"إن
(الرئيس
ترامب) يتساءل عن سبب عدم استسلامهم، لا أريد استخدام كلمة
استسلام، ولكن
لماذا لم يستسلموا؟".
"لماذا، في إطار هذا النوع من الضغط، ومع
كل هذه القوة البحرية التي نمتلكها هناك، لم يأتوا إلينا ويقولوا: نحن نعلن
أننا لا نريد امتلاك السلاح (النووي)؟".
"ترامب سألني هذا الصباح عن الخطوط الحمراء لإيران في المفاوضات وهو،
لا أريد أن أستخدم كلمة محبط، لأنه يدرك أن لديه خيارات أخرى كثيرة" (ستيف
ويتكوف، المطور العقاري الأمريكي الذي أصبح وسيطا دبلوماسيا في الشرق الأوسط، في
تصريحات متلفزة بثت يوم الأحد الماضي).
هل عززت هذه التصريحات من موقف
إيران التفاوضي عن غير قصد، وبعثت برسالة
مفادها أن الرئيس ترامب الذي يعتقد أن القوة ستجعل العالم كله يركع تحت قدميه يبدو
عاجزا عن إنفاذ تهديداته المستمرة منذ شهور؟ فلا هو قادر على دخول
حرب شاملة ضد
إيران تنتهي كما قال غير مرة بتغيير النظام، ولا هو قادر على إقناع إيران بزيادة
مساحة التنازلات في الملف النووي، بحيث يخرج متباهيا: لقد أنجزت اتفاقا تاريخيا
يفوق اتفاق الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما.
السؤال ليس هل سيتم قصف إيران، وفق هذه المعلومات التي تعيد للذاكرة حكاية امتلاك العراق لأسلحة كيماوية لم تكتشف حتى تاريخه رغم الغزو الأمريكي للعراق قبل 23 سنة، إنما السؤال: هل ستنجح هذه الضربة أم ستكون مثل أختها في الرضاعة في العام الماضي؟
خيارات ترامب المتاحة حتى اللحظة تجعلنا نفكر في العقلية الإيرانية التي
تدير التفاوض وسط ضغوط هائلة وظروف إقليمية ودولية غاية في السوء والتربص؛ لخصها الأكاديمي
الإماراتي د. عبد الخالق عبد الله في تغريدة مثيرة للجدل يوم 22 شباط/ فبراير
الحالي، جاء فيها: "إيران منهكة وخسرت معظم أوراقها التفاوضية وعلى وشك قبول
90% من شروط الرئيس تؤامب أبرزها 1) نووي مخفف، 2) نزع الصواريخ الباليستية بعيدة
المدى، 3) لا تصدير للثورة بعد اليوم، 4) انفتاح غير مشروط على شركات واستثمارات
أمريكية , رغم ذلك يظل الهجوم على إيران وارد 50% لعدم الثقة بإيران".
لقد زادت وتيرة دقات طبول الحرب، حتى أننا شاهدنا الإعلامي الصهيوني
اليهودي مارك ليفين الذي وصف ترامب وهو يضع يده على كتفه في مشهد فريد وغريب بأنه
أول رئيس يهودي لأمريكا، هذا الرجل قام بنشر فيديو وقام ترامب بإعادة نشره (ريتويت)،
طالب فيه بوقف التفاوض وعدم توقيع أي اتفاق، "فالمسألة ليست توقيع اتفاق أو
مفاوضات، والأمر هو لماذا نتفاوض؟ هل سنخضع هؤلاء ونجعلهم تحت السيطرة؟ لا، فماذا
لو وقعنا اتفاقا اليوم وجاء رئيس جمهوري ضعيف أو رئيس ديمقراطي؟ إنهم سيطورون
القنبلة النووية وينتجون آلاف الصواريخ الباليستية من جديد. إنهم في حالة ضعف شديد
الآن. المشكلة ليست في التفاوض ولا في الاتفاقات، بل في هذا النظام الذي يجب
التخلص منه".
إذا عدنا إلى أرض الواقع بعيدا عن خيالات وتوهمات عبد الخالق عبد الله أو
تحريض مارك ليفين، سوف نجد أن الواقع يقول وبلسان أمريكي عسكري لا لبس فيه أن رئيس
أركان القوات المسلحة الأمريكية الجنرال دانيال كين قد حذر من ضرب إيران، وقال إن
هناك مخاطر كبيرة واحتمال التورط في صراع طويل، ما دفع ترامب للرد عليه علانية
قائلا: "إن ما نقل عن الجنرال محض افتراء وأخبار مضللة، فالجنرال لا
يريدها (أي الحرب) لكنه يضمن نصرا سهلا حال قررنا المواجهة"، وأضاف ترامب:
"أنا صاحب القرار". فمن ذا الذي يبدو ضعيفا أو مترددا ويخشى، لا
أقول الهزيمة، ولكن تكرار الموقف السابق بعد قصف المنشآت النووية الإيرانية في
2025، حيث زعم ترامب بعدها أنه تم القضاء على البرنامج النووي الإيراني بالكامل
وعارضته بعض وسائل الإعلام الأمريكية فسخر منها واعتبرها كاذبة ومضللة.
