النهب كسياسة صامتة: نمط ممتد من جنوب لبنان إلى غزة والضفة الغربية

محمود الحنفي
"ظاهرة واسعة للنهب المنهجي الذي يمارسه جنود إسرائيليون"- مواقع عبرية
"ظاهرة واسعة للنهب المنهجي الذي يمارسه جنود إسرائيليون"- مواقع عبرية
شارك الخبر
لم يعد الحديث عن انتهاكات عرضية أو سلوكيات فردية كافيا لفهم ما يجري في مسارح العمليات العسكرية الإسرائيلية، بل باتت بعض الممارسات تقترب من حدود النمط المتكرر الذي يفرض نفسه كظاهرة تستدعي القراءة القانونية والسياسية معا. وفي هذا السياق، يقدّم تقرير نشرته صحيفة هآرتس مادة لافتة، ليس فقط لكونه صادرا عن مصدر إسرائيلي، بل لما يحمله من اعترافات داخلية تضيء على جانب غالبا ما يُحاط بالصمت أو التبرير.

تقرير هآرتس: شهادة من داخل الجيش

في الثالث والعشرين من نيسان/أبريل 2026، نشرت صحيفة هآرتس تحقيقات صادمة كشفت النقاب عن ظاهرة واسعة للنهب المنهجي الذي يمارسه جنود إسرائيليون في جنوب لبنان، مع علم قادتهم وغياب أي مساءلة حقيقية. استند التقرير إلى شهادات جنود وضباط ميدانيين شاركوا في العمليات البرية في جنوب لبنان، تحدثوا عن قيام عناصر من الجيش بنهب ممتلكات مدنيين من منازل ومتاجر، بشكل يتجاوز الحوادث الفردية ليصل إلى مستوى الظاهرة.

حجم الظاهرة وطبيعتها
لا يقتصر نمط الاستيلاء على ممتلكات المدنيين على ساحات القتال المفتوحة، بل يمتد في الضفة الغربية في صورة أكثر تركيبا، حيث يتداخل العمل العسكري مع واقع الاحتلال طويل الأمد

تتضمن قائمة المسروقات، وفقا للشهادات: دراجات نارية، وأجهزة تلفاز، ولوحات فنية، وأريكة، وسجاد، وأثاث منزلي وأجهزة كهربائية متنوعة. وقد وصف أحد الجنود الظاهرة بأنها "ظاهرة مجنونة"، وأضاف: "أي شخص يأخذ شيئا كالتلفزيونات والسجائر والأدوات أو أي شيء آخر يضعه فورا في سيارته أو يخفيه جانبا. إنه ليس سرا، الجميع يراه ويفهمه".

والأخطر أن عمليات النهب كانت تتم علنا، حيث كان الجنود يحمّلون المسروقات في مركباتهم العسكرية عند مغادرتهم لبنان دون أي محاولة للإخفاء، في مشهد يعكس جرأة واضحة وغيابا للانضباط. كما كشفت الصحيفة نفسها عن حالات أكثر فجاجة، بينها سرقة سبائك ذهبية، إذ شهد جندي احتياطي زميلا له يغادر وهو يحملها.

القيادة تعلم ولم تتحرك

تشير شهادات الجنود إلى أن القيادات العسكرية، من القادة الميدانيين إلى كبار الضباط، على علم بهذه الممارسات، غير أنهم فشلوا بشكل عام في اتخاذ إجراءات تأديبية حاسمة لوقفها، يقول أحد الجنود: "القادة على مستوى الكتيبة واللواء يعرفون كل شيء ولا يشكون ولا يغضبون".

وتشير شهادات أخرى إلى أن بعض القادة الذين يعترضون على الممارسة يكتفون بتوجيه توبيخ شفهي دون اتخاذ إجراءات عقابية فعلية. فقد وصف أحد الجنود حالة صاح فيها قائد في جنود كانوا يحملون مسروقات في جيب عسكري وأمرهم بالتخلص منها، لكن لم يتبع ذلك أي تحقيق.

