قضايا وآراء

لبنان فلسطين سوريا: المرحلة الثانية تبدأ في واشنطن حصرا

محمد موسى
"القتل لم يتوقف، والتهجير مستمر، والاستهداف اليومي قائم"- جيتي
"القتل لم يتوقف، والتهجير مستمر، والاستهداف اليومي قائم"- جيتي
شارك الخبر
في لبنان كما في غزة وربما في دمشق، يتكرّر الحديث عن مرحلة ثانية بوصفها مخرجا سياسيا أو أمنيا، فيما الوقائع على الأرض تقول إن المرحلة الأولى نفسها لم تكتمل يوما ولم تُحترم. جنوب الليطاني، كما غزة وكذا في الجنوب السوري، تحوّل إلى عنوان فضفاض يُستخدم للضغط على طرف واحد، بينما يُعفى الطرف الآخر من أي التزام أو مساءلة. هنا لا تعود المشكلة تقنية ولا مرتبطة بآليات التنفيذ، بل سياسية بامتياز، وتتصل بسؤال بسيط ومحرج في آن واحد: من يسأل إسرائيل عمّا التزمت به فعليا، وماذا قدّمت في أي مرحلة سابقة؟

في لبنان، فُرضت التزامات أمنية واضحة تحت عناوين التهدئة ومنع التصعيد، لكن إسرائيل واصلت الاغتيالات والانتهاكات والخروقات الجوية والبرية من دون أي رادع. لم يترافق ذلك مع دعم مالي ولا مع خطة إعادة إعمار ولا مع ضمانات سيادية حقيقية، وكانت النتيجة التزاما أحاديا مقابل استمرار الاعتداء، وكأن المطلوب إدارة الأزمة لا حلها.

وفي غزة، تبدو الصورة أكثر دموية ووضوحا. القتل لم يتوقف، والتهجير مستمر، والاستهداف اليومي قائم، فيما المساعدات الإنسانية تُستخدم كأداة ضغط لا كحق إنساني.

من دون تغيير جوهري في المقاربة الأمريكية، يبقى الحديث عن مراحل وتسويات مجرد شراء للوقت للإسرائيلي للمزيد من سياسة العنف اللا متناهي وإحراج للوسطاء، بانتظار حروب ثانية وثالثة، فيما المنطقة تُدار بالنار لا بالسياسة، وبميزان القوة لا بمنطق العدالة

وفي سوريا حدث ولا حرج استباحة في الأرض والسماء وصولا إلى نصب حواجز في المناطق السورية العزيزة! أي أن ما يُسمّى مرحلة أولى لم يكن سوى غطاء زمني لمواصلة الحرب بوسائل مختلفة.

إن التجربة التاريخية منذ أوسلو حتى اليوم تثبت نمطا ثابتا في السلوك الإسرائيلي؛ تأخذ إسرائيل ما تريد في كل مرحلة، وتؤجّل ما عليها إلى مرحلة لاحقة، ثم تعمل على تفريغ تلك المرحلة من مضمونها بذريعة الأمن أو الواقع الميداني أو الاستحقاقات الداخلية. هذا السلوك لم يكن يوما منفصلا عن الغطاء الأمريكي، بل هو نتيجة مباشرة له. إسرائيل لا تتصرّف كدولة خارجة عن السيطرة، بل كدولة مطمئنة إلى أن سقفها محمي، وأن الكلفة السياسية والقانونية لأفعالها تقع على غيرها.

يتجلّى هذا المعنى بوضوح في الموقف الأمريكي الأخير الذي عبّر عنه وزير الخارجية ماركو روبيو، حين برّر فرض عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية لأنهم تجرأوا على مساءلة إسرائيل. في لحظة واحدة، أسقطت واشنطن ما تبقّى من خطابها عن النظام الدولي والقانون والعدالة؛ تعاقب واشنطن جنوب أفريقيا لأنها لجأت إلى القضاء الدولي، وتتسامح مع ضرب الدوحة، وتطالب السعودية بتطبيع بلا مقابل سياسي حقيقي، وترفع عن إسرائيل كل مساءلة مهما بلغ حجم الجرائم والانتهاكات. في هذا السياق، لا يعود السلوك الإسرائيلي تطرفا معزولا، بل يصبح انعكاسا مباشرا للضوء الأخضر الأمريكي. والخشية الآن بعد اللقاء المرتقب بعد أيام؛ من إطلاق يد الإسرائيلي في لحساب ملف على آخر، وهنا الطامة الكبرى الجديدة ضمن تعقيدات المنطقة. وعليه، فالإسرائيلي بالغطاء الأمريكي يعمل وفق منطق المثل الشعبي "كل شي من بيت فرفور ذنبه مغفور".

من هنا، يصبح السؤال عن المرحلة الثانية في لبنان أو غزة سؤالا مضللا إذا لم يُطرح السؤال الأهم: هل واشنطن مستعدة لتغيير سلوكها، أم أنها ستبقى شريكا كاملا في إدارة الصراع لا في حله؟ في ظل صعود التطرف داخل إسرائيل، واقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وتزايد التوتر مع المحيط الإقليمي والدولي، تتحوّل الحروب الخارجية إلى أداة سياسية داخلية، وتصبح الهدن مجرد فواصل بين جولات أعنف.

بكل شفافية أن المرحلة الثانية الحقيقية لا تبدأ جنوب الليطاني ولا على حدود غزة، بل تبدأ في واشنطن. فمن دون تغيير جوهري في المقاربة الأمريكية، يبقى الحديث عن مراحل وتسويات مجرد شراء للوقت للإسرائيلي للمزيد من سياسة العنف اللا متناهي وإحراج للوسطاء، بانتظار حروب ثانية وثالثة، فيما المنطقة تُدار بالنار لا بالسياسة، وبميزان القوة لا بمنطق العدالة.
التعليقات (0)