ترامب الذي أعلن نهاية البرنامج النووي من قبل؛ خرج مستشاره أو مبعوثه ستيف
ويتكوف للتغطية على تصريحاته التي أظهرت ضعف الموقف الأمريكي ليقول في تصريحات
لاحقة: "إن إيران على بعد أسبوع واحد من تطوير القنبلة النووية"،
ما يعني ضرورة بل حتمية قصفها قبل نهاية الأسبوع الحالي، والسؤال ليس هل سيتم قصف
إيران، وفق هذه المعلومات التي تعيد للذاكرة حكاية امتلاك العراق لأسلحة كيماوية
لم تكتشف حتى تاريخه رغم الغزو الأمريكي للعراق قبل 23 سنة، إنما السؤال: هل ستنجح
هذه الضربة أم ستكون مثل أختها في الرضاعة في العام الماضي؟
نعود إلى أجواء الحرب التي تخيم على المنطقة والفوضى المتوقعة فيما إذا تم
الهجوم على إيران، وأعني بالهجوم هنا الحرب بما في ذلك التدخل البري وإسقاط رموز النظام
وربما تكرار المشهد العراقي عام 2003، فالحقيقة أن الحشود العسكرية غير مسبوقة،
وهناك مئات الطائرات المقاتلة وحاملات الطائرات والسفن الحربية وقرابة 40 ألف جندي
تم إرسالهم ناهيك عن الموجودين في القواعد المنتشرة في جسم العالم العربي انتشار
النار في الهشيم، ومثل هذا العدد ربما يكون كافيا لضربة البداية لكن أمريكا سوف
تحتاج إلى أضعاف ما أرسلته للعراق في 2003 (بلغ عدد الجنود على الأرض 180 ألف جندي،
منهم 130 ألف أمريكي وحوالي 50 الف بريطاني وأسترالي). الأمر مختلف، ففي العراق
كانت إيران والشيعة يقدمان الدعم بكافة صوره وأشكاله للقوات الغازية، ولا أتصور
وجود مثل هذه الميزة داخل إيران إذا شُنت الحرب، كما أن حكاية أن النظام الإيراني
ضعيف تكذبها روايات قتل النظام عشرة آلاف مواطن في التظاهرات الأخيرة، وهي إشارة
إلى حجم البطش والقوة المفرطة التي سيلجأ إليها النظام لمواجهة أي تمرد محلي أثناء
الحرب.
لا شك أن الحرب تعني الدمار والخسارة وإعادة إنتاج التخلف والتراجع، وهذا ما تحاول إيران تجنبه بتقديم تنازلات مقبولة في الملف النووي لا تحرمها حقها الطبيعي في امتلاك سلاح نووي كما تفعل دولة الكيان والهند وباكستان وغيرها، لكن إذا شُنت الحرب فلا حل سوى الرد أو الفوضى التي يسعى إليها نتنياهو ورفاقه
وحتى لو تم عزل النظام بالقتل أو بالخطف كما يتصور البعض، فإن سلسلة
القيادة البديلة في إيران جاهزة ومعدة سلفا، وهي ليست أقل من حزب الله الذي استطاع
تعويض القيادات بعد اغتيال الأمين العام الشيخ حسن نصر الله واغتيال المرشح البديل
له هاشم صفي الدين بعد عشرة أيام من اغتيال نصر الله، وهذا يدل على سرعة تعاطي
سلسلة القيادة للضربات والتعافي السريع منها في الحزب فما بالك بدولة بحجم إيران؟
سر عدم استسلام إيران هي كلمة قالها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يوم
15 فبراير الحالي، جاء فيها: "نحن نتعامل الآن
مع رجال دين شيعة راديكاليين، نتعامل مع أشخاص يتخذون قرارات سياسية وجيوسياسية
بناءً على أسس دينية بحتة، وهذا أمر معقد. لم يسبق لأحد أن نجح في التوصل إلى
اتفاق مع إيران، لكننا سنحاول".
لقد نجحت المقاومة في غزة الصمود لعامين متتالين في وجه حرب هي أشبه بالحرب
العالمية، إذ اجتمع الغرب والشرق ضد المقاومة وضد الشعب الفلسطيني، وظلت المقاومة
صامدة وهي تقاوم وحيدة جيش الاحتلال المدعوم بترسانة أسلحة أمريكية وغربية متطورة،
ومدعوم سياسيا وإعلاميا من دول الجوار(الجدار) للأسف، وأتصور أن هذه المقاومة ملهِمة
لأي أمة أو دولة لديها جيش وتاريخ وخبرات قتالية في المنطقة.
لا شك أن الحرب تعني الدمار والخسارة وإعادة إنتاج التخلف والتراجع، وهذا
ما تحاول إيران تجنبه بتقديم تنازلات مقبولة في الملف النووي لا تحرمها حقها
الطبيعي في امتلاك سلاح نووي كما تفعل دولة الكيان والهند وباكستان وغيرها، لكن
إذا شُنت الحرب فلا حل سوى الرد أو الفوضى التي يسعى إليها نتنياهو ورفاقه.
دعونا ننتظر ونرى ما تحمله الأيام من مفاجآت لأمريكا والعالم وهذه المنطقة
المنكوبة.