انهيار الانضباط وغياب الرقابة

يرجع الجنود تفاقم الظاهرة إلى مجموعة من العوامل الهيكلية:

أولا، غياب العقاب الذي يرسل رسالة واضحة بالإفلات من العقاب. يقول أحد الجنود: "عندما لا تكون هناك عقوبة، تكون الرسالة واضحة. إذا طردوا أو سجنوا أحدا أو نشروا الشرطة العسكرية على الحدود، لتوقفت الظاهرة فورا".

ثانيا، طول فترات الخدمة والإرهاق النفسي المستمر منذ بدء الحرب في غزة، إذ تحدث أحد الجنود عن خدمة جنود الاحتياط لأكثر من 500 يوم، مشيرا إلى أن القادة "يدركون أن الانضباط قد انهار ويفتقرون إلى القدرة على التأثير، لذا يفضلون تغطية الأمور بهدوء ليتمكن الجنود من العودة للخدمة في الدورة التالية".

ثالثا، إزالة نقاط التفتيش التابعة للشرطة العسكرية التي كانت منصبة لمنع النهب عند نقاط الخروج من جنوب لبنان، إضافة إلى عدم نشر أي نقاط تفتيش على طرق الخروج الأخرى.

ورابعا، تبريرات ميدانية لدى بعض الجنود تقوم على اعتبار الممتلكات "مهجورة" أو "محكومة بالدمار"، إذ يقولون: "ما الفرق إن أخذته؟ هذا المكان سينفجر قريبا على أي حال".

استجابة جيش الاحتلال الإسرائيلي

في مقابل هذه الاعترافات الصارخة، جاء رد الجيش الإسرائيلي ليؤكد أنه يتعامل مع النهب "بأقصى درجات الجدية" ويحظره بشكل صارم، مع اتخاذ إجراءات تأديبية وجنائية عند الضرورة. كما ذكر الجيش أن الشرطة العسكرية تجري عمليات تفتيش عند المعابر الحدودية.

إلا أن تقرير هآرتس أظهر تناقضا واضحا بين هذا الرد الرسمي والواقع الميداني. وأخيرا، بعد نشر التحقيقات، أمر رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير بفتح تحقيق للشرطة العسكرية في عمليات النهب. لكن التساؤل يبقى: هل سيقود هذا التحقيق إلى محاكمات فعلية، أم سيبقى مجرد رد فعل إعلامي ينتهي إلى لا شيء؟

في الضفة الغربية: نهب تحت غطاء القوة

لا يقتصر نمط الاستيلاء على ممتلكات المدنيين على ساحات القتال المفتوحة، بل يمتد في الضفة الغربية في صورة أكثر تركيبا، حيث يتداخل العمل العسكري مع واقع الاحتلال طويل الأمد. فخلال الاقتحامات العسكرية، ولا سيما الليلية، وثّقت تقارير حقوقية متعددة حالات متكررة من الاستيلاء على ممتلكات خاصة من داخل منازل ومحال تجارية، بما في ذلك أموال ومجوهرات ومقتنيات شخصية.

وفي حالات موثقة في مدن مثل بيت لحم، رافقت عمليات الاعتقال أفعال نهب مباشرة، حيث أُفيد بسرقة مقتنيات ثمينة أثناء اقتحام المنازل، في ظل غياب أي آليات واضحة للمساءلة أو استعادة الحقوق. هذه الوقائع، وإن بدت في ظاهرها فردية، تتكرر في سياقات متشابهة، ما يعزز فرضية الطابع المنهجي.

إلى جانب ذلك، يشكّل سلوك المستوطنين امتدادا موازيا لهذه الظاهرة، خصوصا في المناطق الريفية. فقد وثّقت منظمات حقوقية، بينها مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، حالات استيلاء على المحاصيل الزراعية وسرقتها، ولا سيما خلال موسم الزيتون، حيث مُنع مزارعون من الوصول إلى أراضيهم، وسُرقت محاصيلهم بعد جنيها. وفي قرى عدة شمال رام الله وبيت لحم والخليل، سُجلت حوادث اقتحام أراضٍ زراعية والاستيلاء على منتجاتها، إلى جانب تخريب ممتلكات أخرى.

