في ظل تصاعد الحديث عن
احتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران، وتزايد المؤشرات على تعثر المسارات التفاوضية
المرتبطة بالملف النووي، يتقدم العامل
الاقتصادي إلى واجهة المشهد بوصفه المحدد
الأكثر حساسية في معادلة الصمود.
فالمواجهة في الحالة
الإيرانية لم تعد عسكرية بحتة، بل باتت ذات طبيعة مركّبة تتداخل فيها أدوات الردع
الصلب مع أدوات الضغط المالي والنقدي والتجاري، بحيث يصبح الاقتصاد نفسه ساحة
اشتباك قائمة بذاتها. يأتي ذلك في سياق استمرار العقوبات التي تقودها الولايات
المتحدة منذ انسحابها من الاتفاق النووي عام 2018، وما تبعه من إعادة فرض قيود
مشددة على صادرات النفط الإيرانية، وعزل المصارف عن النظام المالي العالمي، وتقييد
الوصول إلى الدولار.
وقد انعكس هذا المسار
على مجمل الأداء الاقتصادي في إيران، حيث دخل الاقتصاد في حلقة من الضغوط
التضخمية، وتراجع العملة، وتباطؤ النمو. أحد أبرز المؤشرات يتمثل في الانخفاض
الحاد لقيمة الريال خلال العام الأخير، إذ تخطى سعر الصرف في السوق الموازية مستوى
1.4 مليون ريال للدولار في أواخر 2025، بعد أن كان أقل بكثير قبل عام واحد فقط.
هذا التدهور يعكس اختلالات عميقة تشمل ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية، وتراجع
الثقة، وضغوط ميزان المدفوعات، ويؤدي بدوره إلى رفع كلفة الواردات، ولا سيما السلع
الأساسية والمواد الأولية، بما يخلق حلقة تضخمية يصعب كسرها دون استقرار سياسي
ونقدي.
أما فيما يتعلق بالتضخم
فهو خطير جدا، حيث تشير تقديرات حديثة وتقارير صادرة عن مؤسسات دولية، من بينها
صندوق النقد الدولي، إلى أن معدل التضخم السنوي يدور حول 40-45 في المئة، مع تسجيل
نسب أعلى في سلة الغذاء. ويرتبط هذا المستوى المرتفع بتوسع الكتلة النقدية، وضعف
سعر الصرف، واستمرار القيود على التجارة والتحويلات المالية.
ورغم محاولات السلطات
اعتماد إجراءات نقدية، بما في ذلك مشاريع حذف أصفار من العملة وإعادة هيكلة شكلية
للنظام النقدي، فإن هذه الخطوات تبقى محدودة الأثر إذا لم تُقرن بإصلاحات مالية
وهيكلية أعمق. أما البطالة، فتتراوح التقديرات بين 7 في المئة و10 في المئة وفق
اختلاف المصادر، وبعضها يشير إلى أعلى من ذلك بكثير، مع ارتفاع ملحوظ في بطالة
الشباب والخريجين، ما يعكس ضعف قدرة الاقتصاد على توليد فرص عمل مستدامة خارج
القطاع النفطي.
وتشير تقديرات منشورة
في تقارير اقتصادية دولية إلى أن سوق العمل الإيراني يواجه ضغوطا هيكلية طويلة
الأمد، خصوصا في ظل تباطؤ الاستثمار وتقييد القطاع الخاص. وفيما يخص النمو
الاقتصادي، تُظهر تقديرات صادرة عن البنك الدولي أن الأداء يبقى هشا، مع معدلات
نمو متقلبة ومرتبطة إلى حد بعيد بمستوى الصادرات النفطية ومسار العقوبات.
ضمن هذا السياق، يمكن
فهم جانب أساسي من الأزمة الاقتصادية الإيرانية بوصفه نتيجة مباشرة لسياسة الضغط
الأقصى التي تنتهجها واشنطن. فالعقوبات لم تقتصر على تقليص العائدات النفطية، بل
استهدفت أيضا تقييد قدرة الدولة على الوصول إلى العملات الصعبة، وتعطيل قنوات
الاستثمار والتمويل، ورفع كلفة المعاملات التجارية. ووفق قراءة تحليلية لهذا
المسار، تبدو الاستراتيجية الأمريكية قائمة على خلق بيئة اقتصادية شديدة الهشاشة،
تتسم بتضخم مرتفع، وتآكل في قيمة العملة، وضغط معيشي متزايد، بحيث تتزامن أي خطوة
عسكرية أو تصعيد أمني محتمل مع وضع اقتصادي داخلي مرهق اجتماعيا. والرهان في هذه
المقاربة يقوم على أن تفاقم الغلاء وتآكل القدرة الشرائية قد يولدان ضغوطا
اجتماعية داخلية تُضعف هامش المناورة السياسية لطهران وتدفعها إلى تقديم تنازلات
استراتيجية. بذلك يصبح الاقتصاد جزءا لا يتجزأ من هندسة ميزان القوى، وليس مجرد
نتيجة جانبية للصراع.
تبدو الخيارات المتاحة أمام طهران محصورة في ثلاثة اتجاهات مترابطة: تعميق الاندماج مع تكتلات اقتصادية بديلة للنظام المالي الغربي، أو انتهاج تصعيد نووي محسوب لزيادة أوراق الضغط، أو إطلاق إصلاحات داخلية هيكلية تشمل إعادة هيكلة الدعم وضبط العجز وتنويع القاعدة الإنتاجية
وعليه، وفي حال تأكد
تعثر المفاوضات نهائيا وتصاعد التوتر مع أطراف إقليمية مثل إسرائيل، فإن أي مواجهة
عسكرية، حتى لو كانت محدودة، ستنعكس فورا على الأسواق عبر موجة هلع نقدي، وارتفاع
إضافي في الطلب على الدولار والذهب، وتسارع في الأسعار. أما في حال اتساع نطاق
المواجهة، فقد يتأثر تصدير النفط والبنية التحتية الحيوية، ما يفاقم الضغط على
المالية العامة ويقيد قدرة الدولة على تمويل الدعم الاجتماعي.
مع ذلك، لا يمكن إغفال
عناصر الصمود التي راكمتها إيران خلال سنوات العقوبات، عبر توسيع شبكات التجارة مع
شركاء غير غربيين، ولا سيما الصين وروسيا، واعتماد تسويات بعملات محلية أو عبر
آليات مقايضة، كما توسع الاقتصاد غير الرسمي ليؤدي دورا امتصاصيا للصدمات. إلا أن
هذه الآليات، وإن وفّرت متنفسا، ترفع الكلفة الاقتصادية وتحد من الكفاءة على المدى
الطويل خاصة مع ضغط أمريكا على الجميع تارة بالرسوم الجمركية وتارة بالضغط السياسي
المفتوح. فمع سقوط المسار التفاوضي بالكامل، تبدو الخيارات المتاحة أمام طهران
محصورة في ثلاثة اتجاهات مترابطة: تعميق الاندماج مع تكتلات اقتصادية بديلة للنظام
المالي الغربي، أو انتهاج تصعيد نووي محسوب لزيادة أوراق الضغط، أو إطلاق إصلاحات
داخلية هيكلية تشمل إعادة هيكلة الدعم وضبط العجز وتنويع القاعدة الإنتاجية. غير
أن كل خيار من هذه الخيارات ينطوي على كلفة سياسية واقتصادية، ويتطلب هامش استقرار
داخلي يصعب تحقيقه في بيئة تضخمية ضاغطة وسياسية غير مستقرة.
بالمحصلة، إن المؤشرات
الاقتصادية الراهنة تكشف عن اقتصاد يعيش حالة هشاشة متزايدة بفعل تداخل الضغوط
الداخلية والخارجية. التضخم المرتفع، وتدهور العملة، والنمو المتباطئ، وضغوط سوق
العمل، جميعها عوامل تجعل أي تصعيد عسكري أو فشل تفاوضي مضاعف الأثر.
الحرب في هذا
السياق لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الترسانة، بل بقدرة العملة على الصمود،
وبقوة الموازنة العامة، وبثقة المجتمع في استقرار معيشته. فهي تبدأ بالعسكرة،
لكنها تمتد إلى الأسواق والمصارف وسلاسل الإمداد، ليغدو الاقتصاد أحد أبرز وجوهها
وأكثرها تأثيرا واستدامة في رسم نهايات الصراع إذا كانت من نهايات يريدها اللاعبون
ويعرفون أين ينتهي مداها!