"باب الجحيم" على الماء.. طبول الحرب تدق في مضيق هرمز

بالنسبة لإيران يعد المضيق شكلا من أشكال القوة الرادعة- جيتي
بالنسبة لإيران يعد المضيق شكلا من أشكال القوة الرادعة- جيتي
شارك الخبر
في خضم التوترات المتفاقمة بين إيران والولايات المتحدة، يبرز مضيق هرمز كعنصر حاسم في أي سيناريو تصعيد عسكري محتمل،  وجاء ذلك مع إعلان إيران عن تدريبات عسكرية حية في المضيق، مقابل تحذيرات أمريكية من أي تصرفات وصفت بأنها "غير آمنة"، في ممر مائي ضيق يعد شريان الحياة للاقتصاد العالمي، حيث يمر من خلاله نحو 20 بالمئة من إجمالي النفط المستهلك عالميا.

وأعلن الحرس الثوري الإيراني أنه سيجري مناورات بحرية بالذخيرة الحية في مضيق هرمز هذا الأسبوع، إذ قال قائد الجيش الإيراني أمير حاتمي إن الجيش ضم ألف مسيرة استراتيجية جديدة إلى قواته، بناء على التهديدات المستجدة.

وأوضح حاتمي أن هذه المسيرات تشمل مهام التدمير والهجوم والاستطلاع والحرب الإلكترونية، مؤكدا أن المسيّرات الجديدة صممت لمهاجمة أهداف خاصة ثابتة ومتحركة في البر والجو والبحر. وأشار إلى أن تعزيز القتال السريع وتنفيذ رد ساحق يمثلان أولوية للجيش في ضوء التهديدات المستقبلية.

تحذيرات أمريكية وردود متقابلة

في المقابل، حذرت الولايات المتحدة الحرس الثوري الإيراني من أنها لن تتسامح مع الأعمال غير الآمنة في مضيق هرمز، عقب إعلان طهران تنفيذ مناورة بحرية بالذخيرة الحية لمدة يومين.

وقالت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" إن لإيران الحق في العمل في المجال الجوي والمياه الدولية، لكنها شددت على أن أي "سلوك غير آمن" بالقرب من القوات الأمريكية أو حلفائها الإقليميين في هذا الممر التجاري الأساسي قد ينذر بتصعيد خطير.

الأهمية الجغرافية والاقتصادية للمضيق

يقع مضيق هرمز جغرافيا بين سلطنة عمان وإيران، ويربط الخليج ببحر العرب وخليج عمان، ويُعد أحد أهم ممرات تجارة النفط والغاز في العالم. ويبلغ طول المضيق قرابة 155 كيلومترا، فيما يصل عرضه في أضيق نقاطه إلى نحو 34 كيلومترا، غير أن هذه المساحة لا تُعد كلها صالحة للملاحة.

ولا يتجاوز عرض الممرات الملاحية داخل المضيق ميلين بحريين في كل اتجاه، وهي الممرات التي تسمح لناقلات النفط العملاقة بعبور مياهه القريبة من إيران وسلطنة عمان، حيث تطل عليه من الجهة الشمالية محافظة بندر عباس الإيرانية، ومن الجهة الجنوبية محافظة مسندم العمانية.

اظهار أخبار متعلقة



ويُصنف مضيق هرمز ممرا استراتيجيا، إذ يمر عبره نحو 20 بالمئة من استهلاك النفط العالمي، بمعدل يقارب 20 مليون برميل يوميا، إضافة إلى مرور نحو ثلث صادرات الغاز الطبيعي المسال عبره، بحسب ما أوردته إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.

وتتجه غالبية هذه الصادرات إلى أسواق الطاقة الآسيوية، ولا سيما الصين والهند وكوريا الجنوبية وسنغافورة وحتى أوروبا.

سوابق تاريخية

شهد المضيق توترات خلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، حيث وقعت ما عرفت آنذاك بـ"حرب الناقلات"، وهي مرحلة أبرزت ضعف إمدادات النفط العالمية أمام أي توتر أو نزاع في الشرق الأوسط، وأدت إلى مواجهة بحرية بين إيران والولايات المتحدة.

وبالنسبة لإيران، يُعد المضيق شكلا من أشكال القوة الرادعة، وينظر إليه على أنه أشبه بامتلاك سلاح نووي.

وفي هذا السياق، تحدث تقرير صادر عن دائرة أبحاث الكونغرس الأمريكي عام 2012 عن سيناريوهات تصعيد تدريجية قد تعتمدها طهران.

وشملت تلك السيناريوهات الإعلان عن حظر الملاحة في المضيق دون التصريح صراحة بعواقب انتهاك هذا الإعلان، أو التلويح بإمكانية تفتيش السفن المارة أو مصادرتها، إضافة إلى إطلاق طلقات تحذيرية على السفن، أو زرع الألغام البحرية، أو استهداف السفن التجارية والعسكرية بالصواريخ.

وخلال ثمانينيات القرن الماضي، استخدمت إيران هذه الأساليب بالفعل، وعلى الرغم من عدم تمكنها من إغلاق المضيق بالكامل، فإنها استطاعت إرباك الملاحة ورفع كلفة تأمين الشحن البحري بشكل كبير.

