضاع الإقليمية، مقابل الانشغال بمناقشة اسم العاصمة الجديدة، ملمحين إلى أنها أحد أهم أسباب معاناة المصريين، مع تدشينها بديون هائلة ودون عائد اقتصادي واضح.
دولة إيجبت وتغيير الهوية

جانب آخر من الانتقادات ذهب إلى حد المخاوف من تغيير الهوية العربية والإسلامية للمصريين، وهو السياق الذي أشارت إليه الناشطة المصرية رانيا مصطفى بقولها: "يرفض أبناء 30 يونيو العودة إلى ما قبل 1400 عام، لكنهم يفخرون بالرجوع بالبلاد 7 آلاف سنة"، مضيفة: "إنهم يجردون مصر من إسلاميتها شيئًا فشيئًا".

ورأى الكاتب شوقي عقل أن "النظام الحاكم ماضٍ في طريق الفصل بين الوادي الضيق القديم الممتد حول النهر، بمشاكله وأزماته وازدحامه وانهيار خدماته، وسيطرة العنف والجهل والمرض والخرافات والفقر عليه، وبين المجتمعات الجديدة المسماة فعلًا لا مجازًا بـ(EGYPT)، تمييزًا لها عن مصر، والتي تضم السادة من المجموعة الحاكمة والسادة ملاك رأس الحكمة والبقية".

وأضاف: "النظام واثق من بقائه، حتى قبل مسرحية التمديد المرتقبة، وهو يبني ويؤسس لعشرات السنين المقبلة"، ملمحًا إلى أنه "يعد العدة للانفجار الشعبي المتوقع، وببساطة سيقوم لحظتها بالمغادرة إلى (المقاطعة) وترك النار تأكل نفسها، ثم يعود".

ويتزامن الحديث عن تغيير اسم العاصمة إلى ممفيس مع إطلاق إعلان ترويجي عنها الأحد، فاقم
غضب المصريين لحجم الفخامة والإبهار في المدينة، وتكلفة الإعلان، وعدد الممثلين والمغنين والإعلاميين والرياضيين ورجال الأعمال والراقصين والمجموعات المشاركة فيه.

السلام ومنف أو طيبة

وفي تعليقه على اختيار اسم عاصمة مصر في العهد البطلمي والروماني للعاصمة الإدارية الجديدة، قال أستاذ التاريخ والمؤرخ المصري الدكتور عاصم الدسوقي إنها "إشكالية كبيرة أوجدها النظام بغية التحرر من ثورة تموز/ يوليو 1952"، مؤكدًا لـ"عربي21" أن "الأفضل تسمية العاصمة باسم (السلام)".
وأوضح أن "الاسم الصحيح هو (منف)، وهي عاصمة قديمة فرعونية، واليونانيون كتبوها ممفيس"، مضيفًا أنه "إذا كان لا بد من الاختيار من التاريخ القديم فهناك أسماء: منف أو طيبة".

وبشأن تحويل مشروع قانون الإدارة المحلية العاصمة الجديدة من مدينة إلى مقاطعة، قال إن "استخدام لفظ (مقاطعة) يعني تحويل مصر إلى دولة إقطاعية مقسمة إلى (إقطاعيات) يحكمها أصحاب رأس المال الاقتصادي، فنعود إلى زمن الإقطاع في مصر".

لا يمت لحضارة ولغة وتاريخ الشعب

من جانبه، قال الكاتب الصحفي والباحث الإعلامي خالد الأصور: "اعتدنا من الجمهورية الجديدة كل جديد غريب على هذا الشعب، وحين يخاطب رأس الدولة الشعب بياء النداء (يا مصريين) وكأنه ليس منهم، فليس بمستغرب اختيار اسم لما كان يُسمى بالعاصمة الإدارية لا يمتّ لحضارة ولغة وتاريخ هذا الشعب".

وأضاف: "بل هو مأخوذ من لغة المستعمر، وكما يقول المثل الشعبي المصري (زي القرع يمد لبرة)"، مقترحًا إطلاق اسم (طيبة) الذي يعبر عن لغة وتاريخ وحضارة الشعب المصري، فضلًا عن سلاسته ومضمونه المحبب إلى النفس، بدلًا من ممفيس اليونانية، لا سيما أنها صعبة النطق.

الفكرة الأخطر

وفي قراءته السياسية، قال السياسي المصري وليد مصطفى إن "الموضوع مضحك لأن هناك أمورًا أهم بكثير"، مستعرضًا السيرة الذاتية للنائب، ومشيرًا إلى أنه عُيّن في عهد حسني مبارك رئيسًا لمجلس محلي لإحدى مدن القليوبية لسنوات، وأن والده كان نائبًا سابقًا وعضوًا بالحزب الوطني لاحقًا.

وأوضح عضو حزب الوسط المصري المعارض أن "المشكلة الحقيقية في فرض فكرة المقاطعات والأقاليم، بينما مصر ليست أمريكا، والشكل الفيدرالي ووجود ولايات لها حكم ذاتي وعدم المركزية جاء نتيجة استعمار سابق من عدة دول".

واستدرك: "لكن مصر دولة موحدة منذ الخليقة، ولا تحتاج إلى هذا النموذج الإداري، كما أن عدم المركزية لا يكون بأن تكون أقاليم مستقلة أو مقاطعات، بل بإعطاء الصلاحيات لممثلي الحكومة من وزراء ومحافظين ومديرين"، محذرًا من أن يكون "التحول إلى مقاطعات وأقاليم خطرًا عظيمًا على مصر وخطوة نحو تقسيم يجب التصدي له".
التعليقات (0)