خبراء لـ"عربي21": دمج السيسي العلوم المدنية بالإطار العسكري يطيح بدولة المؤسسات

قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن الدولة تشتكي من أداء بعض المؤسسات - الأناضول
قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن الدولة تشتكي من أداء بعض المؤسسات - الأناضول
شارك الخبر
أثار تصريح لرئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي جدلاً جديداً في الشارع؛ فاقم خلاله مخاوف المعارضة من "عسكرة الدولة"، بإعلانه تدشين 4 كليات عسكرية لدراسة الطب والهندسة والبرمجيات والعلاج الطبيعي، ودراسة إنشاء كليات عسكرية متخصصة تقوم بتدريس مواد مدنية على غرار السياسة والاقتصاد.

وفجر الجمعة، ومن داخل "الأكاديمية العسكرية" التي تتعاظم أدوارها مؤخرا في تدريب المعينين الجدد والمترقين في جميع الوزارات والجهات الحكومية؛ أكد السيسي أن جوهر فكرة الأكاديمية يقوم على التطوير والتحديث المستمر لمؤسسات الدولة، وأن التعليم العسكري الذي تقدمه الأكاديمية هو التعليم الحقيقي، وأنه ليس للاستقطاب أو التمييز.

"هنا التعليم الحقيقي"

وقال إن الدولة تسعى من خلال الأكاديمية إلى تقديم نموذج حقيقي للتعليم الجاد القائم على معايير عالمية، مشدداً على الحصول على تعليم حقيقي لا مجرد شهادات، مضيفاً: "نجري هذه الدورات لضمان تحقيق الجدارة، وليس لصناعة نخبة منعزلة أو متعالية، وعلى من تلقى التدريب أن ينقل أثره إلى مؤسسته دون استعلاء على الآخرين".

ولفت إلى أن الدولة "تشتكي من أداء بعض المؤسسات"، مشيراً إلى أن الأكاديمية وضعت برامج "ستؤدي إلى بناء شخصيات سوية تتسم بالجدارة"، ملمحاً إلى أنه حريص على متابعة أوضاع الأكاديمية بنفسه، ومؤكداً أن مصر "في انتظار الشباب والشابات لتطوير الدولة بعقولهم وسواعدهم".

وأعلن عن ضم القضاة لتدريب الأكاديمية بعد أزمة حول أحقية تعيين أعضاء النيابة بين مجلس القضاء الأعلى والأكاديمية العسكرية، مشيراً لوجود متدربين من قطاعات وزارات الري، والأوقاف، والخارجية، والتعليم، والنقل، وغيرهم.

وأعلن عن خططه بالتوسع في التعليم العسكري بإنشاء 4 كليات بجوار الأكاديمية داخل الكيان العسكري الذي يضم وزارة الدفاع بالعاصمة الجديدة، لتدريس علوم مدنية بإشراف العسكريين وبإضافة مواد عسكرية وتدريب عسكري.

وحمل حديث السيسي ردودًا على ما تثيره المعارضة المصرية حول العديد من القضايا، وبينها "عسكرة الدولة" وتصاعد أدوار الأكاديمية العسكرية في مجال التعليم والتدريب والتعيينات بأجهزة الدولة، آخذًا من صلاحيات باقي القطاعات المدنية.



منطق الهرم الواحد

وفي قراءته لما تحمله تصريحات السيسي من توجهه لعسكرة الدولة وصناعة الولاء بدلاً من الكفاءة بما ينهي مستقبل الدولة المدنية، قال الخبير المصري في الاستراتيجية وإدارة الأزمات الدكتور مراد علي، إن "ما يجري في مصر اليوم لا يبدو مجرد تطوير لمنظومة التعليم العسكري، بل إعادة تشكيل شاملة لمسارات النفوذ والفرص داخل الدولة".

ويرى في حديثه لـ"عربي21"، أن "المشكلة لم تعد مقتصرة على توجهات الرئيس عبدالفتاح السيسي المعلَنة، بل باتت أعمق من ذلك بكثير، إذ تتمثل في غياب الشفافية الكاملة حول آليات اتخاذ القرار وأهدافه الحقيقية".

وأوضح أنه "على مدار ما يزيد عن 10سنوات، تراجع دور المؤسسات الدستورية والتنفيذية بصورة شبه كاملة، وأصبحت القرارات الكبرى تُتخذ داخل دوائر مغلقة، دون نقاش مجتمعي، ودون إفصاح واضح عن المبررات أو الأهداف بعيدة المدى".

ويعتقد الخبير المصري أنه "حين تُدمَج العلوم المدنية في الإطار العسكري، فإننا لا نكون أمام توسع تعليمي، بل أمام تغيير فلسفة الدولة نفسها: من دولة تقوم على التعدد المؤسسي والتوازن، إلى دولة تُدار بمنطق الهرم الواحد".

تؤسس لأزمة أعمق

وحول تأثير تصريحات السيسي على مستقبل التعليم المدني والجامعات الحكومية والأهلية والخاصة ومستقبل خريجيها، بمنح خريجي الكليات العسكرية أولوية التعيين والمناصب القيادية، وأكد أن "التجربة التاريخية، في مصر وخارجها.

