العطش في غزة

محمد كرواوي
"دُمرت نحو 85 في المئة من مرافق المياه و75 في المئة من شبكات التوزيع"- الأناضول
"دُمرت نحو 85 في المئة من مرافق المياه و75 في المئة من شبكات التوزيع"- الأناضول
شارك الخبر
إننا اليوم أمام مشهد يتجاوز في مأساويته كل حدود العقل والمنطق الإنساني، مشهد لا يمكن اختزاله في نقص الموارد أو تعثر الإمدادات، بل هو في جوهره تعبير صارخ عن أزمة السيادة والحرية في عالم يفتقر إلى الحد الأدنى من الأخلاق السياسية.

إن ما يحدث في غزة اليوم، حيث دُمرت نحو 85 في المئة من مرافق المياه و75 في المئة من شبكات التوزيع، ليس مجرد أزمة تقنية لحظية، بل هو سياسة قتل معلن تمارسها منظومة استعمارية تسعى لتحويل الأرض إلى سجن بيولوجي كبير عبر تدمير نحو 700 بئر مياه منذ بداية الحرب.

إن فلسفة العطش التي تُفرض اليوم تعيدنا إلى فهم طبيعة الصراع كعملية ممنهجة لانتزاع إنسانية الإنسان، حيث وصل العجز المائي في بعض المناطق إلى 90 في المئة، مما حوّل شربة الماء من حق بديهي إلى فعل مقاومة يومي شاق يستنزف طاقة البشر.

سياسة قتل معلن تمارسها منظومة استعمارية تسعى لتحويل الأرض إلى سجن بيولوجي كبير عبر تدمير نحو 700 بئر مياه منذ بداية الحرب

إن تحويل الماء إلى سلاح سياسي وأداة للابتزاز يعكس عجز النظام الدولي القائم، إذ تراجعت حصة العائلة الواحدة لتصل في المتوسط إلى 7 لترات يوميا فقط، وهو ما يقل بكثير عن الحد الأدنى اللازم للبقاء الآدمي. وحين تصبح المؤسسات الدولية مجرد شاهد عيان يراقب توقف محطات التحلية الرئيسية كمحطة الحسن ومحطات جباليا نتيجة منع الوقود وقطع الغيار، فإننا نكون قد دخلنا فعليا في طور ما بعد الأخلاق، حيث تُذبح الحقوق الأساسية على مذبح التوازنات الجيوسياسية.

إن تلوث المياه الذي طال 97 في المئة من الموارد المتاحة ليس قدرا جغرافيا، بل هو نتاج تعمد تحويل غزة إلى بيئة موبوءة بالأمراض المعوية والجلدية، وهو ما تكرس بانهيار منظومة الصرف الصحي وتوقف 4 من كل 5 محطات ضخ، مما أدى لتدفق نحو 40 ألف متر مكعب من المياه الملوثة يوميا إلى فضاءات حياة الناس.

إنني أزعم أن تجفيف منابع الحياة هو جزء من استراتيجية تفكيك المجتمع من الداخل، واستهداف العاملين في هذا القطاع، كما حدث في نيسان/ أبريل الماضي مع فنيي اليونيسف، يثبت أن المطلوب هو تصفية أي قدرة على الصمود التقني والمدني.

إن السلطة الغاشمة تدرك تماما أن الإخضاع عبر الندرة هو أقصر الطرق لكسر الروح المعنوية، ولذلك نراها تعترض بصلف عسكري بعثات كسر الحصار المائي كما حدث مع مهمة ربيع 2026.

تحويل غزة إلى صحراء بشرية هو قرار سياسي واع يهدف إلى جعل تكلفة البقاء على الأرض أغلى من قدرة البشر على الاحتمال، لدفعهم نحو خيارات عدمية

إن هذا الوضع يضعنا أمام سؤال الجدوى من وجود المنظومة العربية والدولية إذا كانت عاجزة عن انتزاع اعتراف بحق هذا الشعب في إدارة موارده المائية والسيطرة على جغرافيته. إن غزة، بعطشها وظمئها، تعري زيف الخطاب الحقوقي العالمي، وتكشف كيف أن الإنسان في قاموس القوى المهيمنة هو حصرا من يقع ضمن دائرة الرضا الاستراتيجي.

إن المواجهة الحقيقية اليوم هي مواجهة بين إرادة التحرر وبين منظومة تملك مفاتيح الحياة وتستخدمها للإماتة. إن تحويل غزة إلى صحراء بشرية هو قرار سياسي واع يهدف إلى جعل تكلفة البقاء على الأرض أغلى من قدرة البشر على الاحتمال، لدفعهم نحو خيارات عدمية.

لكن ما يغيب عن المخططين هو أن الشعوب التي تعمدت بالدم لا تكسرها ندرة الماء، بل إن العطش يتحول اليوم إلى وقود رمزي لثورة وعي تدرك أن حرية غزة هي الاختبار الحقيقي لضمير العالم في القرن الحادي والعشرين.

وتأسيسا على ذلك، تظل قضية الماء هي قضية السيادة المفقودة، واستعادة الحق في قطرة الماء النظيفة هي جزء لا يتجزأ من معركة استعادة الوطن، فلا يمكن الحديث عن تحرر حقيقي دون كسر القيود التي تكبل إرادة هذا الشعب وتمنعه من ممارسة حقه البديهي في الوجود والسيادة على أرضه ومائه.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)