الحرب على إيران.. إلى أين؟

لؤي صوالحة
جيتي
جيتي
شارك الخبر
في قلب الشرق الأوسط حيث تتقاطع المصالح الكبرى وتتقابل الإرادات القوية، تقف إيران اليوم كرمز لاختبار قدرات القوى الإقليمية والدولية. هذه الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية عابرة بل مواجهة إرادات وصراع نفوذ وحرب على مستقبل المنطقة بأكملها، فكل ضربة جوية وكل تهديد دبلوماسي وكل تحرك عسكري يُقرأ في طهران وتل أبيب وواشنطن كرسالة قوة أو ضعف، لكن الحقيقة الأكبر أن المنطقة أمام لحظة مفصلية ستعيد رسم خريطة النفوذ والأمن السياسي للأجيال القادمة.

فإيران ليست مجرد دولة، بل محور مقاومة ممتدة من الخليج إلى لبنان واليمن وفلسطين، محور يعيد تعريف موازين القوى في الشرق الأوسط بطريقة تجعل أي محاولة لفرض إرادة خارجية عليها مكلفة وثقيلة، وهذا ما يجعل الحرب على إيران مختلفة عن أي مواجهة سابقة، فالآلة العسكرية وحدها لا تستطيع فرض النتائج، والرهانات أكبر من مجرد ضربات دقيقة أو تدمير منشآت، إنما هي رهانات على النفوذ السياسي والاقتصادي والتحكم في مسارات الطاقة العالمية وتأثير كل حدث على استقرار المنطقة بأكملها.

لم تعد الحرب ضد إيران مجرد حدث عابر بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقوة كل طرف وقدرته على فرض إرادته، فالمعركة التي بدأت بضربات مركزة تحت عنوان الردع انزلقت بسرعة إلى مواجهة مفتوحة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة وتتشابك فيها الجغرافيا مع مشاريع النفوذ الإقليمي والدولي. منذ البداية بدا واضحا أن الرهان الأمريكي الإسرائيلي كان يقوم على ضربة قاصمة تفقد إيران القدرة على المبادرة، أو على الأقل تدفعها لقبول شروط جديدة على الطاولة، لكن هذا الرهان اصطدم بواقع أكثر تعقيدا، فإيران لم تسقط ولم تنكفئ، بل أعادت توزيع أوراقها ووسّعت مساحة الاشتباك لتتحول الحرب من مواجهة مباشرة إلى صراع متعدد الجبهات، سياسيا وعسكريا وإعلاميا.

إيران اليوم تستخدم كل أدواتها بما فيها الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والقدرة على التأثير عبر وكلائها الإقليميين في لبنان والعراق وسوريا واليمن وفلسطين، كما أنها تستخدم القوة الناعمة والدبلوماسية والحلفاء لتوسيع رقعة الاشتباك، وهذا يعني أن أي حساب تكتيكي يعتمد فقط على التفوق الجوي أو الدقة الصاروخية سيكون ناقصا ولن يحقق النتائج المرجوة، فالمعادلة الإيرانية تقوم على موازنة الخسائر مع رفع كلفة الحرب على الخصوم وجعل كل خطوة ضدها سياسية وعسكرية واقتصادية مكلفة للغاية، وهذا ما يجعل المواجهة أكثر تعقيدا من مجرد حسابات عسكرية بسيطة.

إيران لا تقاتل داخل حدودها فقط بل عبر امتداداتها الإقليمية من العراق إلى لبنان واليمن وفلسطين. استراتيجية طهران واضحة، فهي لا تسعى للنصر السريع بل لرفع كلفة الحرب وتعقيدها على خصومها، فكل تحرك عسكري أمريكي أو إسرائيلي يواجهه رد مضاد يزيد من الضغط على معسكر الخصوم ويجعل كل حساب خاطئ مكلفا. وفي الوقت نفسه تستخدم إيران أدوات سياسية ودبلوماسية ذكية، فاشتراطها إدخال لبنان في أي اتفاق لوقف إطلاق النار ليس مجرد ورقة تفاوض بل إعلان قوة وإشارة لكل الأطراف بأن اللعبة أكبر من مجرد ضربات جوية أو صواريخ دقيقة، وهذا ما يجعل أي مراقب يفهم أن الحرب ليست محصورة على حدود إيران أو أهدافها العسكرية، بل هي حرب على النفوذ الإقليمي بأكمله وعلى القدرة على السيطرة على مفاصل الشرق الأوسط الحيوية بما فيها مضيق هرمز وأسواق الطاقة والنفوذ السياسي في العواصم العربية والإسلامية، وهذا يعكس حجم المخاطر والرهانات في هذا الصراع الذي يتجاوز كل تصور تقليدي للحروب في المنطقة.