كما تُظهر أن إخضاع المعرفة للسلطة الصلبة يؤدي إلى تراجع الإبداع، وتكلس البحث العلمي، وخوف الأكاديميين من النقد". وبين أن "التعليم والبحث العلمي لا يزدهران بالأوامر، ولا بالانضباط القسري، بل بالحرية والمساءلة والتعدد".

ويخشى علي، من أن "تكون هذه السياسات، مهما كانت نواياها المعلنة، تؤسس لأزمة أعمق: دولة بلا مؤسسات مستقلة، وبلا جامعات حرة، وبلا مسارات عادلة للصعود الاجتماعي؛ وعندها، لن تكون المشكلة في كلية عسكرية جديدة، بل في نموذج حكم كامل يعيد تعريف الدولة على أسس غير قابلة للاستدامة".

وواصل إنه "من غير الواضح كيف يمكن ضمان نجاح تجربة تعليمية مدنية في إطار عسكري صارم، أو كيف يمكن حماية الأساتذة والطلاب من تضارب المصالح، أو من الضغوط غير الأكاديمية، خاصة في مجالات يُفترض أن تقوم على الاستقلال الفكري والنقد العلمي الحر".

وخلص بالقول: "وبناء عليه، فإن الخشية الحقيقية ليست فقط في (عسكرة التعليم)، بل في خلط الأدوار، وتغييب المعايير، واستبدال الكفاءة بالولاء، وهو مسار إن استمر ستكون كلفته باهظة على مستقبل الدولة المدنية، وجودة التعليم، واستقلال المعرفة".

أخطر أنماط الاختلال

وحول "تداخل الأدوار في العلاقات المدنية–العسكرية"، كتب الباحث المصري في الشؤون العسكرية محمود جمال، مقالاً قال فيه: "تشير أدبيات العلاقات المدنية–العسكرية إلى أن أخطر أنماط الاختلال هو ما يُعرف بـ(عسكرة الدولة).

حيث تتحول المؤسسة العسكرية من فاعل مهني خاضع للسلطة المدنية إلى فاعل سياسي واقتصادي مهيمن".

وأكد عبر صفحة "المعهد المصري للدراسات" أن هذا "يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها: إضعاف المؤسسات المدنية وإفراغها من الخبرة والشرعية، وتآكل الاحتراف العسكري نفسه نتيجة تشتيت المهام، وغياب آليات المساءلة والشفافية، وتحويل الدولة إلى كيان أمني أكثر منه كياناً سياسياً–اجتماعياً".

خطوة غريبة

حديث السيسي فجر مخاوف مراقبين من أن "تكون الكليات العسكرية الجديدة هي المصدر المستقبلي للمعينين في قطاعات الدولة المدنية والمكان الذي تُصنع فيه قياداتها وتُوجَّه"، فيما ذهبت مخاوفهم لأبعد من ذلك "كأن يُناط بها مستقبلاً الإشراف على التعليم والمناهج والمواد الدراسية بالكليات المدنية التي تخسر بالتالي أهميتها وأدوارها"، وفق رؤيتهم.

وقبل عامين وجه السيسي الحكومة لبناء الجامعات الأهلية لتكون بديلاً عن الجامعات الحكومية التي تعاني من الترهل وضعف الإمكانيات، على أن يكون الالتحاق بها بمقابل مالي أقل من الجامعات الخاصة.

ويرى مراقبون وبينهم السفير فوزي العشماوي، أن "الإشراف العسكري على القطاعات التي نرغب في انضباطها وإصلاحها فكرة غريبة، ولم تنجح بأي دولة، فالانضباط والإصلاح بالمؤسسات العامة والمدنية له قواعد وأسس علمية وإدارية مدنية مجربة ومعروفة، وكل خطوة بهذا الاتجاه الغريب تؤخر الإصلاح الحقيقي".

وأكد الكاتب أحمد حسن بكر، أن مصر ليست بحاجة لجامعات جديدة وأن بناء كليات عسكرية بتخصصات مدنية يضر بالجامعات الأهلية رغم ما تم صرفه عليها.



تعميق الطبقية

ويلفت مراقبون إلى أن تدشين كليات عسكرية في مصر يفاقم أزمة الطبقية في البلاد، حيث إن الالتحاق بالكليات العسكرية وكلية الشرطة يتطلب شروطاً خاصة لا تتوفر في كثير من أبناء الفقراء في بلد يعاني نحو ثلثيه من الفقر والفقر المدقع.

حيث تتطلب فحص وظائف الأب والأم ومستوى تعليمهم، وتظل أولوية الاختيار وفق "كوتة" لأبناء ضباط الجيش والشرطة والقضاة ونواب البرلمان والعائلات الثرية، وذلك إلى جانب الموافقات الأمنية التي تشمل فحصاً شاملاً لملف المتقدم وأسرته حتى "الدرجة الرابعة"، فيما يُستبعد أي متقدم لأسرته ميول سياسية أو حزبية أو تيار الإسلام السياسي.

