الحرب
الحالية التي اندلعت في نهاية شباط/ فبراير وبداية آذار/ مارس 2026 بين
إيران من
جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، قدمت مثالا واضحا على الواقع. فمنذ
الأيام الأولى للصراع تحركت واشنطن بسرعة لتوسيع دائرة الدعم الدولي للحملة
العسكرية، في حين اختارت طهران خوض المواجهة اعتمادا على قدراتها الذاتية
ومؤسساتها الداخلية المتجذرة. ومن هنا تشكلت صورة استراتيجية لافتة هي تحالف غربي واسع في مواجهة دولة
تعتمد على قوتها الداخلية وتماسكها السياسي.
لم
تنتظر الولايات المتحدة طويلا بعد اندلاع الحرب حتى بدأت الاتصالات مع حلفائها
الغربيين. فمع دخول الحرب يومها الثالث أدركت الإدارة الأمريكية أن العمليات
العسكرية ضد إيران تتطلب بنية دعم أوسع من مجرد القدرات الأمريكية-
الإسرائيلية
المباشرة. فالمسافات الطويلة، وكثافة القدرات الهجومية الإيرانية، واتساع
الجغرافيا التي تدور فيها المواجهة، كلها عوامل جعلت الحرب تحتاج إلى شبكة لوجستية
عسكرية ضخمة تمتد عبر القواعد الجوية والبحرية المنتشرة في أوروبا والشرق الأوسط
والمحيط الهندي.
أخذت الحرب منذ أيامها الأولى طابعا يتجاوز الصراع الثنائي المباشر، فبينما كانت الولايات المتحدة وإسرائيل في واجهة العمليات العسكرية، كان خلفهما نظام تحالف غربي واسع يوفر الدعم اللوجستي والسياسي والعملياتي
لهذا
السبب توجهت واشنطن إلى أقرب حلفائها الاستراتيجيين في أوروبا؛ كانت بريطانيا في
مقدمة هذه الدول، بحكم موقعها داخل منظومة التحالف العسكري الغربي وعلاقتها
التاريخية بالولايات المتحدة. وقد برزت أهمية القواعد العسكرية البريطانية في هذه
الحرب بوضوح، إذ تمتلك بريطانيا قواعد جوية قادرة على استقبال القاذفات
الاستراتيجية والطائرات الثقيلة التي تُستخدم في العمليات بعيدة المدى. ومن بين
هذه القواعد قاعدة "فيرفورد" الجوية التي تُعد نقطة انطلاق أساسية
للقاذفات الأمريكية، إضافة إلى قاعدة "دييغو غارسيا" في المحيط الهندي،
التي تمثل أحد أهم المراكز اللوجستية للعمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة.
إن
أهمية هذه القواعد لا تكمن فقط في قدرتها على استقبال الطائرات، بل في دورها ضمن
شبكة الإمداد العسكري التي تعتمد عليها الجيوش الحديثة. فالقاذفات الاستراتيجية
تحتاج إلى مسارات جوية آمنة، وإلى مراكز للتزود بالوقود والصيانة، وإلى بنية قيادة
وسيطرة مرتبطة بالأقمار الصناعية وشبكات الاستخبارات، وكل هذه العناصر لا يمكن
توفيرها دون تعاون وثيق بين الدول الحليفة.
ولم
يكن التحرك الأمريكي مقتصرا على بريطانيا وحدها، فقد امتد ليشمل فرنسا أيضا، التي
تمتلك حضورا عسكريا مهما في البحر المتوسط والخليج. وقد سارعت باريس إلى تعزيز
وجودها العسكري في المنطقة عبر إرسال حاملة الطائرات "شارل ديغول"
ومجموعة من السفن الحربية وأنظمة الدفاع الجوي. هذا التحرك عكس إدراكا أوروبيا بأن
الحرب في الشرق الأوسط يمكن أن تؤثر مباشرة في أمن الطاقة والتجارة الدولية، وهو
ما دفع عدة دول أوروبية إلى رفع مستوى جاهزيتها العسكرية في المنطقة.
وهكذا
أخذت الحرب منذ أيامها الأولى طابعا يتجاوز الصراع الثنائي المباشر، فبينما كانت
الولايات المتحدة وإسرائيل في واجهة العمليات العسكرية، كان خلفهما نظام تحالف
غربي واسع يوفر الدعم اللوجستي والسياسي والعملياتي. وهذا النمط من الحروب ليس
جديدا في الاستراتيجية الغربية؛ إذ تعتمد واشنطن تقليديا على شبكة من
الحلفاء
والقواعد العسكرية المنتشرة حول العالم لضمان تفوقها العملياتي في أي صراع كبير.
غير
أن الجانب الآخر من الصورة كان مختلفا تماما، فإيران لم تدخل الحرب بوصفها جزءا من
تحالف دولي عريض، بل باعتبارها دولة تعتمد على قدراتها الذاتية ومؤسساتها الوطنية.
وقد شكل هذا التباين أحد أبرز ملامح الصراع، ففي حين كانت الولايات المتحدة تحشد
الدعم من حلفائها الغربيين، كانت طهران تؤكد أنها تخوض المواجهة بإمكاناتها الخاصة.
