بعدَ أيَّامٍ قليلةٍ ستطفو على سطحِ واقعِنا
المُثقَّلِ بالبطالةِ والكسلِ قضيَّةُ زكاةِ الفطرِ: هل تُؤدَّى صاعًا من الحبوبِ
أم تُعطى نقودًا؟
ومعها يعودُ بعضُ أصحابِ العقولِ
المُستريحةِ إلى عادتِهم الموسميَّةِ في تصنيفِ المسلمينَ، ورفعِ بعضِهم فوقَ بعضٍ
درجاتٍ بحسبِ اختياراتِهم الفقهيَّةِ في مسائلِ الفروعِ.
وسنشهدُ من جديدٍ "مهرجانًا"
مألوفًا: حشدًا للآثارِ، وتكديسًا للأقوالِ، واستعراضًا لقدرةٍ لافتةٍ على اقتناصِ
نتفِ الكتبِ ونقولِ الكتَّابِ، والتَّحطيبِ باللَّيلِ من غاباتِ غوغل ثمَّ ماذا بعدُ كلِّ
هذا الضجيجِ؟
ما الَّذي يخرجُ به المسلمُ البسيطُ الَّذي
يريدُ فقط معرفةَ الحكمِ الشَّرعيِّ؛ ليؤدِّيَ ما افترضَه اللهُ عليهِ، ويحقِّقَ
مقصدَ هذه العبادةِ، ويطهِّرَ صومَه ممَّا شابَه من نقصٍ، ويغنيَ الفقيرَ عن
السُّؤالِ، ويُدخلَ السُّرورَ إلى قلبِ المحرومِ؟ غالبًا لا شيء!
تقرَّبوا إلى اللهِ بزكاةِ فطرِكم حبوبًا أو نقودًا؛ فالمقصودُ هو تطهير صومِكم ممّا شابَه من خَلل، و إغناءُ الفقيرِ عن المسألة، وإدخالُ السُّرورِ على المحروم. ولا تشغلوا العاميَّ بمذاهبِكم، ولا تُلزموا السَّائلَ باجتهاداتِكم، ولا تجعلوا الفقيرَ طرفًا في معاركِكم. وإن لم تستطيعوا، فاحذروا من البغضاءِ؛ فإنَّها لا تُفسدُ صدقةَ الفطرِ فحسبُ، بل تحلقُ الدِّينَ نفسَه..
فالمسألةُ قد استقرَّ شأنُها في المُدوَّنةِ
الفقهيَّةِ منذَ قرونٍ طويلةٍ، بعدَ بحثٍ وتمحيصٍ. وتحقيق وتدقيق، فقد فرضَ
النَّبيُّ ﷺ زكاةَ الفطرِ بما كان متاحًا في حياةِ النَّاسِ، وأدَّاها الصَّحابةُ
بما تيسَّرَ لديهم من قوتٍ أو مالٍ أو غيرِ ذلك ممَّا تقومُ به حاجةُ الفقيرِ.
وظلَّ الخلافُ الفقهيُّ في هذه المسألةِ قرونًا يتداولُه العلماءُ كغيرِه من
مسائلِ الفروعِ؛ دونَ تضليلٍ لمخالفٍ، أو تقديسٍ لموافقٍ، ودونَ صراخٍ أو زعيقٍ.
فلم يُشغلِ السَّلفُ ولا الخلفُ عامَّةَ النَّاسِ بهذه الجزئيَّاتِ، ولم يجعلوها
معاركَ موسميَّةً، ولا ساحاتٍ لتبادلِ الاتهاماتِ.
غيرَ أنَّ نابتةً ظهرتْ في زمانِنا ـ ولا
أدري: أنبتتْ أم أُنبتتْ! ـ تظنُّ أنَّ لها "وكالةً حصريَّةً" لفهمِ
سنَّةِ المصطفى ﷺ. وكأنَّ فهمَ الدِّينِ الَّذي طافَ الأرضَ قروناً وتبلورَ في
مدارسِ الفكرِ ومذاهبِ الفقهِ، لم يستوطن ويستقرَّ إلَّا عندهم وعندَ من يقلِّدونَ
من شيوخِهم؛ فحملوا سعة الإسلام على ضيق
صدورهم ، فلا عالِمَ إلَّا من ثَقُلَ في ميزانِهم، ولا فقيهَ إلَّا من وردَ
وِردَهم؛ فالقولُ ما قالوا، والرَّأيُ ما رأوا، والدِّينُ ما دانوا، والسُّنَّةُ
ما فهموا.
لسانُ حالِهم يقولُ: نحنُ فقط أهلُ
السُّنَّةِ، وحرَّاسُ الحقيقةِ، والطَّائفةُ المنصورةُ، والفِرقةُ النَّاجيةُ،
وبقية السلف، وخِيرة الخَلَف! أمَّا
الآخرونَ فإمَّا جاهلٌ يجبُ تعليمُه، أو مبتدعٌ لابد من هجرُه، أو منحرفٌ ينبغي
تشويهُه.
وهكذا شغلوا العقولَ، وأجَّجوا عواطفَ
الشَّبابِ، وأهدروا طاقاتِ الأُمَّةِ في معاركَ فارغةٍ وجدالٍ عقيمٍ؛ لا يقيمُ
دينًا ولا يُصلحُ دنيا.
أقولُ لأهلي وإخواني: تقرَّبوا إلى اللهِ
بزكاةِ فطرِكم حبوبًا أو نقودًا؛ فالمقصودُ هو تطهير صومِكم ممّا شابَه من خَلل، و
إغناءُ الفقيرِ عن المسألة، وإدخالُ
السُّرورِ على المحروم. ولا تشغلوا العاميَّ بمذاهبِكم، ولا تُلزموا السَّائلَ
باجتهاداتِكم، ولا تجعلوا الفقيرَ طرفًا في معاركِكم. وإن لم تستطيعوا، فاحذروا من البغضاءِ؛
فإنَّها لا تُفسدُ صدقةَ الفطرِ فحسبُ، بل تحلقُ الدِّينَ نفسَه، كما قالَ
النَّبيُّ ﷺ: "إنَّها
الحالقةُ، لا أقولُ تحلقُ الشَّعرَ، ولكن تحلقُ الدِّينَ".