يتصاعد الغضب داخل
الولايات المتحدة إزاء ممارسات وسياسات إدارة
الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، في ظل موجة احتجاجات متزايدة أعقبت حوادث إطلاق نار مميتة تورط فيها عناصر من الوكالة، ما أعاد ملف الهجرة وأساليب إنفاذ القانون إلى واجهة الجدل العام.
وفي هذا السياق، نظم عشرات الأشخاص في مدينة
مينيابوليس بولاية مينيسوتا، احتجاجا أمام فندق يُشتبه بإقامة مسؤولين من إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية فيه، وذلك عقب مقتل الممرض أليكس جيفري بريتي برصاص عناصر من الوكالة أثناء عملية اعتقال.
ووفقا لصحيفة «
نيويورك بوست» الأمريكية، تجمع المحتجون أمام الفندق في وقت متأخر من مساء الأحد، وسط أجواء من الغضب والتوتر.
وبالتوازي، شهدت مدينة شيكاغو مظاهرة شارك فيها المئات، تزامنا مع إحياء «يوم مارتن لوثر كينغ»، احتجاجا على ممارسات وكالة الهجرة والجمارك وسياسات الهجرة التي تنتهجها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب.
اتهامات بالتعسف واستخدام القوة المفرطة
وطالب المتظاهرون بوقف ما وصفوها بالانتهاكات التي ترتكبها الوكالة، وبحماية حقوق المهاجرين داخل الولايات المتحدة.
ومنذ الأشهر الأولى لولاية ترامب الثانية مطلع عام 2025، حذرت تقارير إعلامية وحقوقية من الدور المتنامي الذي تؤديه وكالة الهجرة والجمارك، ووصفتها بأنها تحولت إلى ما يشبه «ميليشيا خاصة» في خدمة الرئيس الأمريكي، وأداة أيديولوجية لليمين المتطرف الذي رافقه إلى البيت الأبيض. وبعد مقتل مواطنين على يد عناصر الوكالة خلال أقل من شهر في مدينة مينيابوليس، بات التساؤل مطروحا على نطاق واسع٬ إلى أين تمضي إدارة ترامب في توسيع نفوذ هذه الوكالة؟
ولفهم طبيعة الدور الذي ترسمه الإدارة الأمريكية لوكالة الهجرة والجمارك، لا بد من التوقف عند الأرقام، ولا سيما الارتفاع الحاد في ميزانيتها وتضخم عديد عناصرها، بما يكشف عن البعد الأيديولوجي الذي بات يطغى على مهامها خلال الولاية الثانية لترامب.
ميزانية تتجاوز (FBI)
فقبل عشر سنوات، لم تكن الميزانية السنوية للوكالة تتجاوز 6 مليارات دولار، لترتفع إلى نحو 10 مليارات دولار عام 2024، وكانت آنذاك أقل بكثير من ميزانيات وكالات أخرى تابعة لوزارة الأمن الداخلي. غير أن الولاية الثانية لترامب شهدت قفزة غير مسبوقة في تمويل الوكالة، لتصبح الأعلى تمويلا بين جميع أجهزة إنفاذ القانون في الولايات المتحدة.
وبحسب قانون الموازنة الذي اقترحه ترامب وأقره الكونغرس في صيف 2025، خصصت لوكالة الهجرة والجمارك ميزانية أساسية بلغت 10 مليارات دولار، إضافة إلى مخصصات استثنائية بقيمة 75 مليار دولار على مدى أربع سنوات (2026–2029)، ما يرفع متوسط موازنتها السنوية إلى نحو 29 مليار دولار.
وفي المقابل، بلغت ميزانية مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) لعام 2025 نحو 11.3 مليار دولار فقط.
وتزامن هذا التوسع المالي مع أهداف طموحة وضعتها إدارة ترامب، أبرزها ترحيل مليون مهاجر سنويا، ورفع القدرة الاستيعابية لمراكز الاحتجاز إلى 100 ألف شخص في الوقت نفسه، وهو ما يفسر الدور المحوري الذي أنيط بهذه الوكالة في ما تصفه الإدارة الأمريكية بـ«الصراع الوجودي» حول ملف الهجرة.