اظهار أخبار متعلقة



وعلى الأرض، عززت إيران قدراتها العسكرية في هذه المنطقة، إذ وصف قائد الحرس الثوري الإيراني حسين سلامي، قبل مقتله، الخليج والمناطق المحيطة به بأنها من أهم مناطق الدفاع لإيران، كاشفا عن زوارق هجومية سريعة تطلق صواريخ تقطع مسافة 10 كيلومترات في أقل من ثلاث دقائق.

وقال سلامي إن هذه الزوارق، إلى جانب القطع القتالية الثقيلة والصواريخ، ستُستخدم في ما وصفه بالعمليات الدفاعية.

التداعيات العالمية ومحاولات الالتفاف على المضيق

بحسب شركة "فورتيكسا" للتحليلات، تصدر السعودية نحو 6 ملايين برميل نفط يوميا عبر مضيق هرمز، أي أكثر من أي دولة مجاورة أخرى. وتعد الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية من أبرز مستوردي النفط الخام الذي يمر عبر هذا الممر الحيوي.

وفي المقابل، تستورد الولايات المتحدة عبر المضيق نحو 11 بالمئة من إجمالي وارداتها النفطية و3 بالمئة من استهلاكها للبنزين، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فيما تبلغ حصة أوروبا الجماعية من النفط المنقول عبر المضيق أقل من مليون برميل يوميا.

ومنذ سنوات، حاولت دول الخليج تطوير مسارات بديلة لمضيق هرمز، إذ فعّلت السعودية خط أنابيب شرق غرب القادر على نقل 5 ملايين برميل يوميا، كما ربطت الإمارات حقولها النفطية بميناء الفجيرة على خليج عمان، فيما دشنت إيران خط "غوره جاسك"، الذي تشير التقارير إلى أنه لم يُفعّل بالكامل بعد.

ومع ذلك، فإن هذه الطرق مجتمعة لا تغطي سوى 15 بالمئة من كمية النفط التي تمر عبر المضيق، ما يعني أن مضيق هرمز لا يزال أهم ممرات نقل النفط في العالم.

السجال القانوني وسيناريو الإغلاق

وفي هذا السياق، أثارت صحيفة "كيهان" التابعة لمكتب المرشد علي خامنئي احتمال أن تحاول طهران إغلاق المضيق عسكريا، وكتبت أن إيران وحلفاءها يضعون "أصابعهم على زناد يمكنه، عند أول خطأ للعدو، أن يقطع شريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز".

وقالت الصحيفة إن الخطوة تعد "حقا قانونيا ومشروعا للجمهورية الإسلامية"، مستندة إلى اتفاقيتي جنيف لعام 1958 وجامايكا لعام 1982، ومخالفة لما وصفته بالدعاية الغربية التي تعتبر أي تحرك إيراني في المضيق انتهاكا للقانون الدولي.

اظهار أخبار متعلقة



وأوضحت أن المرور يفقد صفته غير الضارة إذا ألحق ضررا بأمن الدولة أو نظامها، معتبرة أن العقوبات الأمريكية على صادرات النفط الإيرانية والاستعراض العسكري البحري يجعلان عبور ناقلات النفط الداعمة لواشنطن "غير بريء".

وفي المقابل، قالت زكالة" إن إيران لا تملك أي سلطة قانونية لإصدار أمر بوقف حركة الملاحة، إذ ينص الترتيب القانوني الأساسي للمضائق البحرية على عدم جواز عرقلة المرور البريء، ما يعني أن أي محاولة لإغلاق المضيق ستتطلب استخدام القوة أو التهديد بها.

ومن جهته، دعا البرلمان الإيراني إلى إغلاق المضيق عقب الضربات الأمريكية على المنشآت النووية في حزيران/يونيو، دون أن تتخذ القوات الإيرانية أي إجراء آنذاك، مع بقاء القرار النهائي بيد المرشد الأعلى علي خامنئي.

وتشير تقديرات غربية إلى أن أي محاولة لمنع الدخول إلى المضيق ستواجه ردا قويا من القوات البحرية الأمريكية، حتى دون مغادرة أي سفينة حربية إيرانية للميناء، إذ يمنح الساحل الإيراني طهران خيارات متعددة، من مضايقة السفن بزوارق سريعة، إلى مهاجمة ناقلات النفط بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

ويُعد إغلاق مضيق هرمز لأكثر من بضعة أيام سيناريو كارثيا لأسواق الطاقة العالمية، إذ لا يوجد طريق بحري بديل لنقل النفط الخام والوقود من المنطقة.

وبحسب "بلومبرغ"، قدر مويو شو، كبير محللي النفط الخام في شركة كيبلر المحدودة، أن إغلاق المضيق ليوم واحد فقط قد يرفع أسعار النفط إلى ما بين 120 و150 دولارا للبرميل، مقارنة بسعر خام برنت الذي كان يتداول عند نحو 70 دولارا للبرميل في أواخر يناير/كانون الثاني.
التعليقات (0)