ما دلالات الموقف الخليجي الرافض للتصعيد مع إيران؟.. معادلات الاستقرار والنفط تجيب

دول الخليج أبلغت واشنطن أن إسقاط النظام الإيراني سيزعزع أسواق النفط ويهدد الأمن الإقليمي- الأناضول
دول الخليج أبلغت واشنطن أن إسقاط النظام الإيراني سيزعزع أسواق النفط ويهدد الأمن الإقليمي- الأناضول
شارك الخبر
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية بين الولايات المتحدة وإيران، برز رفض دول الخليج العربي لأي هجوم أمريكي محتمل بوصفه مؤشرا لافتا على تحولات جيوسياسية تشهدها المنطقة.

وأثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة بشأن احتمال التصعيد العسكري مخاوف واسعة، دفعت دولا خليجية، من بينها السعودية وقطر والإمارات، إلى التأكيد على أولوية الحفاظ على الاستقرار الذي بدأ يتبلور عبر مسارات التقارب مع طهران خلال السنوات الأخيرة.

ولا يُنظر إلى هذا الرفض باعتباره موقفا دبلوماسيا عابرا، بل كترجمة لحسابات سياسية واقتصادية عميقة، في ظل القلق من تداعيات أي مواجهة عسكرية على أسواق النفط العالمية وأمن الملاحة في الخليج.

مواقف خليجية معلنة وتحركات دبلوماسية

وعبرت دول الخليج عن موقفها الرافض بشكل واضح عبر تصريحات رسمية وجهود دبلوماسية مكثفة، إذ أكد مسؤولون سعوديون وقطريون، أن أي عمل عسكري أمريكي ضد إيران سيقود إلى فوضى إقليمية غير مرغوبة.

وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية، الاثنين، أن الدولة لن تسمح باستخدام مجالها الجوي أو أراضيها أو مياهها في أي عمليات عسكرية ضد إيران، مؤكدة التزامها بعدم تقديم أي دعم لوجستي في هذا الشأن.

وجددت الوزارة، بحسب وكالة الأنباء الرسمية، تأكيد الإمارات أن الحوار وخفض التصعيد والالتزام بالقوانين الدولية واحترام سيادة الدول تمثل الأسس المثلى لمعالجة الأزمات الراهنة، مشددة على نهجها القائم على حل الخلافات عبر الوسائل الدبلوماسية.

اظهار أخبار متعلقة



وتزامن هذا الموقف مع تحركات إقليمية مشتركة لخفض التوتر، إذ قال مصدر خليجي لشبكة "سي إن إن" منتصف الشهر الجاري إن أربع دول عربية ساهمت في تهدئة التوتر بين واشنطن وطهران عبر جهود دبلوماسية مكثفة استمرت 72 ساعة، على الرغم من التحشدات الأمريكية في المنطقة.

ووفق المصدر، حثت قطر وعُمان والسعودية ومصر الولايات المتحدة على تجنب توجيه ضربات لإيران، محذرة من مخاطر أمنية واقتصادية قد تطال أمريكا والمنطقة بأكملها.

وأوضح المصدر أن هذه المحادثات ركزت على خفض نبرة الخطاب العام وتجنب الخيار العسكري الذي قد يقود إلى عدم استقرار أوسع، مشيرا إلى أن هذه الجهود أسهمت فعليا في خفض التصعيد.

وأضاف أن قطر، بصفتها شريكا رئيسيا للولايات المتحدة، لعبت دورا محوريا في الوساطة في عدد من الملفات، من بينها ملف غزة.

وفي السياق ذاته، ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية في أواخر العام الماضي أن دول الخليج، بقيادة السعودية، تمارس ضغوطا على إدارة ترامب لمنع أي ضربة عسكرية محتملة ضد إيران، عقب سلسلة تهديدات أطلقها الرئيس الأمريكي.

وبحسب الصحيفة، أبلغت السعودية وعُمان وقطر البيت الأبيض أن أي محاولة لإسقاط النظام الإيراني ستؤدي إلى زعزعة أسواق النفط وتلحق ضررا بالاقتصاد الأمريكي في نهاية المطاف.

وأعرب مسؤولون خليجيون، وفق الصحيفة نفسها، عن مخاوفهم من أن تؤدي الضربات الجوية إلى تعطيل حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، فيما أكدت الرياض أنها لن تتدخل في أي حرب محتملة، ولن تسمح باستخدام مجالها الجوي لشن ضربات، مشددة على أن استقرار المنطقة يمثل "أولوية قصوى" لولي العهد محمد بن سلمان.