هذا
الموقف لم يكن مجرد شعار سياسي، بل يعكس طبيعة النظام السياسي والعسكري الإيراني
الذي تطور خلال عقود طويلة من الضغوط والعقوبات. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية
عام 1979 واجهت إيران سلسلة متواصلة من الأزمات الخارجية، بدءا من الحرب
العراقية-الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، مرورا بالعقوبات الاقتصادية
الواسعة، وصولا إلى المواجهات غير المباشرة في المنطقة. هذه التجارب المتراكمة أدت
إلى بناء مؤسسات أمنية وعسكرية تتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية والقدرة على
العمل في ظروف معقدة.
وتكمن
إحدى نقاط القوة الأساسية في النموذج الإيراني في تعددية مؤسساته الدفاعية.
فالقوات المسلحة التقليدية، والحرس الثوري، والمؤسسات الصناعية العسكرية، جميعها
تشكل منظومة مترابطة تعتمد بدرجة كبيرة على الإنتاج المحلي والتطوير الذاتي. وقد
سمح هذا الهيكل المؤسسي لإيران بتطوير قدرات صاروخية وبحرية ودفاعية دون الاعتماد
على تحالفات عسكرية خارجية واسعة.
كما
أن البعد التاريخي يلعب دورا مهما في فهم هذا النهج، فإيران ليست دولة حديثة
النشأة، بل حضارة عريقة تمتد جذورها آلاف السنين في تاريخ المنطقة. هذا الإرث
الحضاري ترك أثرا واضحا في الثقافة السياسية الإيرانية التي تميل إلى الاعتماد على
الذات والحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي. ومن هنا يمكن فهم الإصرار الإيراني على
خوض الحرب دون طلب تدخل عسكري مباشر من دول أخرى.
ومن
منظور استراتيجي أوسع، يكشف هذا التباين بين الطرفين عن نموذجين مختلفين في إدارة
القوة؛ النموذج الأول يعتمد على التحالفات الدولية الواسعة التي توفر التفوق
اللوجستي والعسكري، وهو النموذج الذي تمثله الولايات المتحدة وشركاؤها الغربيون.
أما النموذج الثاني فيقوم على القدرة الذاتية والتماسك الداخلي، وهو النهج الذي
تتبعه إيران في هذه المواجهة.
إن
هذا الفرق لا يعني بالضرورة أن أحد النموذجين يتفوق دائما على الآخر، لكنه يوضح
طبيعة الحسابات الاستراتيجية لكل طرف. فالتحالفات تمنح قوة هائلة لكنها تتطلب
توافقا سياسيا معقدا بين الدول المشاركة، ويمنح الاعتماد على الذات درجة أعلى من
الاستقلالية لكنه يفرض ضغوطا كبيرة على الموارد الداخلية.
في
حالة الحرب الحالية ظهرت هذه المعادلة بوضوح، فقد وجدت الولايات
المتحدة نفسها بحاجة إلى تنسيق مستمر مع حلفائها لضمان استمرار العمليات العسكرية،
بينما ركزت إيران على إدارة مواردها الوطنية ومؤسساتها الدفاعية لمواجهة الضغوط
العسكرية والاقتصادية في آن واحد.
هذه الحرب تكشف عن درس مهم في العلاقات الدولية؛ هو أنّ القوة لا تُقاس فقط بحجم التحالفات، بل أيضا بقدرة الدولة على الاعتماد على نفسها عند الضرورة
واللافت
أن قدرة إيران على الصمود في مثل هذه الظروف تعكس مستوى من الاستقرار المؤسسي
والسياسي يصعب تجاهله. فالدول التي تفتقر إلى مؤسسات قوية غالبا ما تواجه اضطرابات
داخلية سريعة عند تعرضها لضغوط عسكرية خارجية كبيرة. أما في الحالة الإيرانية، فقد
أظهرت المؤسسات الحكومية والعسكرية درجة من التماسك سمحت بإدارة الأزمة دون انهيار
في البنية الداخلية للدولة.
ومن
هنا يمكن فهم طبيعة الخطاب الإيراني الذي يؤكد أن البلاد تخوض حربها اعتمادا على
إمكاناتها الذاتية، فهذا الخطاب ليس مجرد تعبير سياسي، بل انعكاس لواقع استراتيجي
يتمثل في وجود مؤسسات متجذرة وقدرات دفاعية تطورت عبر عقود طويلة من التحديات.
لا
بد من القول بأن هذه الحرب تكشف عن درس مهم في العلاقات الدولية؛ هو أنّ القوة لا تُقاس فقط بحجم التحالفات،
بل أيضا بقدرة الدولة على الاعتماد على نفسها عند الضرورة. وبينما تقف الولايات المتحدة وإسرائيل مدعومتين بشبكة
واسعة من الحلفاء، تواصل إيران إدارة المواجهة مستندة إلى منظومة داخلية متماسكة
وإرث تاريخي طويل من الصمود أمام الضغوط الخارجية.
وهكذا
يتحول الصراع من مجرد مواجهة عسكرية إلى اختبار عميق لقدرة الدول على استخدام
مصادر قوتها المختلفة. فبعض الدول تستند إلى التحالفات الدولية، وأخرى تعتمد على
تماسكها الداخلي، وفي الحالة الراهنة يجتمع هذان النموذجان في مواجهة مباشرة ترسم
ملامح مرحلة جديدة من التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
x.com/fatimaaljubour