وفي إطار تعزيز قدراتها البشرية، سعت الإدارة الأمريكية إلى تجنيد 10 آلاف عميل جديد في وكالة الهجرة والجمارك خلال عامي 2025 و2026، إلا أن هذا الهدف جرى تجاوزه خلال أشهر قليلة، إذ تم تجنيد نحو 12 ألف عميل، ليرتفع عدد عناصر الوكالة من 10 آلاف إلى 22 ألفا بحلول أوائل عام 2026.
اظهار أخبار متعلقة
خفض السن وحوافز مالية مغرية
ولجذب هذه الأعداد الكبيرة، قدمت الحكومة الأمريكية حوافز مالية مغرية، شملت مكافأة توقيع تصل إلى 50 ألف دولار، إضافة إلى سداد أو إعفاء قروض الطلاب حتى سقف 60 ألف دولار.
كما خفضت متطلبات التجنيد بشكل لافت، إذ جرى تقليص الحد الأدنى للعمر إلى 18 عاما بدلا من 21–40، وتحدثت تقارير عن تقليص مدة التدريب من خمسة أشهر إلى 47 يوما فقط، في خطوة اعتبرها منتقدون ذات دلالة رمزية مرتبطة بكون ترامب الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة.
وبعد حملة التجنيد المكثفة هذه، تجاوز عدد عناصر وكالة الهجرة والجمارك عدد العملاء الميدانيين في مكتب التحقيقات الفيدرالي، الذي يبلغ نحو 13 ألف و700 عميل.
ويرى مراقبون أن الوكالة باتت تعامل اليوم كـ«ميليشيا خاصة» لا تخضع إلا لتوجيهات ترامب المباشرة، وتتصرف وكأنها فوق القانون، بما يسمح لها بتجاوز الأطر القانونية وصولا إلى ما وصفه منتقدون بـ«إعدامات ميدانية»، كما حدث في مينيابوليس. حتى المذيع الأمريكي الشهير جو روغان، الذي كان من أبرز داعمي ترامب خلال حملة 2024 الانتخابية، شبه أساليب الوكالة بأساليب جهاز «الغستابو» السري النازي.
ما هي وكالة الهجرة والجمارك؟
وتأسست وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية عام 2003 ضمن وزارة الأمن الداخلي، في أعقاب هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، وتتمثل مهمتها المعلنة في حماية الأمن القومي عبر إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك والتجارة، ومكافحة الأنشطة غير القانونية العابرة للحدود.
وتضم الوكالة ثلاث إدارات رئيسية هي: إدارة تحقيق الأمن الداخلي، وإدارة تنفيذ عمليات الترحيل، ومكتب المستشار القانوني الرئيسي. ويعمل لديها نحو 20 ألف موظف في أكثر من 400 مكتب داخل الولايات المتحدة وخارجها، وتضطلع بمهام تشمل احتجاز وترحيل المهاجرين غير النظاميين، ومكافحة تهريب المخدرات والاتجار بالبشر وغسيل الأموال.
اظهار أخبار متعلقة
ومع عودة ترامب إلى الرئاسة مطلع عام 2025، شرعت إدارته في تنفيذ وعودها الانتخابية المتعلقة بتشديد سياسات الهجرة. ففي 30 يناير/كانون الثاني 2025، وقع ترامب مذكرة رسمية للتحضير لتوسيع منشأة احتجاز المهاجرين في قاعدة غوانتانامو.
وقال مدير وكالة الهجرة والجمارك، توم هومان، إن المهاجرين غير النظاميين الذين تصنفهم الإدارة بأنهم «الأسوأ على الإطلاق» سيبقون في غوانتانامو إلى حين إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية. وفي 5 شباط/فبراير 2025، أعلنت إدارة ترامب اعتقال أكثر من 8 آلاف مهاجر غير نظامي، مقابل الإفراج عن 461 شخصا بعد احتجازهم.
وأمام هذه التطورات المتسارعة، باتت سياسات الهجرة التي تنتهجها إدارة دونالد ترامب، ودور وكالة الهجرة والجمارك المتضخم، موضع انتقادات واسعة داخل الأوساط الحقوقية والإعلامية، وسط مخاوف متزايدة من تآكل سيادة القانون وتوسيع صلاحيات أجهزة إنفاذ القانون على حساب الحقوق المدنية.