انهيار إيران.. كابوس خليجي مقلق

من جانبه، علّق أستاذ الدراسات الأمنية في كينغز كوليدج لندن والكاتب المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، الدكتور أندرياس كريغ، في تدوينة على منصة "إكس" على أن تصريحات رئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم سيكون لها تأثير على ترامب، محذرا في تغريدة أخرى من أن أي عمل عسكري ضد إيران لن يخدم مصالح أصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة.



وبحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، فإن حتى الحكومات الخليجية التي خاضت صراعا غير مباشر مع إيران، مثل السعودية، لا تدعم عملا عسكريا أمريكيا ضد طهران، وفقا لمحللين مختصين بالمنطقة، معززة ذلك جزئيا إلى مخاوف من أن تؤدي التداعيات المتسلسلة لتصاعد التوتر أو احتمال فشل الدولة في إيران إلى الإضرار بأمن دول الخليج وتقويض صورتها كمراكز إقليمية آمنة للأعمال والسياحة.

اظهار أخبار متعلقة



وأضاف التقرير أن بعض حكومات الخليج باتت تنظر إلى إسرائيل، الخصم اللدود لإيران، على أنها دولة عدوانية تسعى للهيمنة على الشرق الأوسط، معتبرة أنها قد تشكل تهديدا أكبر للاستقرار الإقليمي من إيران التي أصبحت أضعف مما كانت عليه.

ونقل موقع "ميدل إيست آي" عن محللين ومسؤولين غربيين وعرب أن عددا من دول الخليج يخشى أن يؤدي أي هجوم أمريكي على إيران إلى إفساد توازن جديد يسمح بانتزاع تنازلات هادئة وإحياء المفاوضات النووية دون الانزلاق إلى صراع مفتوح.

وقال جوشوا يافي، الزميل البارز في مركز المصلحة الوطنية، إن "هناك ميزة للخليج في إيران الضعيفة التي لا تغرق في الفوضى".

ويتمثل القلق المباشر لدول الخليج، بحسب التحليلات، في أن يؤدي هجوم أمريكي إلى رد إيراني واسع النطاق، أو إلى تعزيز نفوذ الحرس الثوري الإسلامي داخليا.

وأضاف يافي، الذي شغل سابقا منصب كبير محللي شؤون الخليج في وكالة الاستخبارات التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية، أن "آخر ما يريده الخليج هو سلسلة ضربات أمريكية تقود إلى تغيير النظام، لأن النتيجة الأرجح قد تكون انقلابا ناعما للحرس الثوري، وهو سيناريو قد يكون أسوأ من الحكم الديني".

الخليج بين استثمار ضعف إيران وتفادي كلفة الحرب

وفي الاتجاه ذاته، نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن ياسمين فاروق، مديرة برنامج الخليج في مجموعة الأزمات الدولية، قولها إن دول الخليج تستفيد من ضعف إيران وتسعى إلى ملء الفراغ، لكنها تريد القيام بذلك بأكثر الطرق تنظيما وأقلها تكلفة، وأضافت أن الولايات المتحدة وإسرائيل تنظران إلى هذا الضعف باعتباره فرصة لضرب النظام، في حين يرى البعض في الخليج فرصة لانتزاع تنازلات.

وفي منتدى دافوس الاقتصادي هذا الأسبوع، قال ستيف ويتكوف، الذي يتشاور بشكل متكرر مع قادة الخليج، إن إيران بحاجة إلى تغيير سلوكها، مضيفا أنه في حال أبدت استعدادا لذلك، فإن تسوية الملف دبلوماسيا تبقى ممكنة.

اظهار أخبار متعلقة



بدوره، حذر الأكاديمي حاتم صادق من جامعة حلوان، من أن أي ضربة أمريكية إسرائيلية محتملة ضد إيران قد تحدث تغييرا جذريا في أمن الخليج، مع مخاوف من ردود تشمل استهداف قواعد عسكرية وتهديد الملاحة في مضيق هرمز وهجمات إلكترونية على البنى التحتية، ما قد يوسع نطاق الصراع إقليميا ودوليا.

وأشار في مقال رأي نشرته صحيفة "ديلي نيوز" إلى أن إضعاف إيران قد يحد من بعض التهديدات، لكنه قد يخلق فراغا أمنيا ويجعل دول الخليج أهدافا مباشرة، إلى جانب اضطراب التجارة العالمية وارتفاع أسعار النفط، رغم مكاسب قصيرة الأجل للمنتجين الخليجيين.

سياسيا، يرى صادق أن التصعيد قد يعزز تحالفات جديدة ويزيد من نفوذ قوى دولية مثل الصين وروسيا، مع مخاطر توترات طائفية طويلة الأمد، مؤكدا أن استقرار الخليج يظل رهنا بتغليب الدبلوماسية والمرونة الاقتصادية والحلول السياسية على المواجهة العسكرية.
التعليقات (0)