الأكثر دلالة في هذا السياق ليس وقوع هذه الأفعال بحد ذاتها، بل طبيعة الحماية أو التغاضي الذي تحظى به. ففي حالات متعددة، جرت الاعتداءات بحضور قوات عسكرية أو تحت حمايتها، دون تدخل فعّال لوقفها، بل سُجلت حالات تم فيها توقيف الضحايا بدل المعتدين. هذا الواقع يعزز صورة بيئة تتآكل فيها الحماية القانونية للممتلكات الخاصة.

وفي بعدٍ موازٍ، تُنتج سياسات الهدم واقعا قريبا من النهب من حيث الأثر، إذ تؤدي إلى تجريد السكان من ممتلكاتهم دون تعويض فعلي. ففي المناطق المصنفة (ج)، حيث تسيطر إسرائيل على التخطيط، تُفرض قيود شبه مطلقة على البناء الفلسطيني، بينما تستمر عمليات الهدم الواسعة. وتشير معطيات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية إلى هدم مئات المباني خلال عام 2025، ما أدى إلى فقدان آلاف الأشخاص لمساكنهم وممتلكاتهم.

إن ما يحصل يجعل الضفة الغربية حلقة أساسية في فهم النمط الأوسع للنهب، بوصفه ممارسة تتكرر بأشكال مختلفة.

في غزة: نهب بلا شهود

إذا كان تقرير هآرتس قد كشف عن ملامح النهب في جنوب لبنان، فإن الصورة في قطاع غزة تبدو أكثر تعقيدا وخطورة، ليس بسبب غياب الظاهرة، بل بسبب غياب القدرة على توثيقها بشكل ممنهج. فخلافا للبيئات التي ما زالت تسمح بهامش من التغطية الإعلامية، ظلّت غزة منطقة شبه مغلقة، ما حال دون ظهور تحقيقات إسرائيلية مماثلة تكشف حجم النهب الذي رافق العمليات العسكرية.

ورغم ذلك، فإن المؤشرات الحقوقية المتاحة لا تدع مجالا كبيرا للشك. فقد وثّقت جهات حقوقية، من بينها المركز الأوروبي لحقوق الإنسان خلال عام 2025، أنماطا متكررة من الاستيلاء على ممتلكات المدنيين داخل منازل ومحال اضطر أصحابها للنزوح القسري، في سياق يتقاطع مع ما كُشف عنه في جنوب لبنان، وإن كان أكثر غموضا من حيث الحجم والنطاق.

كما ظهرت على نحو متقطع تسجيلات وصور وشهادات تُظهر عناصر عسكرية تستولي على مقتنيات شخصية، من أموال وأجهزة ومحتويات منازل، في غياب أي دلائل على وجود رقابة فعلية أو مساءلة. وتشير تقديرات أولية إلى أن قيمة هذه المسروقات قد تصل إلى عشرات ملايين الدولارات، وهو رقم مرشح للارتفاع مع انكشاف مزيد من الوقائع بعد توقف العمليات العسكرية.

غير أن خصوصية غزة تكمن في أن الدمار الواسع والنزوح الجماعي لم يكونا مجرد نتيجة للعمليات، بل تحوّلا عمليا إلى بيئة تُسهل وقوع النهب وتُعقّد توثيقه في آن واحد. فمع تفريغ مناطق كاملة من سكانها، وغياب أصحاب الممتلكات، تصبح عمليات الاستيلاء أقل عرضة للرصد، وأكثر قابلية للإفلات من المساءلة. وقد أشار مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى مئات الهجمات على المباني السكنية، وهو ما ساهم في خلق هذا الفراغ الرقابي الذي يغذي الظاهرة.

في هذا السياق، لا يخرج ما يجري في غزة عن الإطار العام الذي سبق رصده في جنوب لبنان والضفة الغربية، بل يعمّقه: نهب يتكرر في بيئات مختلفة، ويتغذى من غياب الرقابة والمساءلة، ويستفيد من ظروف النزاع لإخفاء آثاره. وهو ما يعيد التأكيد على أن المسألة لم تعد تتعلق بحوادث معزولة، بل بنمط سلوك يتطلب قراءة قانونية ومساءلة تتجاوز حدود كل ساحة على حدة.

