أطلت علينا
الحلقة الثانية من
حرب مثلث الشيطان
إسرائيل وأمريكا من جانب وإيران من الجانب الآخر،
وعلى مسرح الأحداث أتباع وأشباح.
(1) أبطال هذه الحرب الثلاثة -رغم ادعائهم الشجاعة والقوة- بطولاتهم في معارك
صغيرة غير متكافئة أو انتفاخات متوهمة صنعتها بروباغندا إعلامية كذوبة أو متجمّلة.
تسيّر هذه
الحرب وتوقد مشاعلها أهواء شخصية وأزمات داخلية، بأكثر مما تنفخ فيها استحقاقات وطنية
أو أسباب استراتيجية حركت الرؤوس الثلاثة؛ نتنياهو وترامب وخامنئي.
نتنياهو يقدم
نفسه كمنقذ للشعب اليهودي ومخلص إسرائيل من لعنة العقد الثامن، وفي نفس الوقت يقفز
إلى الأمام هروبا من أحكام جنائية واستحقاقات توشك أن تعصف بمستقبله السياسي.
ترامب خرج
للتو من شو عملية "مادورو" الهوليودية، فسولت له نرجسيته المفرطة حد جنون
العظمة أن يضيف إلى بطولاته المتوهمة نصرا رخيصا -كما يظن- على أرض
إيران الضعيفة،
ويحلم بالصفقات الثمينة في منطقة الأشباح الأغبياء الأغنياء.
الحرب رسالة إنذار أبعد من مجرد استهداف بلد يسمى إيران، فالخلاص من إيران سيمثل صورة من الانتشاء الإسرائيلي، وسيحقق تمكينا لا بأس به لنتنياهو، الأمر الذي سيدفع دولة الخوف في إسرائيل إلى تعظيم الأهداف والتوسع في المزيد من تعبيد الشرق الأوسط للهيمنة الإسرائيلية
خامنئي وإن
كان قد سُحب إلى هذه الحرب رغم أنفه، إلا أن استمرار نظام حكمه -حتى وإن راح هو ضحيتها-
بعد هذه الحرب يعد صمودا أسطوريا لنظام ناطح القوة العظمى في العالم وهاجم قواعدها
في كل دول الجوار التي لم تستطع الا الشجب والندب كعادها، وفي ذات الوقت هذا الصمود
إن حدث سينقذ نظامه من حراك داخلي حاد ويتيح له سيف الانتقام والتخويف.
(2) بعيدا عن منطلقات نتنياهو الشخصية، فإن إسرائيل تعاني من شرخ كبريائها العسكري
وإهانة جيشها في غزة، إذ بعد حرب دامت سنتين لم تستطع فك أسراها الا عبر طاولة المفاوضات،
ولم يكن ذلك بقوتها، بل بحبل من الناس ممثلا في أمريكا والغرب دولا ومؤسسات، وخيانة
العرب.
إسرائيل وجدت
في إيران العدو الواضح الذي يسهل التعامل معه، خاصة إذا ما جرجرت ترامب وأمريكا وجيشها
في هذه المعركة المحسومة. التفوق الجوي للسلاح الإسرائيلي وأرض إيران المكشوفة والمليئة
بالعملاء والجواسيس؛ أغرى نتنياهو بأحراز أهدف كبرى يصعب على مثله تفويتها.
(3) مقررات عديدة سيفرضها انتصار حاسم يُحسب لإسرائيل إن حققت أغراضها في حرب
إيران الثانية، وستفتح الباب لما هو أبعد، كما بدا للحالم الصهيوني في لحظتنا الراهنة،
من ذلك.. إسرائيل ستظهر كما لو كانت القوة المهيمنة في المنطقة؛ حتى أن إيران التي
ترعب العرب، جاستها إسرائيل بـ200 طائرة أحرقت 500 موقع في أنحاء إيران في طلعتها الأولى
وساعات افتتاحية الحرب.
هذا المشهد
يعلن للعالم كله أن إسرائيل قوة تقف منفردة وتفعل ما تريد في المعركة، وأن المنطقة
مجرد أشباح، وربما يمسح ذلك جزاء من عار إسرائيل وجيشها الذي تلطخ في رمال غزة. إنها كذلك
رسالة واضحة للأنظمة في المنطقة؛ أن بقاءكم مرهون بالرضا الإسرائيلي، وأن الانبطاح
للوحش الإسرائيلي هو صك للرضا الإسرائيلي لإبقاء الأنظمة، بل إن إبقاءها هو منحة إسرائيلية
وتَفَضُّل يجب أن يُشكر.
الحرب رسالة
إنذار أبعد من مجرد استهداف بلد يسمى إيران، فالخلاص من إيران سيمثل صورة من الانتشاء
الإسرائيلي، وسيحقق تمكينا لا بأس به لنتنياهو، الأمر الذي سيدفع دولة الخوف في إسرائيل
إلى تعظيم الأهداف والتوسع في المزيد من تعبيد الشرق الأوسط للهيمنة الإسرائيلية بالطمع
في هدفين ثمينين؛ تركيا وباكستان.
حقيقة أخرى
أن تقويض القدرات العسكرية في باكستان والقدرات العسكرية والاقتصادية في تركيا، لا
يعني فقط إزالة كل أسباب المنعة للأمة وتحطيم كل محددات وعوارض الهيمنة المطلقة لإسرائيل،
ولا يعني أن بنك أهداف الجشع الصهيوني قد انتهى؛ سيأتي هدف ربما أسهل من سابقية لكنه
كبير في تاريخه وكبير في الذاكرة الإسرائيلية الاستراتيجية؛ إنها مصر، سيُفتح حينها
الباب على مصراعيه للكبرياء الإسرائيلي بالعبث والتلاعب بمصر وجيشها المكشوف، وإهانة
تاريخها وقهر حاضرها.
ما الذي يمنع
نتنياهو إذا وصل لهذه المرحلة أن يهين الجيش المصري ويذله بضربات لمقدراته؛ بعد حملة
إعلامية وبروباغندا عن أسلحة نووية أو خلايا إرهابية، أو حتى دعاوى لحماية الشعب المصري
من بطش الجيش أو من انتشار الإخوان المسلمين؛ العدو الأزلي للحركة الصهيونية؟ وقتها
ستتضافر البروباغندا الأمريكية مع نظيرتها الإسرائيلية ويسير خلفهما الغرب ويتحقق الهدف
بإذلال مصر -كبيرة العرب ورأس حربتهم- وينتهي الأمر باحتلال سيناء، وتبقى إسرائيل هي
الراية الوحيدة المرفوعة في منطقة مترامية؛ منكسة الرأس مهيضة الجناح.
(4) ستظل هذه أحلام إسرائيل ومنطلقات ومستهدفات قادتها، طالما ظلت حالة الموات
والتفكك والتشتت تحكم منطقتنا المخطوفة، وطالما ليس لنا أهداف ولا لقادتنا منطلقات،
ولو مقاومة الذهنية الإسرائيلية المجرمة وإيقاف هذا الصلف الملعون.
لا نملك أمام
هذا الخطر الداهم والسيناريو المحتمل أن ننادي قادة أو حُكَّاما يمكن أن يفيقوا أو
أن يغضبوا فضلا أن يتحركوا ويقاوموا. وحتى لو بحثنا في نخب الواقع التعيسة، فهم ما
بين أشباح وأموات؛ لا حياة فيهم ولا حراك؛ حتى نصرخ فيهم أو نستصرخهم أن أنقذونا من
هذا المآل المظلم الكئيب. بل لا نملك جيوشا ولا جنرالات عسكرية غيورة، ولا حتى مؤسسات
سيادية لها نخوة تدفعها لأن تواجه شرا أو تدفع خطرا، بل سيكون أكبر دور لهؤلاء عند
المأساة؛ هو ترهيب كل من يغضب واعتقال كل من يرفض، وتسويق الأحداث على أنها عدوان خارجي
غاشم، وأن الزعيم المفدى يتعامل معه بعقلانية وحكمة.
(5) لعل الوقت لم ينفد بعد، ولا زالت الحرب الجارية لم تبح بكل أسرارها، وليس
الواقع بيد إسرائيل وحدها، ولا التاريخ ما ينطق به ترامب، لأن صمود إيران في هذه الحرب
واستمرارها في إطلاق الصواريخ على إسرائيل ربما يغير من دفة المعركة ويغير نتائجها.
لعل الوقت لم ينفد بعد، ولا زالت الحرب الجارية لم تبح بكل أسرارها، وليس الواقع بيد إسرائيل وحدها، ولا التاريخ ما ينطق به ترامب، لأن صمود إيران في هذه الحرب واستمرارها في إطلاق الصواريخ على إسرائيل ربما يغير من دفة المعركة ويغير نتائجها
إن انتصارا
حاسما لإيران لا ينتظره أفضل المتفائلين ولا يقبله منطق مستقيم، لكن يمكن أن تتحول
الحرب إلى صراع استنزاف لا هازم فيه ولا مهزوم. إن صمود إيران في الحرب لأسابيع لن
يستبقي لها قوة تخيف جيرانها، لكن تداعيات ذلك ستكون وخيمة على إسرائيل؛ التي لن تتحمل
استمرار هذا الإغلاق لأسابيع ولا حتى أيام.
شعب الكيان
الصهيوني لا يصبرون للخوف ولا يتحملون صفارات الإنذار في مستوطناتهم ولا في مدنهم مدة
طويلة، ستتعاظم الهجرة العكسية وستتصدع الجبهة الداخلية، وسينقلب السحر على الساحر
وستتحول الأحلام والأماني إلى هواجس وكوابيس.
(6) على صعيد أمريكا؛ سيفيق ترامب من نرجسيته الحالمة التي تغنّى بها وظن أنه
ملك العالم بقبضة يمينه، وربما يتقيأ من تداعيات ونقاشات حرب إيران ما ثمل به في نشوة
"مادورو".
إن أمريكا
اليوم في عهدة ترامب الحالية مؤهلة أكثر من أي وقت مضى لأن تفقد هالة القوة التي يسوّقها،
وربما يهوي النسر الأمريكي إلى أرض الواقع منكفئا عن جنون العظمة الترامبية وأحلامه
وهلاوسه.
ولا أقول سيفقد
ترامب مصداقيته، لأنه دخل البيت الأبيض بلا مصداقية يحفظها له عدو ولا صديق، ولكن مواقف
أمريكا وترامب اللاأخلاقية ربما تُفقد أمريكا ترامب سردية القوة العاقلة وسببية القوة
العالمية العظمى، وستتآكل حلقة التماسك الداخلي وسيتحول الجدل والتنافس السياسي في
الداخل الأمريكي إلى ما هو أشبه بالصراع، وستظهر تشققات عميقة في بنية وبنيان وأساسات
الدولة العظمى.
ماذا يمكن
أن يصيب أمريكا الدولة التي بنت قوتها على التنوع والاختلاف بعد أن أوصل ترامب مكونات
المجتمع للتصادم والعنف؟ ماذا فقدت أمريكا من شبابها بعد أن أقنعتهم بأنها واحة التعبير
واحترام حقوق الإنسان، فلما جاءت حرب غزة تحولت ساحات الجامعات الكبرى إلى ساحة للاعتقالات
وتحولت قاعاتها ورموزها إلى محاكم للتفتيش؟ ما الذي أثارته أحداث القتل مواجهة المدنيين
بالقوة العسكرية في ولاية مينيسوتا؟
ماذا لو حركت
إيران بعض العقائديين لتنفيذ عمليات في الداخل الأمريكي؟ إلى أي مدى سيتأثر بهم الواقع
الأمريكي؟ وأي تداعيات لذلك على اللحمة السياسية والاجتماعية؟ في أي صف حينها سيقف
مهووسو ترامب في مواجهة تيار هادر يلعن ترامب ووجوده وما جره على أمريكا وعلى مصالحها
ومصالح الناس فيها؟
أتصور أننا
في ختام أزمة كبرى وكرة جليد تدحرجت كان السبب الرئيس فيها انهيار منظومة الأخلاق التي
كانت تدَّعيها أمريكا والغرب الديمقراطي، تهاوت حلقاتها خطوة خطوة حتى انهارت محكمات
القانون الدولي واحترام سيادة الدول ثم انهارت المؤسسات الدولية؛ فجُرّم القضاة في
المحاكم الدولية، وأصبح مجلس الأمن والأمم المتحدة مسرحا للعرائس والدمى، وبات القانون
هو ما يسطره مجرم الحرب نتنياهو لمصالحه الشخصية طالما يجر وراءه السكير العربيد ترامب،
وأصبح العالم بقاراته الست ودوله وملياراته؛ يحكمه إبستين من قبره بأخزى مما حكم به
جزيرته الملعونة.