ليست كل الحروب تُقاس بنتائجها المباشرة على
الأرض، فبعضها يُقاس بما تكشفه من فراغات أعمق من الدمار نفسه، وبما تفضحه من
اختلالات في بنية العالم، أكثر مما تُسقطه من قذائف على الجغرافيا. والحرب
العدوانية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد
إيران، في صورتها الأخيرة،
تبدو واحدة من تلك الحروب التي لا تُغلق صفحة مواجهة بقدر ما تفتح كتابًا جديدًا
عن شكل العالم القادم.
فقد بدا واضحًا، مع بداية انقشاع دخان العمليات
العسكرية الأأولى، أن ما جرى لم يكن مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل لحظة اختبار قاسية
للنظام الدولي ذاته. إيران خرجت مثقلة بجراح عسكرية واقتصادية، هذا صحيح، لكن
الأهم من ذلك أن العالم خرج مكشوفًا على حقيقة أكثر إيلامًا: لا أحد خارج واشنطن
قادر على وقف
الحرب أو حتى التأثير الحقيقي في توقيتها أو مسارها أو نهايتها.
إيران خرجت مثقلة بجراح عسكرية واقتصادية، هذا صحيح، لكن الأهم من ذلك أن العالم خرج مكشوفًا على حقيقة أكثر إيلامًا: لا أحد خارج واشنطن قادر على وقف الحرب أو حتى التأثير الحقيقي في توقيتها أو مسارها أو نهايتها.
لقد بدت الولايات المتحدة، رغم كل التعقيدات
التي واجهتها، اللاعب الوحيد القادر على إعلان بداية التصعيد ونهايته في آن واحد،
حتى عندما لم تحقق كامل أهدافها العسكرية، وحتى عندما بدأت كلفة الحرب تتسلل إلى
الاقتصاد العالمي وتضغط على الأسواق وسلاسل الإمداد والطاقة. ومع ذلك، لم تكن هناك
قوة دولية أو إقليمية قادرة على فرض معادلة مختلفة أو حتى تقديم بديل تفاوضي مستقل
عن الإرادة الأمريكية.
وفي لحظة ما، لم يكن الغائب الأكبر هو صوت
البنادق، بل صوت السياسة الدولية نفسها. الأمم المتحدة بدت مراقبًا أكثر منها
فاعلًا، والقوى الأوروبية اكتفت بالبيانات، فيما اكتفت القوى الإقليمية بمحاولة
التكيف مع ما يُفرض عليها من وقائع. حتى الوساطات التي ظهرت في اللحظات الأخيرة لم
تكن سوى أدوات لتمكين “نقطة نزول” تحفظ ماء الوجه، أكثر من كونها مسارات حقيقية
لإعادة صياغة قواعد اللعبة.
المفارقة أن هذه الحرب، بكل ما حملته من
صخب، لم تكشف فقط حدود القوة الإيرانية، بل كشفت أيضًا حدود العالم نفسه. عالم بلا
توازن ردع سياسي حقيقي، وبلا منظومة قانونية قادرة على فرض وقف تلقائي للتصعيد.
عالم تُدار فيه الحروب بمنطق القوة الصلبة، بينما تُدفن القوانين الدولية تحت ركام
الضرورات الأمنية والتحالفات المتحركة.
وفي الخلفية، تظهر حقيقة أكثر قسوة: أن
النظام العالمي، كما تشكّل بعد الحرب الباردة، لم يعد قادرًا على إنتاج “وسيط
ملزم” أو “قوة ضابطة” يمكنها أن توقف اندلاع الحروب أو حتى الحد من تمددها. فكل ما
تبقى هو إدارة الأزمة لا حلّها، واحتواء الانفجار لا منعه.
لكن ما يثير الانتباه أكثر هو الطريقة التي
جرى بها تطبيع فكرة أن الحرب يمكن أن تُدار ثم تُجمَّد ثم تُستأنف، وفق إيقاع
تقرره قوة واحدة، بينما يُطلب من العالم كله أن يتكيف مع نتائجها. هنا تتجلى أزمة
أعمق من السياسة: أزمة معنى النظام الدولي نفسه، الذي يبدو أنه يتحول تدريجيًا من
منظومة قواعد إلى منظومة وقائع مفروضة.
وفي هذا السياق، تصبح الحرب ضد إيران أكثر
من مجرد مواجهة عسكرية، بل علامة على انتقال العالم إلى مرحلة جديدة، تُعاد فيها
صياغة موازين القوة خارج الأطر التقليدية. مرحلة لا تعود فيها المؤسسات الدولية
مرجعية، بل تصبح فيها ملحقة بالقرار الأقوى، لا شريكة فيه.
لم يكن الغائب الأكبر هو صوت البنادق، بل صوت السياسة الدولية نفسها. الأمم المتحدة بدت مراقبًا أكثر منها فاعلًا، والقوى الأوروبية اكتفت بالبيانات، فيما اكتفت القوى الإقليمية بمحاولة التكيف مع ما يُفرض عليها من وقائع. حتى الوساطات التي ظهرت في اللحظات الأخيرة لم تكن سوى أدوات لتمكين “نقطة نزول” تحفظ ماء الوجه، أكثر من كونها مسارات حقيقية لإعادة صياغة قواعد اللعبة.
وفي المقابل، يبدو العالم العربي، بنخبه
السياسية والفكرية، وكأنه يقف خارج هذا التحول، منشغلًا بجدالات الماضي أكثر من
انخراطه في فهم الحاضر. وكأن الزمن توقف عند معارك التأسيس الأولى، بينما التاريخ
في مكان آخر يُعاد تشكيله على نحو لا ينتظر المتأخرين. هذه المفارقة ليست مجرد ضعف
سياسي، بل أزمة إدراك تاريخي، تجعل من الحاضر امتدادًا مشوهًا للماضي، بدل أن يكون
مدخلًا للمستقبل.
إن أخطر ما تكشفه هذه الحرب ليس فقط حجم
الدمار أو ميزان الخسائر، بل حجم الغياب العالمي عن إدارة العالم. غياب قوة قادرة
على ضبط الإيقاع، وغياب رؤية جماعية تمنع انزلاق النظام الدولي إلى منطق الفوضى
المنظمة. وبينما تُطوى صفحة هذه الجولة من المواجهة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن
أمام نهاية حرب، أم بداية عالم بلا مركز، تُدار فيه الأزمات بالقوة وحدها، وتُترك
فيه السياسة لتلحق بالرصاص؟
في كل الأحوال، ما بعد هذه الحرب لن يكون
كما قبلها، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل في بنية العالم ذاته، حيث لم يعد السؤال
من ينتصر؟ بل من يملك حق تعريف النصر، ومن يملك قبل ذلك حق تعريف الحرب نفسها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.