إن من
أعظم الحرمان أن تتحول
العبادة في حق العبد إلى عادة جامدة، وأن يُحبس
الصيام في
رسوم الظاهر وقشور الأشكال، فيبقى المرء في ملمس الجوع ومرارة الظمأ، وقلبه مرتع
للغل، ولسانه ميزاب للسوء. وما كان الصيام في حقيقته إلا قوت القلب وجلاء الروح،
فإذا لم يثمر في الجوارح رقة، وفي الخلق سماحة، كان تعذيبا للنفس لا غنى فيه، ومشقة للبدن لا طائل تحتها.
وإن العجب
لا ينقضي ممن يمتنع عن الطيبات التي أصلها الإباحة، ثم يرتع في الخبيث من القول
والعمل الذي أصله التحريم في كل حين! وكأن الجوع صار مسوغا لضيق الصدر، أو كأن
العطش أصبح عذرا لسوء الخلق ونزق
النفس. وهؤلاء قد أخطأوا فهم
العبودية كما أخطأوا فهم الحكمة من التشريع؛ فما فُرض الصيام ليكون وسيلة لإطلاق
العنان للغضب، بل ليكون لجاما للشهوات، ومدرسة لكسر كبرياء النفس وأنانيتها.
والمتأمل
في أحوال الناس يرى زحاما بالأبدان، وضجيجا بالخصام، ونفوسا سريعة العطب قريبة من
الفتنة، وقد تناسوا أن الصوم جنة؛ وهذه الوقاية لا تقف عند حدود النار في الآخرة،
بل هي وقاية من رذائل
الأخلاق التي تشوه وجه الإنسانية في الدنيا. فالحرية
الحقيقية هي أن يملك العبد نفسه لا أن تملكه هي، فمن قهر غريزته طاعة لربه، كان
على قهر أنانيته وطمعه أقدر.
علامة فضل الصيام وقبوله أن ينظر المرء في مرآة نفسه؛ ليرى هل زاده الإمساك رفقا بالضعفاء، وهل أورثه كظما للغيظ عند المقدرة، وهل صيّره أكثر إخلاصا في العمل وصدقا في الحديث؟
فالقيمة
الأخلاقية هي الثمرة التي يستدل بها على قبول العمل؛ فإذا انسلخ الشهر والعبد قد
ازداد من الخلق قربا، ومن المحتاجين عطفا، وعن المسيئين صفحا، فقد صام حقا وأفطر
صدقا. أما من ظل على كبره وأثرته، فما كان حظه من صومه إلا الجوع والظمأ، إذ
العبرة في الموازين بالحقائق والنيات، لا بالرسوم والعادات.
إن الصيام
في حقيقته دعوة عُلوية لإحياء شعور المروءة في الصدور، وبسط بساط التكافل بين
العباد؛ فليس القصد منه مجرد تذوق الغني لمرارة الجوع ليواسي الفقير فحسب، بل السر
في أن يشعر الإنسان بأخيه الإنسان في كل حال، فتذوب فوارق النفس، وتصفو القلوب من
كدر الأحقاد، وتنتشر المودة في الأرض كالمطر الذي يحيي الهشيم.
وعلامة
فضل الصيام وقبوله أن ينظر المرء في مرآة نفسه؛ ليرى هل زاده الإمساك رفقا
بالضعفاء، وهل أورثه كظما للغيظ عند المقدرة، وهل صيّره أكثر إخلاصا في العمل
وصدقا في الحديث؟ فمتى ما وجد العبد هذه الثمار في قلبه، فقد ظفر بجوهر العبادة
ولبّها، ومن فقدها فما هو إلا متشبث بالطقوس والرسوم، باحث عن روح العبادة في غير
مظانها.
والمقرر
عند أرباب السلوك أن الدين هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين؛
والصيام هو المضمار الأكبر لامتحان هذا الخلق، والميدان الذي يتسابق فيه السالكون
لتعزيز كل جميل وتقويم كل قبيح، طمعا في بلوغ مرتبة الكمال الإنساني التي ارتضاها
الله لعباده المصطفين.
فليس
الصيام إذا إمساكا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو عتق للروح من أسر غوايتها، وعودة
بها إلى صفاء الفطرة التي تأبى الظلم وتأنف من دناءة الأخلاق. فما لم يكن الصوم
شاهدا للعبد بصلاح باطنه، فما هو إلا أوهام يقتات عليها، وظمأ يحسب ماء، حتى إذا
جاءه يوم اللقاء لم يجده شيئا.