السياق القانوني: من الحظر المطلق إلى جريمة حرب

من الناحية القانونية، لا يثير هذا السلوك أي التباس. فقد نصّت المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة بوضوح على أن "النهب محظور"، وهو حظر أُعيد تأكيده في القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما القاعدة 52 كما وردت في دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر. ويُفهم النهب في هذا الإطار بوصفه أي استيلاء على ممتلكات عامة أو خاصة دون موافقة مالكها وفي انتهاك للقانون الدولي الإنساني، بما يعني أن الممتلكات المدنية تظل محمية من أي تصرف تعسفي، وأن القوة القائمة بالاحتلال تتحمل التزاما إيجابيا بحمايتها.

غير أن أهمية ما يكشفه تقرير هآرتس لا تكمن فقط في وقوع أفعال نهب، بل في طبيعتها ومدى انتشارها. فبموجب نظام روما الأساسي، يُعدّ النهب من جرائم الحرب عندما يقع في سياق نزاع مسلح، لا سيما إذا كان واسع النطاق أو منهجيا أو متكررا. وهذه العناصر تتقاطع بوضوح مع الشهادات التي تصف الظاهرة بأنها "منتشرة" و"روتينية"، بما ينفي عنها الطابع الفردي.

يزداد الأمر خطورة عندما يُرتكب النهب بعلم القيادات أو في ظل تقصيرها في منعه ومعاقبة مرتكبيه، وهو ما يفتح الباب أمام تطبيق مبدأ المسؤولية القيادية

ويزداد الأمر خطورة عندما يُرتكب النهب بعلم القيادات أو في ظل تقصيرها في منعه ومعاقبة مرتكبيه، وهو ما يفتح الباب أمام تطبيق مبدأ المسؤولية القيادية. فالقادة الذين يعلمون -أو يفترض أن يعلموا- بوقوع هذه الانتهاكات، ولا يتخذون إجراءات فعالة لوقفها، يمكن أن يُساءلوا جنائيا. ويكتسب هذا البعد أهميته من الإشارات الواردة في التقرير إلى علم المستويات القيادية بما يجري دون تدخل حاسم.

ومع وضوح القاعدة القانونية، تبقى مسألة المحاسبة محفوفة بتحديات جدية. فجمع الأدلة في مناطق النزاع النشطة يظل معقدا، كما أن عدم تصديق إسرائيل على نظام روما يحدّ من الولاية المباشرة للمحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب العوائق السياسية والدبلوماسية التي كثيرا ما تعرقل مسارات المساءلة. ومع ذلك، فإن ثبات الحظر القانوني واستمرارية التوثيق يظلان عنصرين أساسيين في بناء أي مسار مستقبلي للمحاسبة.

النهب كنمط لا كاستثناء

تكشف الوقائع الواردة في تقرير هآرتس وما تلاه من توثيقات ميدانية أن النهب لم يعد سلوكا فرديا معزولا، بل تحوّل إلى نمط متكرر عبر مسارح مختلفة: جنوب لبنان، الضفة الغربية، وقطاع غزة.

القاسم المشترك بين هذه السياقات يتمثل في بيئة واحدة: نزوح جماعي، ودمار واسع، وغياب رقابة فعالة، وتغاضٍ أو علم من القيادات. في ظل هذه الظروف، يصبح النهب ممارسة ممكنة ومكررة، بل وأحيانا علنية، دون خشية من المساءلة. ومن يعتد القتل بدم بارد، لا يجد صعوبة في الانتقال إلى نهب المحتويات.

وعليه، فإن ما تكشفه هذه الوقائع ليس مجرد انتهاكات متفرقة، بل مؤشرا على خلل بنيوي في احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، ما يستدعي مساءلة تتجاوز حدود كل ساحة على حدة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل