ليس الجدل الدائر في
لبنان حول
السلاح نقاشا لغويا أو تقنيا، بل صراعا عميقا على تعريف الدولة ودورها
في لحظة إقليمية تتفكك فيها القواعد القديمة وتُعاد صياغة موازين القوة. من هنا،
فإن الانتقال المتعمّد في الخطاب الرسمي والدبلوماسي من مصطلح "نزع السلاح"
إلى "احتواء السلاح" لا يمكن اعتباره صدفة، بل تعبيرا عن إدراك متزايد
باستحالة الحلول الصدامية في بلدٍ قام توازنه تاريخيا على التسويات لا على الحسم.
الفارق بين المفهومين
جوهري؛ نزع السلاح يفترض مواجهة مباشرة ومعادلة صفرية، ويؤسس لصدام سياسي وأمني وهذا
ما لا يريده سيد العهد ولا
حزب الله ولا المكونات الضامنة للبلاد، حيث الصدام يفترض
مسبقا قدرة الدولة على فرض إرادتها بالقوة. أما الاحتواء، فهو مصطلح فضفاض عمدا،
يتيح إدارة الواقع بدل كسره، والتدرّج بدل الصدمة، ويعكس اعترافا ضمنيا بأن السلاح
في لبنان ليس ظاهرة طارئة، بل نتاج تاريخ طويل من غياب الدولة أو عجزها عن أداء
وظائفها السيادية.
تبدو المقاربة الرئاسية أقرب إلى إدارة انتقالية طويلة النفس، تحفظ التوازن الداخلي وتؤجّل الصدام بدل تفجيره
في هذا الإطار، تبرز
رئاسة الجمهورية كموقعٍ يسعى إلى مقاربة أقل انفعالية وأكثر واقعية. فالرئيس، بحكم
موقعه الدستوري ورمزيته التوافقية، لا يملك ترف الخطاب الشعبوي ولا المغامرة
السياسية، بل يتحمّل كلفة الانهيار إن وقع، وكلفة الفوضى إن انفجرت. لذلك، تبدو
المقاربة الرئاسية أقرب إلى إدارة انتقالية طويلة النفس، تحفظ التوازن الداخلي
وتؤجّل الصدام بدل تفجيره. وهنا الخشية أنه مع مرور الأيام يصبح العهد الجديد مرآة
على غرار عهد الآدمي الرئيس إلياس سركيس، ولكن مقاربة الرئيس جوزف عون تبدو للحظة
مختلفة ومتوازنة، غير أن الضغوط جمة.
السؤال المحوري هنا: هل
الاحتواء عودة مقنّعة إلى هدنة 1949؟
الوقائع تشير إلى أن
هذا الاستحضار رمزي أكثر مما هو عملي. هدنة 1949 وُقّعت في زمن مختلف، بين دولتين
واضحتين، وفي سياق لم يكن فيه لبنان ساحة اشتباك إقليمي. اليوم، لبنان جزء من
معادلة ردع مفتوحة، وحزب الله لم يعد تنظيما ظرفيا بل فاعلا عسكريا وسياسيا متجذرا
في المجتمع والدولة معا. من هنا، فإن الاحتواء لا يعني العودة إلى 1949، بل محاولة
إنتاج صيغة جديدة لخفض الاشتباك، بلا سلام وبلا حرب، وبلا نزع وبلا تفويض مطلق.بل إن الاحتواء قد يكون
أبعد من 1949 من حيث المضمون، فهو لا يقتصر على ضبط الحدود الجنوبية، بل يمتد إلى
ضبط وظيفة السلاح نفسها: الانتقال من سلاح مفتوح الوظيفة، مرتبط بإيقاع الصراعات
الإقليمية، إلى سلاح محدد الدور، مضبوط بسقف سياسي وطني، ولو كان هشا وغير مكتمل،
أي تحويل الردع من أداة استدراج للحرب إلى أداة منع لها.
لكن السؤال الأخطر
يبقى: هل لبنان بتركيبته قادر على تحمّل هذا الخيار؟
لبنان، بواقعه الطائفي
والاقتصادي والمؤسساتي، لا يحتمل نزعا قسريا للسلاح لأنه يهدد السلم الأهلي، ولا
يحتمل في المقابل استمرار السلاح بلا أفق سياسي واضح لأنه يستنزف الدولة ويقوّض
مفهوم السيادة. بين هذين الحدّين، يبدو الاحتواء خيار الضرورة لا خيار القناعة،
ومسارا اضطراريا فرضته الوقائع لا النظريات.
أما حزب الله، فإن
إدماجه في أي تسوية لا يعني إلغاء دوره ولا شطب شرعيته التاريخية المرتبطة
بالمقاومة، بل إعادة تموضعه ضمن لحظة إقليمية تتراجع فيها الحروب المفتوحة ويصعد
فيها منطق إدارة الصراعات. الاحتواء هنا ليس تفريطا بالمقاومة، بل محاولة لإعادة
تعريفها ضمن مصلحة وطنية أوسع تمنع الانتحار الجماعي وتحافظ على الحد الأدنى من
الاستقرار.
لبنان لا يحتمل صداما حول السلاح، كما لا يحتمل بقاءه بلا ضوابط، ولا يملك ترف استيراد نماذج جاهزة من خارج سياقه المعقّد
ولا بد في السياق قراءة
أننا في زمن تتفكك فيه التكتلات، ويتراجع فيه النظام الدولي، وتُدار فيه الأزمات
بمنطق القوة لا القيم، بحيث يصبح الحفاظ على الاستقرار اللبناني إنجازا بحد ذاته.
السيادة، في هذا السياق، لا تُستعاد بالشعارات ولا بالمواجهات الكبرى، بل بتراكم
بطيء للتوافقات، وبإعادة بناء الدولة اقتصاديا ومؤسساتيا، إلى أن يصبح احتكارها
للقوة أمرا ممكنا لا وهميا.
وفي المحصلة، لا يمكن
التعامل مع لبنان كدولة صلبة قادرة على تحمّل الصدمات الكبرى أو التجارب
الراديكالية، هو كيان هش في بنيته، محدود في موارده، ومكشوف في جغرافيته، وأي
مقاربة تتجاهل هذه الحقيقة تتحوّل إلى مقامرة خطِرة. لبنان لا يحتمل صداما حول
السلاح، كما لا يحتمل بقاءه بلا ضوابط، ولا يملك ترف استيراد نماذج جاهزة من خارج
سياقه المعقّد.
من هنا، فإن الاحتواء
ليس تعبيرا عن سيادة مكتملة، بل محاولة لمنع انهيار ما تبقّى منها. هو سياسة إدارة
ضعف لا استعراض قوة، وتأجيل انفجار لا تفجيره. وفي بلدٍ بهذه الهشاشة،
تصبح إدارة المخاطر سياسة بحد ذاتها، ويغدو تجنّب الكسر هو الحدّ الأقصى الممكن
للحكمة السياسية، ولعل في البلاد الكثير من الحكماء عند الملمات.