إسراف هنا.. وتقتير هناك

جانب آخر من انتقادات المصريين ذهب للقول إن "السيسي يواصل قراراته المكلفة ماليا ودون جدوى حقيقية ودون مراعاة للأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها البلاد"، ليطالب البعض بـ"توجيه الميزانيات الضخمة لإنشاء كليات عسكرية جديدة إلى الجامعات المدنية العريقة لتطويرها ودعم البحث العلمي بها".

ويفوق دين مصر الخارجي 163.7 مليار دولار، ووفق البنك الدولي، تصل مدفوعاته 50.83 مليار دولار بنهاية أيلول/ سبتمبر المقبل، فيما سجل الدين المحلي 11.05 تريليون جنيه في حزيران/ يونيو الماضي، لتستحوذ خدمة الدين على 96 بالمئة من إيرادات الموازنة في 5 أشهر من (2025/2026).

كما تواصل الحكومة الاقتراض الداخلي والخارجي بجميع أنواعه ومنها إصدار "السندات صفرية الكوبون" شباط/ فبراير المقبل.

وتبلغ مخصصات التعليم العالي بموازنة العام المالي (2025/2026) حوالي 358.2 مليار جنيه، فيما تقضي المادة (21) من الدستور بزيادة الإنفاق الحكومي 2 بالمئة سنوياً من الناتج القومي الإجمالي على التعليم الجامعي.

واعترف السيسي، في 14 حزيران/ يونيو 2023، بأن الحكومة لا تلتزم بالحد الأدنى الدستوري للإنفاق العام على التعليم والصحة، ورغم زيادة معدل الإنفاق على التعليم العالي وفق الأرقام الرسمية، يؤكد تقرير للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن ما يورد من أرقام للإنفاق على التعليم والصحة يختلف عن تلك الواردة في تفاصيل الموازنة.

وأكدت المبادرة 17 حزيران/ يونيو 2023، أن قيمة مخصصات (2023/2024)، من أجل بناء المباني الخاصة لكل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ ورئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء والمجالس التخصصية ودواوين عموم المحافظات والجهاز المركزي للمحاسبات ووزارة المالية ومصالحها ووزارة الخارجية في العاصمة الإدارية الجديدة، تعادل مخصصات التعليم.

وفي 7 كانون الثاني/ يناير الجاري، قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إن الإنفاق على التعليم في مصر استمر بالانخفاض بالسنوات الخمس الماضية، وأن إنفاق (2025/2026) كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي يضعها ضمن أدنى 12 بالمئة بين جميع البلدان ذات الدخل المتوسط المنخفض.

وأوضحت تحليلات المنظمة أنه في السنة المالية (2025/2026)، اقترحت الحكومة ميزانية للتعليم، قدرها 315 مليار جنيه (6.3 مليار دولار)، ما يعادل 1.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي و4.7 بالمئة من الإنفاق الحكومي.

مبينة أن هذه أقل نسبة مئوية من الميزانية المخصصة للتعليم منذ العام 2019 على الأقل، وأنه بحسب التضخم، انخفض الإنفاق على التعليم 10 بالمئة عن (2024/2025)، وهو أقل بنسبة 39 بالمئة عن (2013/2014).

المدني والعسكري

في مصر نحو 110 جامعة، منها 28 حكومية بكافة المحافظات، 37 خاصة، و20 جامعة أهلية (دولية ومنبثقة من الجامعات الحكومية)، فضلاً عن 14 جامعة تكنولوجية و11 دولية؛ فيما تجاوز عدد طلاب الجامعات حاجز 3.7 مليون طالب، فيما تحل مصر بالمركز 87 بمؤشر جودة التعليم الجامعي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2026.

وفي المقابل يجري تعزيز التعليم العسكري وضخ التمويل غير المعلن فيه، وفي تموز/يوليو 2022، وقع السيسي قانون إنشاء الأكاديمية العسكرية (رقم 149 لسنة 2022) لتضم: الكليات الحربية، والبحرية، والجوية، والدفاع الجوي.

هي الكليات الأربعة الرئيسية التي منح السيسي، عام 2023، المتخرجين فيها بكالوريوس اقتصاد وعلوم سياسية، أو تجارة أو حاسبات ومعلومات، مع بكالوريوس العلوم العسكرية، وذلك في إطار خطة دمج التعليم العسكري بالمدني.

هناك كذلك الكليات العسكرية المتخصصة التي تمنح درجات علمية هندسية وطبية متخصصة توازي نظيراتها المدنية، وتضم: الكلية الفنية العسكرية، وكلية الطب بالقوات المسلحة، والكلية العسكرية التكنولوجية بدلاً من المعهد الفني للقوات المسلحة.

وتضم الأكاديمية العسكرية كيانات تعليمية سابقة مثل: أكاديمية ناصر العسكرية التي كانت تضم كلية الحرب العليا وكلية الدفاع الوطني، مع استحداث أدوار للأكاديمية لتدريس الإدارة الاستراتيجية للمدنيين والموظفين المرشحين للمناصب القيادية في الدولة، الأمر الذي تفاقم في السنوات الأخيرة وأثار الجدل حول "عسكرة الدولة".
التعليقات (0)