لا يمكن
فهم تسلل المفاهيم
الدينية والخلاصية إلى قلب الصراعات العسكرية المعاصرة، ولا
سيما في التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإيران، إلا باعتباره انزياحا
إبستمولوجيا عميقا من أفق
السياسة العقلانية إلى أفق الميتافيزيقا الوظيفية. نحن
لا نكون هنا بإزاء إيمان يسعى إلى إرساء السلام، بل أمام بنية خطابية تستدعي
المقدس لا لكي تسمو بالفعل السياسي، بل لكي تحصنه من المساءلة. فحين تتحول
الحرب
إلى مهمة إلهية، أو تغلف القرارات الاستراتيجية بلغة النبوءة والمعجزة، فإن ما يقع
ليس إعلاء لشأن الدين، بل اختزال له في أداة تبريرية تفرغ العقل السياسي من شرطه
النقدي.
إن هذا
التحول يعيد تنشيط منطق العدو الوجودي كما بلوره كارل شميت، حيث لا يعود الخصم
طرفا في نزاع قابل للتفاوض، بل يتخذ صورة تهديد مطلق ينبغي استئصاله. غير أن
الخطير هنا ليس مجرد استدعاء ثنائية الصديق والعدو، بل رفعها إلى مستوى
لاهوتي
يجعل من الحرب طقسا خلاصيا. ففي هذه اللحظة، لا تتعطل السياسة فحسب، بل يعاد
تعريفها من داخل أفق ديني مغلق، حيث يغدو التفاوض خيانة، والتسوية تنازلا عن
الإرادة الإلهية المفترضة. وهكذا تتحول السلطة من فاعل سياسي مطالب بالتبرير إلى
وسيط يتكلم باسم السماء، فيتعالى عن كل مساءلة بشرية.
الخطير هنا ليس مجرد استدعاء ثنائية الصديق والعدو، بل رفعها إلى مستوى لاهوتي يجعل من الحرب طقسا خلاصيا. ففي هذه اللحظة، لا تتعطل السياسة فحسب، بل يعاد تعريفها من داخل أفق ديني مغلق، حيث يغدو التفاوض خيانة، والتسوية تنازلا عن الإرادة الإلهية المفترضة
غير أن ما
يمنح هذا اللاهوت الحربي خطورته القصوى هو قدرته على إعادة تشكيل الزمن السياسي
ذاته. فبدلا من الزمن التاريخي المفتوح على الاحتمال، يتم إدخال الصراع في زمن
اسكاتولوجي مغلق، حيث يقرأ النزاع بوصفه فصلا من فصول النهاية الكبرى. بهذا
المعنى، لا يعود المستقبل مجالا للفعل الإنساني، بل يتحول إلى تحقق حتمي لنبوءة
سابقة. إن هذا الانتقال من التاريخ إلى الميثولوجيا لا يلغي فقط إمكانية السلام،
بل يعطل أيضا شرط الحرية، إذ يصبح الفاعل السياسي منفذا لقدر مكتوب لا صانعا لمسار
قابل للمراجعة.
وإذا كان
هذا الخطاب يسعى إلى تحصين القرار السياسي، فإنه يفعل ذلك عبر آلية مزدوجة: تجريد
الخصم من إنسانيته، ورفع الفاعل إلى مرتبة الوكيل المقدس. ففي اللحظة التي يعاد
فيها تمثيل الطرف الآخر بوصفه تجسيدا للشر، يختفي ككائن تاريخي له مصالحه
وسياقاته، ليحل محله كيان يجب التعامل معه بالإبادة أو الإخضاع. وهنا تنهار
الأخلاق الكونية التي دافع عنها إيمانويل كانط، لتحل محلها أخلاق فئوية ترى في
الذات مركزا للحق وفي الآخر موضوعا للإلغاء.
وإذا
انتقلنا من مستوى التحليل المفهومي إلى الوقائع الخطابية، فإن تصريحات دونالد
ترامب تقدم تجسيدا ملموسا لهذا المنحى، إذ وصف في رسالة بمناسبة عيد الفصح عملية
عسكرية داخل إيران بأنها "معجزة فصحية"، مستدعيا دلالة الخلاص المسيحي
لإضفاء طابع استثنائي على فعل عسكري صرف، كما ختم تهديداته بعبارات ذات حمولة
دينية من قبيل "الحمد لله" في سياق تهديدي مباشر.
ولم يقف
الأمر عند هذا الحد، بل درج في خطاباته على تصوير النظام الإيراني بوصفه
"نظاما شريرا" يهدد العالم، وهي صياغة تنقل الصراع من مستوى المصالح
والتوازنات إلى مستوى تقابل مطلق بين الخير والشر، بما يرفع القرار السياسي من
مجال التبرير العقلاني إلى أفق يتعالى على النقد، ويعيد تأطير الحرب بوصفها مواجهة
ذات معنى خلاصي لا مجرد نزاع قابل للفهم ضمن منطق السياسة.
غير أن
نقد هذا اللاهوت الحربي لا ينبغي أن ينزلق بدوره إلى وهم نقاء السياسة، كما لو أن
الفعل السياسي يمكن أن يوجد خارج كل حمولة ثقافية أو خلفية تأويلية. فالمشكل ليس
في حضور المعاني الدينية داخل السياسة، بل في تحولها إلى جهاز إغلاق يمنع التداول
ويعطل النقد. إن كل سلطة تحتاج إلى منظومة دلالية تسند فعلها،
يغدو ما يسمى باللاهوت الحربي تعبيرا عن أزمة مزدوجة: أزمة في الدين حين يتم تفريغه من أبعاده الأخلاقية وتحويله إلى قوة تعبئة، وأزمة في السياسة حين تعجز عن تبرير ذاتها داخل أفق عقلاني فتلوذ بالمطلق
غير أن هذه المنظومة
تصبح خطرا حين تدعي لنفسها مرجعية متعالية غير قابلة للمساءلة. ومن هنا، فإن
الرهان الفلسفي لا يكمن في نفي العلاقة بين الدين والسياسة، بل في تفكيك لحظة
تسييس المقدس حين تتحول إلى أداة لاحتكار الحقيقة.
في هذا
السياق، يغدو ما يسمى باللاهوت الحربي تعبيرا عن أزمة مزدوجة: أزمة في الدين حين
يتم تفريغه من أبعاده الأخلاقية وتحويله إلى قوة تعبئة، وأزمة في السياسة حين تعجز
عن تبرير ذاتها داخل أفق عقلاني فتلوذ بالمطلق. إن هذا التداخل لا ينتج قوة
مضاعفة، بل يكشف عن هشاشة في كلا المجالين، حيث يستعير كل منهما من الآخر ما يعوض
به عجزه الداخلي.
وإذا كان
هذا النمط من الخطاب قد وجد تربة خصبة في سياقات معينة، فإنه لا يمكن عزله عن
أشكال موازية من التوظيف في الضفة المقابلة، حيث يتم بدوره استدعاء المقدس لتأطير
الصراع ومنحه معنى يتجاوز حدوده الواقعية. غير أن الإقرار بهذا التماثل البنيوي لا
يلغي ضرورة تفكيك كل حالة في خصوصيتها، بل يفرض توسيع أفق النقد ليشمل كل أشكال
تحويل الدين إلى جهاز تبرير للحرب، أيا كان موقعها الجغرافي أو مرجعها العقدي.
إن
استعادة العقل السياسي في هذا السياق لا تعني إقصاء الدين من الفضاء العام، بل
تعني إعادة تحديد موقعه بوصفه أفقا أخلاقيا لا أداة سيادية. فالسياسة، لكي تظل
ممكنة، تحتاج إلى فضاء مشترك يقوم على قابلية الاختلاف والتفاوض، لا على احتكار
المعنى باسم المطلق. وبذلك، يصبح تفكيك اللاهوت الحربي شرطا لإعادة فتح المجال
أمام سياسة تعترف بحدودها البشرية، وتقبل بأن تكون موضوعا دائما للنقد والمراجعة،
بدل أن تتحصن وراء سماء مصنوعة على مقاس القوة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.