رغم التحالف الظاهر بين الولايات المتحدة وإسرائيل هناك تباين حقيقي في الأهداف، فالولايات المتحدة تريد كبح البرنامج الصاروخي والنووي الإيراني دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة قد تؤدي إلى كارثة دولية، بينما تل أبيب تسعى لتدمير القدرة العسكرية الإيرانية بشكل كامل وتعتبر أن أي تسوية جزئية لن تمنع إيران من العودة أقوى بعد سنوات قليلة. هذا التباين يخلق فجوة في إدارة الحرب ويجعل النهاية غير واضحة حتى داخل المعسكر نفسه، وهو ما يفتح الباب أمام تصعيد غير محسوب وامتداد الصراع إلى مناطق جديدة بما فيها مضيق هرمز وطرق الطاقة العالمية وأماكن نفوذ الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. فالخطر لا يكمن في الصراع داخل إيران فقط، بل في إمكانية أن يمتد ليشمل كل دول الخليج ولبنان والعراق وسوريا وربما أجزاء من شمال أفريقيا إذا تم استغلاله بشكل سياسي أو عسكري من قبل أي طرف يريد توسيع رقعة الاشتباك، وهذا يجعل كل خطوة محسوبة في الحرب ليست مجرد حسابات عسكرية بل حسابات استراتيجية وسياسية واقتصادية؛ تتداخل مع الاقتصاد العالمي وأسواق النفط والغاز وتأثيرها على الدول الكبرى وأمنها الداخلي.

التهديدات الأمريكية بتوسيع الضربات مقابل تشدد إيران في شروطها تشير إلى أننا أمام مسارين محتملين: التصعيد الشامل الذي يشمل ضربات أوسع ومواجهة مباشرة أطول واحتمالية تورط دول إقليمية أخرى وتهديد أسواق الطاقة العالمية، أو التسوية الجزئية التي قد تأخذ شكل وقف إطلاق نار هش واستمرار الضربات بشكل محدود دون معالجة جذور الصراع مع بقاء إيران قوة إقليمية مستنزفة. هنا يظهر ما يُعرف بفخ التصعيد، حيث يجد كل طرف نفسه بين خيارين مكلفين، فالانزلاق إلى حرب شاملة قد يهدد مصالحه الاستراتيجية بينما التراجع قد يضعفه سياسيا وعسكريا، وبذلك تتحول الحرب إلى لعبة محصلتها المعقدة لا يمكن التنبؤ بها إلا من خلال دراسة دقيقة للتوازنات الإقليمية والدولية وتأثيراتها على الاقتصاد والأسواق والسياسة الداخلية لكل دولة مشاركة في هذا الصراع، كما أن أي محاولة لتخفيف حدة المواجهة ستواجه بالرفض أو التعقيد نتيجة التوازنات الدقيقة بين القوى وامتداد النفوذ الإيراني عبر وكلائها الإقليميين.

المعطيات تشير إلى أن الحرب لن تنتهي بنصر حاسم لأي طرف بل ستسير على أشكال متعددة من المواجهات المستمرة؛ استمرار الضربات الجوية والصاروخية بشكل متقطع، وتفعيل جبهات غير مباشرة عبر وكلاء إقليميين مثل حزب الله وحركات المقاومة في العراق واليمن وفلسطين، واستمرار التوتر على خطوط الملاحة والطاقة خصوصا مضيق هرمز، وتسوية جزئية أو وقف إطلاق نار مؤقت دون حل جذري للصراع النووي أو الصاروخي. كل هذه السيناريوهات تشير إلى أن الشرق الأوسط مقبل على مرحلة طويلة من عدم الاستقرار وحروب مفتوحة على كل الاحتمالات، وأن أي محاولة لتقليص نطاق المواجهة ستواجه بالرفض أو التعقيد نتيجة التوازنات الدقيقة بين القوى.

وهذه الحرب الإيرانية ليست مجرد صراع على الأراضي أو المنشآت بل حرب على إرادة الشعوب وعلى مستقبل السياسة في المنطقة بأكملها، حرب تُختبر فيها مقاومة الشعوب وقدرتها على الصمود أمام الهيمنة ومحاولات فرض الإرادة بالقوة.

في نهاية المطاف ما يجري اليوم ليس مجرد حرب ضد إيران بل صراع لإعادة رسم مستقبل الشرق الأوسط، فهذه الحرب تثبت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لحسم النتائج وأن المقاومة والدهاء السياسي يمكن أن يعيدا التوازن ولو على حساب سنوات طويلة من الاشتباك. إيران اليوم ليست مجرد خصم بل رمز لصراع أوسع على السيادة والكرامة والقدرة على رفض الهيمنة والرسالة لكل القوى في المنطقة واضحة، ومن يظن أن الحرب ستحسم بسهولة يجهل قوة إرادة الشعوب وصعوبة فرض النصر بالآلة العسكرية وحدها.

الشرق الأوسط اليوم أمام فصل جديد من الصراع المفتوح؛ لن تُحسم صفحاته إلا عبر التوازن بين القوة والعقل والمقاومة، ولن يُكتب إلا بدماء وقرار الشعوب التي رفضت الانكسار، وهذا يجعل الحرب الإيرانية واحدة من أكثر الحروب تعقيدا وتأثيرا في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، فهي حرب تحمل في طياتها رسائل لكل القوى في المنطقة بأن أي محاولة لتهميش الإرادة أو تقويض القوة الإقليمية ستقابل بمقاومة وحسم شديدين، وأن مستقبل المنطقة لن يُكتب إلا بمن يملكون الصبر والحكمة والقدرة على إدارة صراع متعدد الأبعاد، حرب تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي والأسواق والمجتمعات ولن ينتهي أثرها إلا بتوازنات جديدة يصعب التنبؤ بها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)